عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Dec-2018

ما الذي فعله لنا "غوغل"؟

 الغد-يانيس فاروفاكيس

 
أثينا - حتى أشد منتقدي غوغل يستخدمون تكنولوجياته لإعداد خطبهم النارية ضده -أو بشكل أدق، للعثور على طرق مناسبة في مدينة أجنبية. ولنكن صادقين: سوف تكون الحياة من دون استخدام غوغل أكثر صعوبة لأسباب متنوعة. لكن هذا ليس سبباً وجيهاً للتخلي عن شركة غوغل وعمالقة التكنولوجيا الآخرين. بل على العكس، فإن طبيعة مساهمتهم وأهميتها تجعل خضوعهم للسيطرة الديمقراطية أمراً حتمياً -وليس فقط بسبب الحاجة المعترف بها لحماية سرية الحياة الشخصية.
في السنوات الأخيرة، خضعت شركات التكنولوجيا الكبرى للفحص الدقيق لإتقان فن مظلم تحت قيادة الصحف التجارية والإذاعة والتلفزيون: إنها تجتذب اهتمامنا وتبيعه للمعلنين الذين يدفعون المال. وفي حين كان القراء والمستمعون والمشاهدون هم العملاء الذين يدفعون مقابل منتج معين، فقد تعلمت وسائل الإعلام الإلكترونية التجارية كيفية تحقيق الربح من خلال الدخول في معاملات مباشرة مع المعلنين، وتحويلنا (وبياناتنا) إلى منتج سلبي في قلب الصفقة.
بفضل قدرتها الهائلة على تخصيص شاشاتنا، تمكنت غوغل وفيسبوك وشركات أخرى من نقل هذه العملية الإنتاجية الغريبة إلى مستوى جديد؛ حيث يتحول اهتمامنا إلى منتج قابل للتداول. وعلى عكس أسلافهم، يستطيع هؤلاء لفت انتباه كل واحد منا عن طريق جذب أدوات مختارة لشخص (أو مزاج) معين، ومن ثم بيعها إلى أعلى مزايد للوصول إلى بياناتنا ومواطن اهتمامنا.
كان الدافع وراء رد الفعل العنيف ضد شركات تكنولوجيا التواصل الاجتماعي الكبرى هو شعورنا بأننا أصبحنا مستغَلين. في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كنا نشعر بالاستياء عندما كانت القنوات التجارية تُرغمنا على مشاهدة الإعلانات قبل ثوانٍ من نهاية أحد الأفلام المثيرة أو مباراة لكرة السلة. والآن، لم يعد بإمكاننا حتى التعرف على الحيل المستخدمة في الوقت الحقيقي للاحتفاظ باهتمامنا وبيعه. لقد أصبحنا مستعبدين من السوق التي نتاجر فيها، ونفكر فقط في عملية الإنتاج، بينما يُسمح لنا بأن نكون منتَجا فقط.
تهدف قواعد حماية البيانات والخصوصية إلى إعادة استقلالنا المفقود فيما يتعلق بما نراه، وما يوجه خياراتنا، ومن هو الذي يعرف ما نختاره. لكن تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى وحده لا يكفي لحماية بياناتنا واستعادة "سيادة المستهلك". وعلى خلفية الأتمتة وخفض العمالة، تسهم الأرباح الاحتكارية لهذه الشركات في زيادة عدم المساواة، وتزيد من الشعور بالاستياء، وتقوض الطلب الكلي على السلع والخدمات، وتزيد من زعزعة استقرار الرأسمالية.
تكمن المشكلة في كون التدخلات الحكومية التقليدية ممارسة غير مجدية: إن فرض الضرائب على الخدمات المجانية لن يحل المشكلة. ومن المستحيل فرض الضرائب على الروبوتات لتمويل التكاليف البشرية لأنه من المستحيل إعطاؤها تعريفا دقيقا. وعلى الرغم من أهمية الضرائب على أرباح شركات التكنولوجيا الكبرى، إلا أن المحاسبين ذوي الخبرة لهذه الشركات، والفرص الوفيرة لتحويل الأرباح إلى اختصاصات قضائية مختلفة يجعل هذا الأمر صعباً.
إذا نظرنا إلى أبعد من الضرائب، يمكننا أن نجد حلاً بسيطا. ولكن عليك أن تدرك أن رأس المال لم يعد يتم إنتاجه بشكل خاص، على الأقل ليس في حالة شركة غوغل والشركات المماثلة.
عندما صنع جيمس واط أحد محركاته البخارية الشهيرة، كان اختراعه هو مُنتجه. ويمكن للمشتري الذي وضع المحرك للعمل في مصنع للنسيج، على سبيل المثال، أن ينظر إلى الأرباح ببساطة كمكافأة على المخاطرة عند شراء هذا الجهاز وابتكار اقترانها بجهاز غزل أو نول ميكانيكي.
على النقيض من ذلك، لا تستطيع شركة غوغل أن تؤكد بشكل مقنع أن رأس المال الذي يولّد تدفقات الأرباح لهذه الشركة يتم الحصول عليه بالكامل بشكل خاص. في كل مرة تستخدم فيها محرك بحث غوغل للبحث عن عبارة أو مفهوم أو منتج أو زيارة مكان باستخدام خرائط غوغل، فإنك تزيد من رأسمال غوغل. وعلى سبيل المثال، على الرغم من إنتاج الخوادم والبرامج بطريقة رأسمالية، فإن جزءا كبيرا من رأسمال غوغل يتم إنتاجه بواسطة الجميع تقريبا. ولكل مستخدم، من حيث المبدأ، الحق الشرعي في إعلان أنه مسهم فعلي في هذه الشركة.
بطبيعة الحال، على الرغم من أن المجتمع يسهم في جزء كبير من رأسمال شركات التكنولوجيا الكبرى، إلا أنه لا توجد طريقة معقولة لحساب المساهمات الشخصية، مما يجعل من المستحيل حساب أسهمنا الفردية. ولكن يمكن تحويل هذا الاستحالة إلى فضيلة، وذلك بإنشاء صندوق ائتمان عام حيث ستحول شركات مثل غوغل نسبة مئوية معينة (على سبيل المثال، 10 %) من أسهمها. فجأة، سيكون لكل طفل صندوق ائتمان خاص، وسوف توفر الأرباح المتراكمة الدخل الأساسي الشامل (UBI) الذي سينمو بما يتناسب مع الأتمتة، وبطريقة يمكن من خلالها الحد من عدم المساواة وتحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلي.
يجب أن يتغلب هذا الحل على حاجزين. أولاً، يجب اعتبار فرض الضرائب الحل الأنسب. لكن من المؤكد أن مبادرة الدخل الأساسي الشامل التي يتم تمويلها عن طريق الضرائب ستثير حتماً استياء العمال الذين يواجهون صعوبات، والذين لن يروا منطق دعم العاطلين، سواء كانوا أغنياء أم فقراء. ثانياً، عادة ما يتم منح أسهم الشركات للموظفين فقط.
من المؤكد أن هناك أسبابا عديدة لفرض ضرائب على الأرباح من أجل تمويل الفوائد للفقراء، ومخططات ملكية العمال. لكن هذه القضايا مختلفة عن القضية التي نحن الآن بصددها: كيفية تحقيق استقرار المجتمع من خلال منح حقوق الملكية على رأسمال غوغل لكل من ساعد على إنشائها، بما في ذلك مقدمو الرعاية الذين لا يحصلون على راتب ثابت؛ العمال الذين لديهم عمل غير مستقر، فضلاً عن العاطلين.
وهنا، كما يتوقع المرء، نجد الفكرة الخاطئة التي يبثها المدافعون عن الوضع الراهن. وقد رفضت مدونة ألفافيل التابعة لصحيفة فايننشال تايمز حديثا قضية نقل مجموعة من الأسهم من شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل غوغل، إلى صندوق ائتمان عام، وذلك على أساس تحريف منطقنا الأساسي على أنه عدم قدرة على تقييم ما فعلته غوغل من أجلنا. وفي محاولة لحرمان المجتمع من حقوق الملكية إلى المكاسب الرأسمالية التي قمنا بإنشائها كمستخدمين، فإن المدافعين عن شركات التكنولوجيا الكبرى يشيرون إلى المنافع الهائلة التي يتلقاها المستهلكون (المبلغ الذي نحن مستعدون لدفعه مقابل الحصول على خدمات مجانية مثل Gmail وخرائط غوغل).
يشبه هذا إلى حد ما تبرير مصادرة أسهمك في شركة على أساس أن الشركة تقدم خدمات قيّمة لك وللآخرين. وباستخدامنا خدمات شركات التكنولوجيا الكبرى، نقوم بإنتاج جزء من رأسمالها في الوقت الحقيقي. وبناءً على ذلك، يجب أن تكون ملكية هذا الجزء من حقنا جميعاً وليس ملكية البعض فقط.
 
*وزير مالية سابق لليونان، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات