عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Apr-2017

إزالة القداسة عن الممارسة السياسية*لطفي العبيدي

القدس العربي-يُخطئ من يعتقد أنّ الاستقطاب الثّنائي إلى علمانيين ومتديّنين إنّما هو تقسيم سياسي لأنّه من المُمكن أن يصبح «انقساماً هوياتياً»، وهو أمر يدفع إلى شرخ المجتمع وإلى احتراب على الهوية، ومن يمارسون السياسة وفق هذا الفهم ليس لهم مقاربة اجتماعية وسياسية، وهم عاجزون على تقديم الحلول، أمّا السلفية بأنواعها الجهادية أو التكفيرية أو العلمية فأغلبهم لا يفهمون النص الديني ومجرّد عدم قبولهم بالاختلاف يلغي صحّة فهمهم لدينهم ولمقاصد الرسالة الإسلامية . وإذا ما كنا نعد القرن الـ21 منطلقاً لصراع بين عهود الانكسار والتشظي وبين ولادة ثقافة المقاومة والطموح الى استئناف الدور الحضاري والثقافي فانّ تمثّل مفهوم الدولة شرط أساسي وجوهري، الفهم الذي يستقيم عند حدود الدولة الوطنية ومهمّات الاصلاح الحقيقية بعيداً عن ثقافات ما قبل الدولة مؤشّر التقوقع الطائفي والمذهبي والعشائري أو ثقافات آيديولوجيا ما فوق الدولة كالإسلام السياسي والقومية الايديولوجية وقد أثبتت جميعها أنّها مجرّد اندفاع دوغمائي وراء زعامات انتهازية تسعى لتحصيل مكاسب سياسية. ومن المؤسف أن يعود في تونس التجاذب التاريخي ويُثار من جديد الصراع اليوسفي – البورقيبي ويتمترس هذا وذاك للدفاع عن زعامات وطنية لا ننكر أنّها جزء من تاريخ تونس ولكنّ حرّاس المعبد البورقيبي كما سدنة القلعة اليوسفية يدفعون باتّجاه المواطنة الاجتماعية غير المتجانسة في تونس وبالتحديد قضية المركز والأطراف، وهي مصادرة على المطلوب خاصة وأنّ الثورة اندلعت ضدّ حكم استبدادي نفى أيّ امكانية للأمان وأسّس لعلاقة زبائنية وبالمثل يتواصل مسار تغييب مسألة التنمية والتصرّف الدّولتي. نحتاج دولة الفكرة وليس دولة الايديولوجيا والمثقف لا ينتظر من يعطيه فرصة لتفكيك الايديولوجيات السالبة وعليه ان يدرك أنّه لا يمكن أن نوجد لكلّ مثقف مجتمعاً على قياس أفكاره وتصوّراته. والمؤسف أنّ الدولة الوطنية في تونس اليوم لم ترتق الى الوطنية الدستورية، فالأحزاب كانت ولا تزال نخبوية وكذلك البرلمانات تدين للأحزاب وتُغيّب التمييز بين مطالب الحزب ومطالب الدولة، فجميع الأحزاب تحوّلت إلى رابطة مصالح والمواطن البسيط عُونق عناق الأب أيام الدعاية الانتخابية ثمّ تُرك في شقائه ينعم. فهو رقم ضريبي لا أكثر وازداد بؤس حاله المعيشي مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتدهور الحال الاجتماعي.
ولكن السؤال المطروح اليوم: من يحكم؟ وهو سؤال يستمدّ مشروعية طرحه من طبيعة النظام السياسي الغامض وضعف المؤسسات السياسية الرسمية في استيعاب معطى الحكم وفي التعامل مع القضايا الاجتماعية. ما يجعل توصيف الحكومة التونسية بحكومة المطافئ سردية في التعبير يتأكّد صوابها  يوماً بعد يوم. من المؤكّد أنّ الحلّ في المراحل الانتقالية يكمن في  إقامة تحالف وطني واسع بدل الإقصاء، ومثل هذه «الترسيمة» طُبّقت إلى حدّ ما في تونس في حين غُيّبت في مصر على سبيل المثال الأمر الذي عقّد المسألة الوطنية هناك، فالاجتثاث والاستئصال يؤدّيان حتماً إلى نزعات فاشية وحروب أهلية ولكنّ المهمّة الأكيدة التي تتمثّل في محاسبة النظام القديم لم تتمّ في كلا البلدين بل تمّت مباركة عودة النظام القديم وتسليمه مقاليد الحكم في محطّات هامّة نعتقد أنّها  قد انحرفت بمسار الثورة وغيّبت عمليّا امكانيات التغيير وتحقيق الانتقال الديمقراطي الذي يُعتبر مهمّة وطنية وليس حزبية. فتغيير حال البلاد والعباد نحو الأفضل لا يمكن أن تتمّ على يد أشخاص عطّلوا امكانات التطوير وكرّسوا الاستبداد والتخلّف والظلم الاجتماعي لسنين طوال، وعلى القوى الديمقراطية أن تدرك أنّ مصلحة البلاد فوق كلّ الاعتبارات الحزبية أو الفئوية في مثل هذه المرحلة التاريخية وكلّ اجتهاد بشري يُثبت بتواصل جدواه ولكن يُستعاض عنه بسواه إذا انتفت صلاحيته وتعطّلت وظائفه.
مثل هذا الفهم ضمن مُدركات المرحلة الصعبة من  تاريخنا الوطني يبعث على تحويل اهتمامنا من التركيز على الحاكم إلى التركيز على عملية الحكم وكيفية إدارة الدولة، بمعنى مناقشة الأفكار والرؤى والمشاريع وليس الأشخاص، بهذا المنهج نتخلّص من عقلية الزعيم والأب الروحي والقائد الأوحد وكلّ أشكال القداسة السياسية التي سيطرت على الأذهان وعطّلت مسار التاريخ والرقيّ بالمجتمعات العربية وتفعيل طاقاتها ودفعها إلى تحقيق مطالبها الانسانية، فالإدراك الجمعي مازال يُحبّذ الشخص على الفكرة، والوعي المجتمعي لم يُغلّب سؤال كيف يحكم على مسلّمة من يحكم؟ ومثل هذه الممارسة السياسية مفلسة معطى ونتيجة.
كاتب تونسي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات