عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Jan-2018

«أنفض عني الغبار» للكويتية ليلى العثمان… وجهان للسيرة

 القدس العربي-إبراهيم عبد المجيد

آخر ما صدر لليلى العثمان الكاتبة الكويتية المتميزة هو كتاب «أنفض عني الغبار» الصادر في القاهرة عن دار العين العام المنصرم. ليلى صاحبة لغة وأسلوب متميزين في كتاباتها. أسلوب يواجهك بالقوة في التصوير أو الحكي، ومن ثم تقرأ باستمتاع واستغراق في أي عمل من أعمالها. ولأن الكتاب سيرة ترددت قليلا في قراءته. فلديّ يقين في أن السيرة في عالمنا العربي تحتاج إلى شجاعة كبيرة من الرجال فكيف بها مع النساء؟ لكن هذا لا يعني أن أطالب الكاتب – أي كاتب- أن يكتب ما نريد. الكاتب في النهاية يرى العلامات في سيرته ويتوقف عندها، خاصة حين تكون العلامات مظلمة أو مضيئة لآماله أو للحياة من حوله. نصف هذا الكتاب تقريبا مكرس لحياتها قبل الزواج المبكر من زوجها الأول. ويمكن أن نضعه تحت عنوان كيف يمكن أن تخرج الفتاة العربية من فخ المجتمع القاهر، أي قوة تحتاجها للخلاص. 
والنصف الثاني مكرس لها ككاتبة وما وراء أعمالها القصصية والروائية من أسباب. النصف الثاني للكتاب أصبح منتشرا الآن أو ينتشر بين الكتاب وكل بطريقته. أنا واحد ممن فعلوا ذلك في كتاب «ماوراء الكتابة». في النصف الأول من الكتاب ليلى العثمان كانت جريئة جدا وهي تحكي حياتها طفلة وصبية وشابة في بيت أبيها وبين زوجات أبيها، الرجل المتعدد الزيجات، الغني والمثقف الذي يجعل من بيته مجلسا للكتاب والمثقفين، وله معارف من كل الطبقات الكبرى في الكويت وخارجها، لكنه لا يوافق أبدا على أن ترى بناته الرجال أو يروهن، حتى أنه حين أحضر مغنيا في البيت يغني لهن اختار المغني «عبد الله الفضالة» الأعمي. ما لاقته ليلي العثمان وأخواتها الشقيقات في طفولتهن من إحدى زوجات أبيهن متوقع، لكنه هنا فاق الخيال كذلك ما فعلته زوجة أخيها معهن لأنه بالضبط كان تجويعا وإهمالا وقتلا بطيئا، فلا تستنكف ليلى من أن تصف أي بقايا طعام كانت تقدم لهن فكانت زوجة الأخ مثلا تنظف السمك وتلقي إليها بأحشائه، وتقول لها «أنتِ قطة كلي هذا» ولا تجعلها تأكل السمك؟ وكذلك ارتدائهن للملابس القذرة وكيف كان القمل يمرح في رؤوسهن وضربهن حتى كدن يمتن، فنقلهن الأب إلى بيت آخر فيه زوجتان أخريان، كانتا على النقيض تماما. حولتاهن إلى عرائس من خيال وجمال. لكن الأب المثقف الغني الذي كان يملأ البيت بالكتب والمجلات ويشجعهن على القراءة، لم يوافق أبدا على أن تكتب ليلى الصبية خطابا من خيال لحبيب من خيال، متأثرة بما تقرأه من قصص الحب، وصفعها الصفعة الكبيرة ولم يوافق طبعا في ما بعد على أن تنشر أي عمل من أعمالها. 
ازدواجية الأب هذه ليست غريبة على المجتمعات العربية، ولم يكن ممكنا الخلاص منها إلا بالزواج. لقد كان حظ ليلى أفضل من حظ اختها «أسماء» التي تأثرت بما تقرأ مما يجلبه الأب وبما في مكتبته وصارت فنانة تشكيلية وشجعها الأب على ذلك، لكنه طبعا لم يوافق أبدا على أن تعلنه، وحين تزوجت مرغمة حين تطوع بها الأب لابن عمها، أحرق ابن عمها كل ما رسمته أسماء أو نحتته من مشغولات باعتباره حراما. حظ ليلى كان أفضل لأنها لم تكن تكتب بعد ما تسعي لنشره، وما قرأته موجود في روحها لا سبيل للقضاء عليه. ليلى تحب أباها جدا لكنها لا تتردد في أن تعترف إنها تمنت له الموت ثلاث مرات، منها مرتان بسبب رفضه أن تنشر ما تكتبه. مرة قبل أن تتزوج ومرة بعد أن تزوجت من زوجها الأول الطبيب الفلسطيني، الذي كان نقلة رائعة في حياتها، رغم فارق السن الكبير بينهما، لكنه شجعها على الكتابة والنشر، إلا أن الأب رفض من جديد أن تنشر شيئا. لكنه حين رفض هذه المرة توفي بعدها بثلاثة أشهر ومن ثم بدأت النشر. لقد رفضت في قوة الزواج بابن عم آخر، ولم تشأ أن تلقى مصير اختها. كان الزوج الأول خلاصا من ارتهانها بما يريده الأب، رغم أنها ترددت في البداية لفارق السن، ولأنه أيضا كان اقتراح الأب، إلا أن زوجة أبيها الطيبة أقنعتها ووجدت هي في هذا الزواج طريقا للخلاص ولقد حدث. كتبت ونشرت ثم فارقها الزوج إلى الحياة الأخرى، لكنها صارت تمتلك حياتها الآن. التقت بعد ذلك بزوجها الثاني الذي كان الكاتب والناقد وليد أبو بكر، الذي شجعها على هجر الشعر إلي القصة الموهوبة في كتابتها أكثر. وستنتقل في النصف الثاني إلى ماوراء رواياتها وقصصها من حكايات. وهذا هو الوجه الثاني للسيرة، رغم أنها في وجهها الأول رسمت بدقة المؤثرات الأولى في حياتها التي دفعتها لحب الكتابة. أسماء كتاب عرب وأجانب كثيرون قرأتهم في مكتبة أبيها الذي أوقفها عن التعليم بعد أن أحبت التمثيل وهي صغيرة، ومثلت في المدرسة في حضوره، وعرفت مما قرأت أن كثيرا من الكتاب لم يكملوا تعليمهم، فلماذا لا تكون مثلهم وقد كانت. في السيرة استعادة لأماكن ضاعت مع التغير في العمارة. أحياء وقصور وأسواق. وحفاوة بالطبيعة التي أحبتها، وعلى رأسها البحر الذي كان مصدر إلهام كبير لها وتجسيدا للأماكن بشكل سينمائي رائع. ستجد في الكتاب لغة ليلى العثمان التجسيدية التصوير المحملة بالصور الشعرية الجذابة.
ويمكن أن تصف الجزء الأول من السيرة كما وصفت هي حياتها بمشهد «سكارليت أوهارا» في فيلم «ذهب مع الريح» حين وقفت بين الأرض الخراب يهددها الجوع وأمسكت بثمرة منها بين الطين واقسمت ان تُحيي هذه الأرض الخراب وأن لا تستسلم أبدا.
 
٭ روائي مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات