عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Apr-2017

ديمقراطية تركيا ماتت يوم الأحد

الغد-فريدا غيتيس
 
(سي. أن. أن.) 17/4/2017
 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الأحد فوزه في استفتاء أجري على تفعيل دستور جديد للبلاد، والذي سيجعله أكثر قوة بكثير، وربما للمزيد من السنوات المقبلة. وتعِدُ هذه النتيجة، التي تصفها المعارضة بأنها مزورة، بجعل تركيا أقل ديمقراطية، وأكثر تديناً، وأعمق انقساماً من أي وقت مضى.
لم يكن من المفاجئ أن تسارع السلطات الانتخابية في اللحظة الأخيرة، عندما أظهر إحصاء الأصوات أن أصوات "لا" كانت تهدد التقدم الضئيل لأصوات "نعم" المؤيدة لأردوغان، إلى التدخل وإعلان أنها ستسمح بإحصاء الصناديق غير المختومة، في مخالفة واضحة للقواعد.
وبالإضافة إلى ذلك، كانت الفترة التي سبقت الاقتراع قد منحت العديد من المزايا مسبقاً لمعسكر "نعم"، خاصة في شكل التغطية الإعلامية. وفي تلك الأثناء، واجه المعارضون التخويف والإخضاع والمخاطرة بخسارة الوظيفة في حال أعربوا عن آرائهم علناً.
الآن، مع إظهار النتائج انتصاراً لمعسكر أردوغان بفارق ضئيل، بنسبة 51 في المائة في مقابل 49 في المائة، تقول المعارضة أن إحصاء الأصوات كان مشوباً بالتزوير أيضاً، وتتعهد بالطعن فيه.
مع ذلك، يبدو أن الرئيس كسب انتصاراً تاريخياً، والذي لن يؤدي فقط إلى إحداث تحوُّل كبير في البلد الذي قاده منذ العام 2013، وإنما سيفتح له طريقاً ليبقى في المنصب حتى العام 2029 أيضاً.
كان أردوغان، الزعيم الشعبوي السلطوي والكاريزمي صاحب الأجندة الإسلامية إلى حد كبير، قد أصبح النقطة المحورية للانقسامات العميقة في البلاد، وسوف يعمل هذا الاستفتاء فقط على جعل هذه الانقسامات أكثر حدة وعلى مفاقمة احتمالات زعزعة الاستقرار.
مع دعم نصف البلاد بالكاد لمساعيه لكسب المزيد من السلطة، ومع تصويت المدن الثلاث الكبرى -إسطنبول وأنقرة وإزمير- بـ"لا" ضد التعديلات الدستورية، سوف يتولى أردوغان سلطاته الجديدة ضمن سحابة من الشك. ومن المرجح أن يجعل هذا الشعور بانعدام الأمن أردوغان أكثر سلطوية، وليس أقل.
لم يكن أردوغان زعيماً تصالحياً، وإنما مارس الحكم دائماً عن طريق تأجيج الانقسامات الأيديولوجية والاجتماعية والطائفية. وقد استجاب للتحديات، حتى السلمية والديمقراطية منها، بسحق المعارضة. كما استفاد من كل فرصة -وكل تحدٍ- للمزيد من تعزيز قوته.
ولم تكن هناك فرصة أكبر من تلك التي عرضها استفتاء يوم الأحد. ويصادق الاستفتاء على دستور جديد يضم 18 تعديلاً سيتم تفعيلها بالتدريج، والتي ستحول نظام تركيا البرلماني إلى نظام رئاسي.
حتى الآن، كان يفترض أن يكون الرئيس في تركيا صورياً، غير منتسب إلى أي من الأحزاب السياسية وغير متمتع بصلاحيات كبيرة. وفي عهد أردوغان، لم يكن هذا الدور الصوري للرئيس حقيقياً أبداً. لكن النظام الجديد سوف يحوّل رسمياً الرئيس الفخري إلى قائد تنفيذي.
سوف يستأنف أردوغان، الذي لم يخسر أي انتخابات أبداً، دوره كزعيم لحزب العدالة والتنمية، الذي أسسه واستخدمه كأداة لصعوده السريع من لاعب لكرة القدم إلى أقوى زعيم تركي في قرن كامل تقريباً. وسوف يقود الحزب الذي يحتفظ بأغلبية في البرلمان، ويسيطر على كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية، وسوف يعزز قريباً هيمنته على السلطة القضائية. وسوف تتلاشى كل الضوابط والتوازنات وسبل المساءلة.
وبالإضافة إلى ذلك، سوف تعقد تركيا انتخابات جديدة في العام 2019، والتي سيتم فيها إلغاء منصب رئيس الوزراء. ومع حلول ذلك الوقت، سوف يتمكن الرئيس من تعيين 12 من أصل 15 قاضياً كبيراً للمحاكم، وسيختار أعضاء مجلس الأمن القومي، ويلعب دوراً سائداً في صياغة التشريعات والقوانين. ويقول المنتقدون إن أردوغان سوف يصبح دكتاتوراً في واقع الأمر.
لم يغادر أردوغان مطلقاً رأس حزب العدالة والتنمية بشكل حقيقي، حتى عندما انتقل إلى رئاسة الجمهورية، وعندما واجه وأحبط محاولة الإطاحة به تموز (يوليو) الماضي، عمد إلى استغلال الفرصة لتطهير البلد من أي شخص ربما يقف في طريق طموحاته السياسية.
أظهرت محاولة انقلاب العام 2016 أنها مفيدة جداً لأردوغان، حتى أن الكثيرين ما يزالون يتساءلون عما إذا كان هو الذي هندسها بنفسه. وفي غضون ساعات من استعادة السلطة، أطلق حملة قمع بحجم مذهل، حيث قام بسجن عشرات الآلاف من الناس، وإقالة مئات الآلاف من وظائفهم في الجيش والجامعات والمحاكم والأماكن الأخرى. وقد فشل الانقلاب، لكن الديمقراطية ماتت في أعقابه.
لكن نزوع أردوغان المناهضة للديمقراطية كانت قيد العرض بشكل صارخ قبل وقت طويل من محاولة الانقلاب. فقبل سنوات من المحاولة، كانت تركيا قد سجنت من الصحفيين أكثر من أي بلد آخر في العالم، كما هو حالها اليوم. وكانت تلك مجرد واحدة فقط من العلامات على أن الديمقراطية الليبرالية التعددية لم تكن شيئاً يروق لذائقة أردوغان.
في حين ما يزال الكثير من البلد يتطلع قدماً إلى رؤية تركيا وهي تقترب أكثر من الغرب الليبرالي الحديث، وتنضم إلى الاتحاد الأوروبي، قام أردوغان بتعبئة الحشود بالخطاب القومي المناهض للغرب. ويشكل الرئيس وأجندته ضربة كبيرة، مع كسب نحو نصف السكان الذين ينتمي معظمهم إلى الشرائح الريفية والمحافظة.
لكنه بمثابة لعنة حقيقية للنصف الآخر. فبالنسبة للأتراك المقيمين في المناطق الحضرية، وللآخرين الذين ما يزالون يعتنقون علمانية كمال أتاتورك، تظل أجندة أردوغان المحافظة التي يحركها الدين صعبة على الهضم.
لكن الأسوأ من ذلك هو أن الرئيس يبدو مصمماً على تحدي الكماليين بمزيج جديد من القومية والدين، والذي سيكون كفيلاً بوضعه على القمة. وقد أصبح قصره الذي كلف بناؤه 600 مليون دولار، والذي يضم 1.100 غرفة، دليلاً رمزياً على ادعاءات المنتقدين بأنه يريد أن يكون سلطاناً جديداً عاكفاً على تكرار أيام المجد العثمانية، عندما كان رجل واحد يمتلك السلطة الكاملة، وعندما كانت تركيا تقود العالم الإسلامي.
يساور الكثيرين القلق من المدى الذي سيقطعه الرئيس في الدفع بآرائه المحافظة اجتماعياً والدينية بينما يحاول أن يعيد تشكيل البلاد. وقد شعرت النساء بالغيظ عندما تحدث عن "الطبيعة الحساسة" للنساء وأعلن أن "ديننا (الإسلام) حدد وظيفة النساء: الأمومة".
ولكن، ربما لا يكون هناك مكان تظهر فيه أجندة الأسلمة كعامل تشكيل للبلد أكثر من الخطط التعليمية للحكومة، في بلد كانت فيه العلمانية أحد الركائز الأساسية. وقال أردوغان إنه يريد أن يربي "جيلاً تقياً ورِعاً"، وأعلنت وزارة التعليم عن استخدام مناهج جديدة تضم قدراً هائلاً من النصوص الدينية، وتصويراً بطولياً لفوز أردوغان ضد مخططي انقلاب تموز (يوليو).
الآن، يبدو أن ما ينتظر في الأمام لشعب تركي منقسم، هو حقبة أردوغانية أكثر توتراً بكثير. وسوف يتمتع الرئيس الآن بالتمكين والسلطة الكافيين للمضي قدماً بخططه الرامية إلى تقويض العلمانية وترسيخ سلطاته الخاصة. أما بالنسبة لأولئك الذين يريدون أن تواصل تركيا السير على طريق الديمقراطية، مع حكم القانون، والقضاة المستقلين، والتعبير الحر والمساواة للجميع، فقد أصبح الطريق إلى الأمام الآن أشد انحداراً، وأكثر وعورة بما لا يقاس.
 
*كاتبة عمود في الشؤون الدولية في "ميامي هيرالد" و"وورلد بوليتيكس ريفيو"، ومقدمة برامج ومراسلة سابقة لمحطة "سي. أن. أن".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Turkey's democracy has died

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات