عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Dec-2017

حقائق غير مريحة عن الهجرة

 الغد-روبرت سكيدِلسكي

لندن- حقق علم الاجتماع وعلم الإنسان والتاريخ تقدماً كبيراً في حل قضية الهجرة. ويبدو أن الكائن الاقتصادي، الذي يعيش على الخبز فقط، قد أفسح المجال لشخص لا يقل الشعور بالانتماء بالنسبة له أهمية عن الأكل.
يشكك ذلك في أن العداء للهجرة الجماعية هو مجرد احتجاج على فقدان الوظائف، والأجور المنخفضة، وتزايد عدم المساواة. وقد لعب الاقتصاد دوراً هاماً في تصاعد سياسات الهوية، ولكن أزمة الهوية لن تختفي من خلال الإصلاحات الاقتصادية وحدها. فالإنعاش الاقتصادي ليس مثل الرفاه الاجتماعي.
دعونا نبدأ بالاقتصاد، مع أخذ المملكة المتحدة -التي تستعد للخروج الاتحاد الأوروبي- على سبيل المثال. في الفترة ما بين العامين 1991 و2013، بلغ تدفق المهاجرين الأجانب إلى بريطانيا نحو 4.9 ملايين شخص.
وتفيد النظرية الاقتصادية الموحدة بأن الهجرة الصافية نحو الداخل تعد مثل التجارة الحرة، لا تفيد السكان الأصليين إلا بعد حين. و نستنتج من ذلك أنه إذا قمت بزيادة كمية العمل، فإن سعره (الأجور) ينخفض. وهذا سيزيد من الأرباح. وتؤدي الزيادة في الأرباح إلى زيادة الاستثمار، الأمر الذي من شأنه أن يزيد الطلب على اليد العاملة، مما يؤدي إلى عكس الانخفاض الأولي على الأجور. وهكذا تمكِّن الهجرة عدداً أكبر من السكان من التمتع بنفس مستوى المعيشة كما فعل عدد أصغر من السكان من قبل -وهو تحسن واضح في الرفاه الكلي.
أظهرت دراسة حديثة أجراها روبرت روثورن، خبير الاقتصاد بجامعة كمبريدج، أن هذا الاستنتاج خاطئ. فقد تستمر ما تسمى بالآثار المؤقتة بالنسبة للعمال المحليين المشردين وانخفاض الأجور لمدة خمس أو عشر سنوات، في حين أن الآثار المفيدة تضمن عدم وجود ركود. وحتى إذا لم يكن هناك ركود، فمع تدفق مستمر للمهاجرين، بدلاً من الزيادة في حجم القوى العاملة، قد يتخلف الطلب على اليد العاملة عن النمو باستمرار. وقال روثورن: إن "الادعاء بأن المهاجرين يأخذون وظائف العمال المحليين ويخفضون أجورهم قد يكون مبالغاً فيه، لكنه ليس كاذباً".
وهناك حجة اقتصادية ثانية تكمن في إعادة الهجرة لتنشيط القوى العاملة واٍثبات المالية العامة، لأن العمال الشباب والمستوردين سيؤدون الضرائب اللازمة لدعم عدد كبير من المتقاعدين. ومن المتوقع أن يتجاوز عدد سكان المملكة المتحدة 70 مليون نسمة قبل نهاية العقد المقبل، أي بزيادة قدرها 3.6 مليون نسمة، أي 5.5 في المائة، بسبب الهجرة الصافية وفائض المواليد على الوفيات بين الوافدين الجدد.
رفض روثورن هذه الحجة. وقال: "إن التجدد من خلال الهجرة هو حلقة مفرغة لا نهاية لها". و"من أجل الحفاظ على انخفاض نهائي في نسبة التبعية ينبغي توفر تدفق لا ينتهي من المهاجرين. وبمجرد توقف التدفق، فإن الهيكل العمري سيعود إلى مساره الأصلي". إن التدفق الداخلي والسن الأعلى للتقاعد سيكونان أفضل حل لمشكلة الشيخوخة.
حتى مع تحقيق نتائج أفضل، مثل تجنب الركود، فإن الحجج الاقتصادية للهجرة الواسعة ليست قاطعة. لذلك، فاٍن العنصر المهم يكمن في تأثيرها الاجتماعي. وبذلك تواجه الفائدة المألوفة للتنوع الخطر السلبي المتمثل في فقدان التماسك الاجتماعي.
دافع ديفيد غودهارت، المحرر السابق لمجلة بروسبيكت، عن فرض قيود على المنظور الديمقراطي الاجتماعي. ولم يتخذ غودهارت أي موقف بشأن ما إذا كان التنوع الثقافي جيداً أم سيئاً. فهو ببساطة يعتقد أن معظم الناس يفضلون العيش مع نوعهم، وأن صناع السياسات يجب أن يأخذوا هذا التفضيل بعين الاعتبار. إن موقف الإهمال للبنية السكانية لأي بلد غير مقبول، وكذا اللامبالاة بحجمها.
بالنسبة لغودهارت، فإن أساس عداء الليبراليين لضوابط الهجرة هو وجهة نظرهم الفردية للمجتمع. وبسبب فشلهم في فهم ارتباط الناس بالمجتمعات المستقرة، فإنهم يعتبرون العداء للهجرة غير عقلاني أو عنصري.
إن الإفراط في التفاؤل الليبرالي بشأن سهولة إدماج المهاجرين ينبع من نفس المصدر: فإذا كان المجتمع عبارة عن مجموعة من الأفراد، فإن الاندماج لن يكون مسألة صعبة. ويقول غودهارت، لا ينبغي على المهاجرين التخلي عن تقاليدهم بشكل كلي، لكن "هناك شيئاً يسمى المجتمع"، وإذا لم يبذلوا جهداً كبيراً للانضمام إليه، فإن المواطنين الأصليين سيجدون صعوبة في اعتبارهم جزءاً من هذا  "المجتمع الوهمي".
يؤدي التدفق السريع للمهاجرين إلى إضعاف روابط التضامن، كما يتسبب، على المدى الطويل، في تآكل الروابط العاطفية اللازمة لضمان سعادة الآخرين. يقول غودهارت: "سيحبذ الناس دائماً العيش مع أسرهم ومجتمعاتهم"، و"تكمن مهمة الليبرالية الواقعية في السعي إلى تحديد كلمة مجتمع بما فيه الكفاية ليشمل أشخاصاً من خلفيات مختلفة، دون أن يكون هذا التحديد واسعاً جداً وبلا جدوى".
الليبراليون الاقتصاديون والسياسيون هم الذين يناصرون الهجرة غير المقيدة. ويعتبر الليبراليون الاقتصاديون الحدود الوطنية عقبات غير عقلانية أمام التكامل العالمي للأسواق. ويعتبر العديد من الليبراليين السياسيين الدول القومية والولاءات التي تلهمها عقبات أمام الاندماج السياسي الأوسع للبشرية. وكلاهما ينادي بالالتزامات الأخلاقية التي تمتد إلى أبعد من الحدود الثقافية والمادية للدول.
إنها أقدم مناقشة في العلوم الاجتماعية. هل يمكن إنشاء المجتمعات المحلية من خلال السياسة والأسواق أم أنها تفترض إحساسا مسبقاً بالانتماء؟
يبدو لي أن أي شخص يفكر في مثل هذه الأمور سيتفق مع غودهارت بأن المواطنة، بالنسبة لمعظم الناس، هي مسألة فطرية. والقيم تنمو من تاريخ وجغرافيا معينين. وإذا تم تغيير تكوين المجتمع بسرعة كبيرة، فإن ذلك يفصل الناس عن تاريخهم، مما يجعلهم بلا جذور. إن قلق الليبراليين حول عدم اعتبارهم عنصريين يخفي عنهم هذه الحقائق. وبذلك، فاٍن انفجار ما يسمى الآن بالشعبوية هو النتيجة الحتمية.
الاستنتاج الذي يجب استخلاصه من السياسة ليس مهماً، ولكنه يستحق الذكر. إن تسامح الناس من أجل التغيير والتكيف لا يجب أن يتعدى حدوده، على الرغم من اختلافها من بلد لآخر. ولا ينبغي المبالغة في الهجرة لوقت طويل، فإنها بذلك ستشعل نار العداء. والسياسيون الذين يفشلون في "مراقبة الحدود" لا يستحقون ثقة شعبهم.
 
*الأستاذ الفخري للاقتصاد السياسي في جامعة وارويك، وزميل الأكاديمية البريطانية في التاريخ والاقتصاد، وعضو مجلس اللوردات البريطاني. مؤلف ثلاثة مجلدات في سيرة مانيارد كينز. بدأ مهنته السياسية في حزب العمال، وأصبح المتحدث باسم حزب المحافظين لشؤون الخزانة في مجلس اللوردات.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات