عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Aug-2018

"ظلال التيه" رواية الأسئلة الصعبة للكاتب الأردني د. ثمين شقوري
ميدل آيست أون لاين -
   “ظلال التيه” عنوان الرواية التي صدرت مؤخرًا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع للكاتب الأردني د.ثمين شقوري  في ثلاثمائة  صفحة من القطع المتوسط وهي  تمثل باكورة نتاج الكاتب الذي يعمل طبيبًا في عيادته الخاصة لما يزيد عن العقدين من الزمان، والقارئ للرواية يجد أنّ المؤلِّف قد  وظّف معلوماته الطبية ومهاراته في رصد التفاصيل والإنتباه للمعطيات ومراقبة النتائج وتوقعها  بغية تشخيص المرض؛فكأنه سعى في عمله الروائي لتقديم تشخيص للواقع العربي المريض؛ فالرواية تحمل رسالةً في غاية الأهمية، وتسلّط الضوء على الواقع المعيش اقتصادياً وأخلاقيا واجتماعيا وأسرياً، والأهم من ذلك إسلاميًّا،و”جهاديًا”، ومخابراتيًّا.

كما و تُظهر عبقرية صاحبها وموسوعيته المعرفية في شؤون البلاد، وخاصّة في ما يتعلّق بالمقاتلين في سوريا وطريقة استقطابهم، وعناية تنظيماتهم بهم لتسخيرهم لتحقيق أهداف وغايات غير واضحة لديهم.. كما تبين معرفته الدقيقة في شؤون المخابرات وحرفيتها باختراق هذه التنظيمات، والأهم من هذا كلّه مهارته في تطويع ثقافته بل علمه الدقيق بشؤون الطب والفحوصات والتحاليل..

ما يميّز  الرواية عن غيرها، أنَّ بعض  الروايات تفتر جذوتُها مع اقتراب  نهايتها.. بينما في “ظلال التيه”  يشتدّ التوتر، ويزداد اشتعال جذوتها وجاذبيتها.. فتنتهي والقارئ يتمنى لو استمرّت لأنَّ قابليته لتلقي المزيد تزداد.

أن تكتب رواية يعني أن تبني عوالم من الخيال، وبيوت من الكلمات وترسم بريشة الحرف شخصيات تنبض وتحلم وتكابد ثقل الوجود المعاصر،وتمثل رواية “ظلال التيه”محاولة جادة  للصعود على درج فن يتصدر المشهد الثقافي العربي ويحتل الجزء الأكبر من المتلقين والقراء والنقاد  وهي مسؤولية كبيرة وتحتاج لجهد فكري ومعرفي غير يسير.

تسير الرواية في خطين متوازيين يلتقيان -رغم  قوانين الرياضيات- في نقطة تتلخص في التقاط الانسان التائه والذي فقد البوصلة من قبل جهات تستطيع بحكم الخبرة والتوجه الإفادة من طاقات بشرية لخدمة أهدافها؛ فالإنسان الذي يستشعر في داخله الضياع ووصل لنقطة لا يستطيع معها السيطرة على توجهاته وحياته وأولوياته والذي استسلم لحالة الضعف الإنساني وتدرَّج في السقوط يصل لنقطة اللاعودة ويصبح سهل الانقياد مثل فريسة كثر المفترسون المتربصون بها.

فشخصية” سعاد” التي أصطدمت بحالة الإهما ل والنذالة من زوج لا يقدّر أنوثتها وحاجاتها المشروعة في مسكن ومأكل وملبس وحياة كريمة فأهملها وتفنن في تعذيبها، وتمادى في تركها كأنها قطعة أثاث تجد نفسها مجبرة على العمل في خدمة البيوت،وتقودها الظروف وصدمة سفره وزواجه بأخرى وانقطاع اخباره وتخليه عن إعالتها وهي التي لا تملك شهادة علمية أو وظيفة ثابتة ،تقودها الظروف والاستسلام للوقوع وللسقوط في فخ المتصيدين لمن هن في مثل وضعها ممن يمتلكن الجمال الجسدي ودرجة الضعف و إمكانية الانقياد فتتحول بمسميات مختلفة للمتاجرة بجسدها وتصطدم بحقيقة أنّ تحسن وضعها المادي بشكل ملحوظ لم يجلب لها راحة البال وهدأة العيش فترجع الى رشدها وتتتوب .

و”سعيد” وهو بطل الرواية  يُبدى تعاطفه ودعمه لشقيقته سعاد وتفهمه لوضعها وقسوة ونذالة زوجها لكن ظروفه الشخصية من فشله بزواجه الأول واصطدامه بعقمه والإحساس بالنقص والتعاسة وإستقالته من الوظيفة وتردي أوضاعه المادية والمعنوية التي توقعه فريسة لاستغلال منظمات وحركات تجرّه  ليصبح” مجاهدًا” في حركات إرهابية وليصبح بعدها عميلاً مستغَلا من طرفيّ الحركة الجهادية والمخابرات،ويقرر الهرب خاصة بعد معرفته بالوضع المشين الذي وصلت له أخته سعاد فيقبل الخروج في مهمة أخيرة خطيرة إلى سوربة على أمل أن يسافر بعدها ويترك كلّ شيء وراءه ولا يصطحب معه غير زوجته الجديدة وابنه المُتبنى الذي يمثل له الأمل في الحياة ،لكن الظروف والأحداث تنقلب ضده فيتم اختطافه والتحقيق معه تحت التعذيب والحكم عليه بالموت،وتختلط حبات المطر مع دموعه عندما يمرّ شريط حياته أمام عينيه.

لغة الرواية سلسة وجاذبة في آن ومقتصدة لا تشتت المتلقي ولا تجعل الحدث يبدو مُضببا ،تعتمد على تقنيات سردية موجهة قدمت الرواية ضمن فصول معنونة، وكسر جمود السرد بمونولوج داخي وخارجي، وتحمل بين طيات السرد السهل الممتنع رسالة خفية لإنسان عصر التغيرات الجذرية والتطور المتسارع في جوانب الحياة ،بألا يستسلم للضعف وألا يركن للتيار،وأن يستمد قوته من بذرة تسكنه بذرة التفرد وعدم الانصياع لمن يسعى لاستغلال ضعفه وتزيين الأمور القبيحة بريشة الكلام المنمق والوعود المزيفة واستغلال حلمه المشروع بحياة كريمة برسم طريق لموته المعنوي كما حدث مع سعاد أو لموته الحقيقي كما حدث مع سعيد.

من أجواء الرواية/فصل “دروب العطش”

“عمري الآن عشرون عاما! يجب أن أعيش حياتي, يكفي ما ضاع من عمري بين جدران متهالكة من أجل إرضاء ” زوجي ” العتيد , مرت ستة أشهر لم يسأل عني ولا حتى بمكالمة حتى أخي سعيد لم يعد يتصل بي إلا مرة كل شهر ومعظم مكالماته لا تتجاوز الدقيقتين وكلها مجاملات, لم يعد يهتم إن كنت بحاجة لشيء وحتى صديقاتي لم يعدن قريبات مني, فكل واحدة منشغلة بنفسها … نعم كل يعيش حياته, أنا أيضا سأجدد حياتي وأعيشها, سأنطلق, لم يعد يهمني شيء .”

ومن الجدير ذكره أن الرواية سبق مناقشتها   في مختبر السرديات الأردني  ضمن برنامج ما قبل النشر ولقيت استحسان اللجنة المكونة من قرّاء متعددي الذائقة  ونقاد  مختصون وأدباء .

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات