عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Aug-2018

شعراء: درويش أعاد تشكيل خارطة الشعر العربي

 الدستور-عمر أبو الهيجاء

كأنه روحه ما انفكت ترفرف في فضاءات أرواحنا، رغم الغياب، ذلك هو الشاعر العربي الكبير محمود درويش، الذي تصادف اليوم الذكرى العاشرة لرحيله، شاعر أسرنا في لغته فكان أسطورة الشعر العربي بلا منازع، محمود حمل القضية الفلسطينية والقضايا الإنسانية والعشق إلى العالم وانتصر لهذه القضايا بذائقته الفنية وحاز خلال مسيرته الشعرية على امتلاك القلوب.. «الدستور» استطلعت آراء بعض الشعراء العرب الذين يشاركون في مهرجان الرمثا السابع عشر هذه الأيام، وسألتهم عن مكانة وأهمية الشاعر درويش والذكرى لرحيله فكانت هذا الآراء. 
 الشاعر عبد الرزاق الربيعي: غياب مجازي
هل توقّف الشاعر محمود درويش عن كتابة الشعر بعد ذلك اليوم الذي أعلنت به قصيدته إغماضتها الأخيرة في باريس؟ سؤال يطرح نفسه بعد عشر سنوات من غياب الشاعر محمود درويش عن عالمنا، ولم يكن ذلك الغياب سوى فعل مجازي،  فلم يغب اسمه، وشعره، عن الكتب، و الصحف، ومواقع التواصل الاجتماعي، والندوات الادبية، وقاعات الدرس الأكاديمي، ليظل فارضا حضوره، على ذائقة المتابعين، والدارسين الذين عادوا الى شعره ليشبعوه تنقيبا، وبحثا، وقراءة، وليلتقطوا الدرر المخبوءة التي لم ينتبهوا لها، ويبدو أن الموت  أضاف لها أبعادا كثيرة، وكأن رحيل الشاعر كان الضوء الكاشف للنص الدرويشي، فأصبح أكثر توهجا، ولسان حاله يقول: «هداياي أكبر مني/ كلوا حنطتي/ واشربوا خمرتي/ فسمائي على كتفي/ وأرضي لكم».
وها نحن بعد عشر سنوات من غيابه نأكل حنطته، كما كنا نفعل منذ عرفنا الطريق إلى نصه في الستينيات وحتى رحيله، ونشرب خمرته المعتّقة التي كلما مر عليها الزمن تغدو أكثر تاثيرا، وذلك لأن النص الدرويشي الغني بالرؤى، يحفر عميقا في أرضية التجربة الإنسانية، ويأتي بصياغة مكثفة آسرة :لا شيء يدهشني/فنحن الآن/منسجمان/في النسيان»، ويلجأ لتكرار المفردات ليبني نصا من مقاطع قصيرة : «يرنو إلى أَعلى/فيبصر نجمةً/ترنو إليهْ!
يرنو إلى الوادي/ فيبصر قبرَهُ/ يرنو إليهْ/ يرنو إلى امرأةٍ، تعذِّبُهُ وتعجبُهُ/ ولا ترنو إليه/ يرنو إلى مرآتِهِ/ فيرى غريباً مثله/ يرنو إليهْ!»
ومن هذه المقاطع نجد المئات، مثلما نجد في قصائده الطويلة عناقيد من المعاني، والرؤى بما يؤكد حيوية النص الدرويشي الذي سيظل محل اهتمام النقاد والدارسين خلاف العديد من الشعراء العرب الذين تطوى صفحات كتبهم بعد رحيلهم عن عالمنا! ولذا سيظل نص درويش حيا، مفتوحا على القراءات المتعددة، وسيظل يكتب الشعر لسنوات طويلة قادمة.
 
 الشاعرة حنين عمر: النهر الخالد
لم يكن محمود درويش مجرد شاعر عابر في تاريخ الشعر العربي، لقد كان بالتأكيد حالة فريدة، استطاعت أن تفرض نفسها بجدارة وثقة في واجهة المشهد الأدبي، لذا كان مثيرا للجدل في حياته وبقي كذلك حتى بعد مماته.
لقد حاول كثيرون أن يفكوا سره وأن يعرفوا سبب هذا التفوق على ابناء جيله فمنهم من قال إن القضية الفلسطينية هي سبب الاهتمام الإعلامي متناسين أن هناك مئات الشعراء الذين كتبوا عنها ولم يصبحوا مثله، ومنهم من قال إنه حصل على الدعم سياسيا متناسين أنه رفض ان يتسلم الوزارة والسلطة، بينما راح بعضهم يبحث عن اسباب واهية ضده ويتهمونه بما ليس فيه ليضمدوا جراح نقصهم أمامه.
في النهاية تساقطت كل الاتهامات والفرضيات تحت أقدام اسمه، كما تتساقط الأوراق الميتة تحت أقدام الأشجار العالية.
ولم يبق في الأخير سوى شعر محمود درويش الممزوج بسره الأبدي المضيء....سر الإبداع والدهشة التي لا تنتهي...لم يبق سوى قنديل النور الذي أضاءه ذلك الرجل في عتمات هذا العصر... لم يبق سوى نهر قوي من قصائده يتدفق بغزارة ليغرق كل أولئك المتسائلين والمتعجبين وليروي القلوب العطشى لعلها تزهر بالموسيقى في صمت هذا العالم... ذلك هو نهر محمود درويش الخالد الذي سنتذكره إلى الأبد.
 
 الشاعرة شميسة النعماني: درويش أعاد تشكيل الخارطة الشعرية 
حينما قال محمود درويش «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» كان يعلم أنَّ شيئاً من هذه الجملة سيتعلق به وتحديداً بشعره، فالشعر الذي خلّفه كإرث عربي خالد يجعل قدرنا اليومي الممل - في أحيان كثيرة - يستحق أن نعيشه لأنه يتعطر بكلمات درويش العذبة منذ محبته لعيون ريتا التي فصلت بينه وبينها البندقية ومنذ حنينه إلى خبز أمه وطلبه الوجودي بتسجيل عروبته مروراً بصهيل حصان أبيه الذي تركه خلفه وبسرير الغريبة التي لم يتبقَ منها سوى رائحتها وصولاً إلى الحبيبة التي لم تأتِ والقصيدة التي لن تنتهي وإلى القلب الذي أشرع أبوابه للسماء وتركنا يتامى في الأرض.
في هذه الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر العربي الكبير محمود درويش الذي أعاد تشكيل الخارطة الشعرية في الأدب العربي فإنه يجدر بنا أن نبعث له بمحبتنا لذاته التي تماهت مع الشعر فأنفق كامل عمره في بذر القمح الشعري ليُحيل الذائقة الأدبية إلى سنابل قمح ذهبية، ويجدر بنا أن نقدم له تحيتنا ونحن تلاميذه الذين نشأنا على كلماته واتكأنا طويلاً على جداريته التي لا يطالها القِدَم ولا يمكن أن تُعاني من هشاشة المعنى ولا أن تسقط نتيجة عوامل التعرية، فهذه الجدارية لوحة إنسانية وجودية سيظل يتدثر بها عابرو الحياة ما فتأت الحياة.. نم بسلام يا مولانا الشاعر، فلم ننسكَ كأنكَ لم تكن، بل قد نجهل أنفسنا ونتذكرها في قصائد درويش.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات