Tuesday 9th of June 2026
 

عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 

مواقع التواصل الاجتماعي

 
 
  • التاريخ
    22-Nov-2010

أوجاع وطن" للزعبي: مدونة نقدية تشخص أمراضا اجتماعية وسياسية وتؤشر إلى مناطق العطب

الغد -

غلاف كتاب "أوجاع وطن" للكاتب أحمد الزعبي-(الغد)

عمان- إذا كان فن السخرية يعتمد على اصطياد المفارقة والتصرف بها، فإنَّ مفارقات الكاتب الساخر أحمد حسن الزعبي التي جمعت بين دفتي كتاب جاء بعنوان "أوجاع وطن" وصدر أخيرا عن دار ورد للنشر والتوزيع، لم تكتف بالصيد أو التصرف.

فقد نهدت تلك المفارقات، عبر أكثر من 90 مقال ونص، إلى جر القارئ لكي يسمع عويل أطفال يشبه صوت الأمعاء الجائعة، ويحس ببرد بيوت تواجه ليالي الشتاء بالعتمة، ويقرأ برقيات صمود أرسلتها قيادات نضالية دهنت شاربها بسمنِ وعسل القضية.

ثمَّ يمسكُ رأسه بكلتا يديه مفكرا في حجم تلك المرارة العربية التي رسمت بفرشاة فنان له باع طويل في علم الاجتماع الميداني وفي السياسة، إضافة إلى خبرة لا بأس بها بمكافحة الفساد وكشف المستور وتمزيق كل ملابسه.

وتبدو سخرية الزعبي مختلفة عن سخرية غيره في كل تجلياتها، لسبب جوهري أنها لم تكتف بنفسها أو بالغمز واللمز، وإنما تتحول إلى مدونة نقدية تشخص أمراضنا الاجتماعية والسياسية، وتؤشر إلى مناطق العطب فيها.

وتعيدُ سخرية الزعبي الاعتبارَ لفن الكتابة الساخرة، بما فيه من إبداع وجسارة وتطاول على أدوات المنع وخطوطها الحمراء، واقتراب أكيد من نبض الناس، ومن كلِّ ما هو ظاهر أو راسب في معاناتهم، وليس مجرَّد خفة دم أو استظراف يمضي من غير أن يترك الجهات المقصودة عرضة للمساءلة.

ويتجلى ذلك في مقالته "تصبحون على رغيف" التي يقول فيها: "سيد شهداء الخبز: رجل مسن من محافظة الدقهلية يعمل ماسح أحذية ولديه 4 أبناء توفي فوراً بعد أن سقط مغشياً عليه من كثرة الزحام أثناء محاولته الحصول على أرغفة قليلة لإطعام أسرته".

ويضيف: "محمود نور الدين (49 عاماً) موظف تموين لقي مصرعه بالسكتة القلبية، وهو يحصي 5 آلاف رغيف خبز لتوزيعها على أهل قرية الشيخية التابع لمركز قوص في قنا".

ويزيد: "وأخيراً صارت فرشة الخبز تابوتاً، واللقمة رصاصة، والعيش قتالاً، والخبز مراً، والوطن تجويعاً". إلى أنْ يقول: "صار امتلاك الرغيف -في الوطن العربي- انتصاراً، واكتساح خبز الحمام تحريراً، أما الكعك فيسمسم من خلال مفاوضات مريرة ولجنة رباعية، حتى منقوشة الزعتر تأبى أن تنضجَ -في هذا الزمن الصعب- إلا من خلال كامب ديفيد جديدة".

ورغم معاناة الزعبي مع الرقابة، إلا أنه استطاعَ، بكل ذكاء، أنْ يأخذ حيِّزا مرنا ليكتب فيه عن الظلم والقهر وسرعة استقالة وتشكيل الحكومات، ومحاولات استخراج الصخر الزيتي، واستخراج اليورانيوم والتذكير بالعدالة الاجتماعية، ناقدا خصوصا حين يكتب ناقما على أوضاعنا المعقدة والمتواطئة وعلى الأطراف المتسببة بوجود هذا الراهن.

ثم يتغلغل في الوعي الجمعي، مؤكدا أنَّ وجوه الساسة مثل الطاقة لا تفنى ولا تستحدث ولكن تتحول من شكل إلى آخر، مشيرا إلى أننا لم نعد نسمع عن خطط الحكومات في مواجهة الفقر، ما يفتح أمامنا أحد الاحتمالين: "إما أن يكونوا قد قضوا على الفقر، وإما أن يكونوا قد قضوا على الفقراء أنفسهم".

ويقودنا الزعبي عبر مقالاته إلى فضح أكثر من فجوة حزينة نغص بها،حتى حين يغلفها بفكاهية أدبية جادة لنراه في المختلف عن سواه لا يخلط بين الحكومة والوطن، ولا يضمر فتنة، ولا يُحرِّضُ تحريضا أعشى أو أعمى، ذلك لأنَّ جلَّ همه يتجمهر دائما في ردم الهوة بين حكومة قصرت وحكومة أنجزت.

ولأنه يكره الرمادي ويقف مع فكرة الانحياز، نراه واضحا حين ينحاز

إلى كتابة، آمَنَ أنَّ المقصود منها توثيق حالة صمت وخوف وموت مواطننا العربي بالحبر والورق، لعله يعوضه شيئا من ريشه المسلوب وصوته المذبوح في كل فجر، حتى لو بعد ذبحه فلا عجب والحال هكذا أنْ يكتب من خلال الاتكاء على أكثر من خاصرة موجوعة ويقول في مقالة "الصفعة": "هناك قصة قصيرة للكاتب زكريا تامر بعنوان (صامتون).. تتحدث عن رجل يدعي زهير صبري التقته امرأة ذات يوم لتخبره أنها تحبه ولن تحب غيره، في حين قال لها الرجل إنه لا يهتم إلا بمستقبله ولم يكمل حديثه بعد حتى بوغت بصفعة مؤلمة تنهال على رقبته فتلفت حوله ولم ير الصافع.. وصُفع مرة ثالثة عندما قبل بخشوع يد رجل ذي لحية طويلة مشعثة ورجاه أن يدعو له ولم ير الصافع. وصُفع زهير صبري كثيراً وفي كل مرة، من دون أن يرى الصافع المجهول. ولم يكلم أحداً عن تلك الصفعات السرية حتى لا يسخر منه ويتهم بالجنون، ولكنه كان واثقاً بأن الناس أجمعين يصفعون مثلما يصفح ويلوذون بالصمت".

ثم يضيف الزعبي: "أنا مثل زهير صبري أصحو كل يوم وأشاهد علامات الأصابع الحمرا على خدّي الأيمن.. اٌصفع كل صباح عندما أرى فلسطين ما تزال مزنرة بالأسلاك الشائكة والأحلام الشائكة، وأصفع ثانية عندما أرى العراق العظيم مثل أسد مروض في سيرك، وأصفع ثالثة عندما أرى اقتصاد الدول العربية قشة في بحر مائج، وأصفع رابعة عندما أشاهد الكوندليزا رايس تتصرف في منطقتنا مثل مساح مرخص.. تخطو على أرض ليست لها تدق زوايا الأوطان وتمنح القواشين لمن تشاء، وأصفع خامسة عندما يحابي أحد سماسرة الدم والسياسة في أميركا إسرائيل على حساب أوطاننا".

وأخيرا يفرق الزعبي بينه وبين زهير صبري، ثم يقول إنه لم ير الصافع ولم يعرفه، وتابع: "أما أنا فأعرفه جيداً.. وأتحين فرصتي لأقطع يده".