عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Nov-2017

المشكلة الأساسية في أوروبا

 الغد-هارولد جيمس

 إن انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون في فرنسا واستمرار أنجيلا ميركل كمستشارة في ألمانيا يتناقضان بشكل كبير مع التطورات في بقية أنحاء أوروبا، التي أصبحت غير مستقرة على نحو متزايد، بحيث لا يمكن التنبؤ بمستقبلها. ويتساءل المرء عما إذا كان أساس الاتحاد الأوروبي الألماني الفرنسي الصعب قد أصبح مُعقدا للغاية بالنسبة لباقي الكتلة. إذا كان الأمر كذلك، فإن أولئك الذين يحلمون بتعزيز التكامل الأوروبي قد يضطرون إلى قبول توسيع المحور الفرنسي الألماني.
وتُدمر أوروبا اليوم من قبل قوى بعيدة عن المركز، بما في ذلك حركة كتالونيا الانفصالية والهجوم الصامت من أجل الحكم الذاتي في مناطق إيطالية مثل لومباردي وفينيتو. وتتولى الشعبوية اليمينية السلطة في المجر وبولندا، ويمكن الآن أن تظهر في النمسا من جديد. ويحكم الشعبويون اليساريون في اليونان، ويبدو أن شعبوية الوسط في تنام بالجمهورية التشيكية، حيث يسير البليونير أندريه بابيس على الطريق الصحيح ليصبح رئيس الوزراء المقبل للبلاد.
ومن الواضح أن الاتحاد الأوروبي يُعد لرد فعل عنيف من الناخبين عبر الطيف السياسي، كما يوحي اسم حزب بابيس الفائز "حركة المواطنين المستائين". ولكن السبب الحقيقي لهذا الاستياء يبقى غير واضح.
وكثيرا ما يقال إن الشعبوية هي استجابة حتمية لضحايا العولمة. ولكن هذا الادعاء يتناقض مع الأداء الاقتصادي القوي في الجمهورية التشيكية وهنغاريا وبولندا. وذلك لا يفسر سبب اندلاع الأزمة الكتالونية عندما كانت اسبانيا تشهد انتعاشا اقتصاديا قويا، أو لماذا تظل اليونان ضعيفة. وفي الوقت نفسه، لماذا استعمال تدفقات اللاجئين  كعذر مقنع: هناك في الواقع عدد قليل جدا من طالبي اللجوء في البلدان التي تقود الهجمات على سياسات الهجرة في الاتحاد الأوروبي.
ولتحديد أسباب الاستياء الأوروبي، علينا فحص التوقعات التي طال أمدها بأن القيادة في أوروبا يجب أن تأتي دائما من الشراكة الفرنسية الألمانية، التي كانت المحرك الأساسي للتكامل الأوروبي لعقود. وفي فترة ما بعد الحرب، تعاون الرئيس الفرنسي شارل ديغول عن كثب مع المستشار الألماني الغربي كونراد أديناور، واستمر ذلك حتى التسعينيات عندما أقام فرانسوا ميتران وهيلموت كول صداقة وثيقة فيما بينهما.
وبسبب هذا التاريخ، كان من المفترض منذ فترة طويلة أنه في حال اتفقت فرنسا وألمانيا على شيء ما، فإن بقية أوروبا ينبغي أن تلتزم بالمثل. ولكن خلال أزمة ديون منطقة اليورو، التي بدأت في أواخر عام 2009، بدأت السلطة في التحول بعيدا عن فرنسا، إلى ألمانيا، وبدأ الكثيرون في أوروبا يعتبرونهما أصدقاء. وفي استطلاعات الرأي، يتبين أن رتبة الفرنسيين والألمان الآن منخفضة في تقييمات ثقة الأوروبيين الآخرين.
وخلال أزمة اليورو، رأى العديد من السياسيين اليونانيين والإيطاليين والإسبانيين فرنسا بمثابة ثقل موازن لألمانيا. فقد كانوا يعتقدون أن فرنسا يمكن أن تخفف من دفع التقشف الألماني وأن تدعو إلى زيادة استثمارات القطاع العام. ولكن هذا كان وهم وخداعا بشأن دور فرنسا في الشراكة الفرنسية الألمانية. وفقا لتقسيم العمل التقليدي، توفر فرنسا الأمن والوسائل لأوروبا لإبراز السلطة في الخارج، وتشرف ألمانيا على التمويل والاقتصاد داخل البلاد.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن فرنسا وألمانيا بحاجة ماسة إلى تطوير رؤية مشتركة تتجاوز سياساتهما الوطنية وإقرار إصلاح حقيقي على مستوى الاتحاد الأوروبي. وهناك بالفعل بعض الاتفاق على الحاجة إلى التنسيق على مستوى الدفاع والضرائب. ولكن هذا لن يكفي. ولا تزال فرنسا وألمانيا بحاجة إلى معالجة العديد من الأسئلة فيما يتعلق بالمركزية المالية، وإعادة هيكلة الديون السيادية، وغير ذلك من المسائل الأساسية.
في نهاية المطاف، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتطور، ولكن فقط إذا استطاع تحرير نفسه من الأولويات الفرنسية والألمانية الضيقة. ما تحتاجه أوروبا الآن ليس نواة صلبة، بل نواة للتفكير.
 
*أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون.
خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات