عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Aug-2018

انظر عن كثَب، وسترى "صفقة القرن" المشؤومة التي أعدها كوشنر للفلسطينيين قيد العمل

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 
روبرت فيسك - (الإندبندنت) 2/8/2018
 
ويقودهم إلى اليأس. ثم، ومن باب المجاملة للشاب جاريد، يعرض ترامب أن يُمطرهم بالمال في "الصفقة النهائية" إذا توقفوا فقط عن التقدم بهذة المطالب البغيضة، وغير العقلانية، والمعادية للسامية، والشبيهة بالنازية، والعنصرية -بإقامة دولة، وبالكرامة، وبوضع حد للاستعمار.
 
*   *   *
 
الإدراك المتأخر هو شأن غير عادل -لكنه قد يقول الحقيقة. أولاً، يعلن دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، بحيث يحرم الفلسطينيين من عاصمتهم في شرق المدينة. ويشعر الفلسطينيون بالرَّوع. ويقول محمود عباس إنه لن يتحدث بعد الآن إلى الولايات المتحدة. وبعد ذلك، يقول ترامب غاضباً "إننا ندفع للفلسطينيين مئات الملايين من الدولارات سنوياً ولا نحظى منهم بالتقدير أو الاحترام". وكانت هذه مجرد تغريدة، لكنه عنى ما قاله فيها. هؤلاء الفلسطينيون البائسون غير الممتنين! ثم يعمد ترامب إلى اقتطاع مبلغ 300 مليون دولار من المساعدات الأميركية التي تُقدَّم للاجئين، ليمنح الفلسطينيين المظلومين والمحاصرين والمحرومين مجرد 60 مليون دولار فقط.
 
ثم تضطر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا) -التي تتلقى مساعدات دولية حتى تقدم خدماتها لنحو 5.3 ملايين لاجئ فلسطيني- إلى التخلص من موظفيها، 113 منهم في غزة وحدها في الأسبوع قبل الماضي. وكانت الأنروا تقدم الرعاية للفلسطينيين منذ العام 1949، ولديها عجز حالي يبلغ 49 مليون دولار. ويواجه أطباؤها وممرضاتها ومعلموها وموظفوها الفلسطينيون الآخرون الذين يبلغ عددهم 30.000 شخص شبح البطالة. وبذلك، يهدد الجوع المزيد أيضاً من الجماهير الفلسطينية المُنهكة والفقيرة والمكتظة في غزة. وقد تم تواً إبلاغ أب لستة أبناء، في الثالثة والخمسين من عمره، بأنها لم تعد لدي وظيفة بعد 32 سنة من عمله في الأونروا.
 
ولكن، انتظرو. إن المساعدة في متناول اليد. لأنه، ألم يبذُل جاريد كوشنير، صهر ترامب المذكور ومانح "صفقة القرن" للسلام المستقبلي للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، وعداً بحياة أفضل للجانب الخاسر؟
 
لقد فعل ذلك حقاً، منذ شهر واحد فقط. واسمحوا لي أن أقتبس قوله: "أعتقد أن الشعب الفلسطيني هم أقل اهتماماً بالنقاط الحوارية للسياسيين، بحيث ينظرون حقاً إلى كيف ستعطيهم صفقة ولأجيالهم القادمة فرصاً جديدة، ووظائف أفضل وأكثر دخلاً، وإمكانيات لحياة أفضل". وكنتُ قد أشرت من قبل إلى أن هذا هو نهج ‘المال مقابل السلام’ بدلاً من صيغة ‘الأرض مقابل السلام’ -الدولارات بدلاً من عاصمة فلسطينية في القدس، وبدلاً من وضع حد للاستعمار اليهودي، ومن "حق العودة"، وهلم جراً. يا له من حلٍّ ترامبي حقاً!
 
لكن الكتاب الإرشادي الذي يشكله الترتيب الزمني للأحداث يجعل من "الصفقة" أكثر شؤماً. أولاً، يعطي ترامب القدس للإسرائيليين. وبعد ذلك، عندما يجرؤ الفلسطينيون على الشكوى، يقطع عنهم المساعدات الإنسانية ويقودهم إلى اليأس. ثم، ومن باب الكياسة والمجاملة للشاب جاريد، يعرض ترامب أن يُمطرهم بالمال في "الصفقة النهائية" إذا توقفوا فقط عن التقدم بهذة المطالب البغيضة، وغير العقلانية، والمعادية للسامية، والشبيهة بالنازية، والعنصرية، بإقامة الدولة، وبالكرامة، وبوضع حد للاستعمار.
 
وبذلك، ربما ستكون قلوبهم فارغة، لكن بطونهم ستكون ممتلئة. وربما ستكون آمالهم ميتة، لكن حساباتهم البنكية ستكون عامرة. وبدلاً من كل من الكآبة والعنف اللذين يرعاهما الزعماء السياسيون الفاسدون الذين لا يستطيعون أن يدفعوا ولا أن يعطموا شعبهم، يمكن للفلسطينيين أن يسيروا بفخار وثقة مع "فرص جديدة... فرص عمل أفضل أجوراً وآفاقٍ بحياة أفضل". نعم، شاهدوا حقاً نقطة "الآفاق" هذه.
 
مع وجود الكثير من الأموال التي تعوم في المكان، لن تكون هناك حاجة إلى الأونروا، أليس كذلك؟ لأنه لن يكون هناك لاجئون يعانون من الفقر في الأساس. لأن اللاجئين سيكونون ميسورين، إن لم يكن أغنياء، مع كل تلك الوظائف ذات الأجور الأفضل و"الآفاق". وداعاً لأكوام القمامة والفضلات في غزة. وداعاً لكل التهديدات الموجهة إلى إسرائيل. وبما أن نفس الخلاص المالي سيكون متاحاً لفلسطينيي الضفة الغربية أيضاً، فلماذا سيهتم سكانها بعد الآن بحملة إسرائيل التي تهاجمهم لابتلاع الأراضي؟ تذكروا فقط عسر أيام الركود والجمود في صيف العام 2018، عندما لم يعد بإمكان الأونروا أن تخفف عنهم الاضطهاد.
 
من المستحيل إخفاء المعادلة. عندما اعترض الفلسطينيون على تدمير تطلعاتهم السياسية -رفضوا "التحدث عن السلام"، حسب علم الدلالات الفاحش لدى الأميركيين والإسرائيليين- تم جعلهم فقراء معدَمين عمداً. وقال ترامب: "مع عدم رغبة الفلسطينيين في التحدث عن السلام، لماذا يجب علينا أن نوفر لهم أيا من هذه المدفوعات المستقبلية الضخمة"؟
 
يعتمد أكثر من نصف سكان غزة البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، ومع معدل بطالة يبلغ 44 في المائة، على الأونروا. وبعبارات أخرى، يجب استبدال القضية الفلسطينية -وقد عبر أحد موظفي الأونروا عن الأمر على هذا النحو- بقضية إنسانية. وبذلك سيصبح السلام اقتصادياً، بدلاً من أن يكون سياسياً.
 
لتحقيق المقصود، هناك محاولة للضغط على السعوديين والإماراتيين والمصريين للمشاركة في هذا المنجم الجديد للثراء في بلاد الشام. محطات الكهرباء ستدفع لها أبو ظبي، وستنشأ الأسواق الحرة المصرية في رفح، وتُستثمَر الأسهم السعودية في الشركات الفلسطينية؛ أحلام، ربما، لكنها ستكون مناسِبة للجماهير.
 
ببعض الطرُق، يبدو الأمر عودة إلى ذلك الخيال الواهم القديم عن خلق دبي في الضفة الغربية، وسنغافورة في غزة، والتي اعتاد شمعون بيرس على تبنيه، والذي اقترحه حتى جون كيري المأسوف عليه نفسه. لأنه، مَن يتذكر الآن "خطة فلسطين" الاقتصادية المنسية التي قدمها وزير الخارجية، التي تبلغ تكلفتها 4 مليارات دولار والتي اقترحها في المنتدى الاقتصادي العالمي قبل أكثر من خمس سنوات؟ وقد قيل لعباس العجوز نفسه آنذاك أيضاً بأنه "يجب عليه" إعادة بدء المفاوضات مع إسرائيل، بينما كان كيري يتحدث مطولاً وبغموض حول "خطة رائدة لتطوير اقتصاد فلسطيني صحي ومستدام يقوده القطاع الخاص... أكبر، وأجرأ، وأكثر طموحاً من أي شيء تم اقتراحه منذ أوسلو قبل أكثر من 20 عاماً". لكن كيري كان يعرض، على الأقل، دولة فلسطينية في مقابل امتثال عباس.
 
ومع ذلك، ليس ثمة ما هو "رائد" حول "صفقة القرن" التي يتحدث عنها ترامب اليوم، باستثناء استمرار "الريادة" في بناء "مستوطنات" يهودية جديدة، كما ما يزال يُفترَض فينا أن نسميها، على قمم التلال في الضفة الغربية. لكنني أفترض أن الفلسطينيين، إذا أصبحوا أقل جوعاً، وأفضل تغذية، ويتطلعون إلى وظائف أفضل و"آفاق" للمستقبل، وليس لديهم كابوس الأونروا ليطبق عليهم، فإنهم سيكونون قادرين على تأمل كم كان حالهم ليكون أسوأ بكثير لو أنها أصبحت لديهم دولتهم الخاصة، وأمنهم الخاص، والقدس الشرقية عاصمة، ولم تعد لديهم المزيد من المستعمرات الإسرائيلية القائمة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
 
 
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: 
 
Look closely and you'll see Jared Kushner's cynical ‘deal of the century’ for Palestinians in action
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات