عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Jun-2013

عبد الرحمن الحسيني: صحافي سجين سابقاً وراهناً سجين بيروقراطية.

صحفي . جو - عبد الرحمن الحسيني - تصادف يوم الجمعة 15/6 الحالي الذكرى السنوية لصدور الأحكام العرفية الكويتية في العام 1991والتي قضت بإعدام نحو 18 مداناً بتهمة"التعاون" مع سلطات الاحتلال العراقي للكويت في حينه.
لكن تلك الأحكام لم تنفذ فيما أرجعه في المقام الأول لإرادة الله ثم للإحتجاجات الشديدة عليها والتي رفع رايتها جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال.
وكان أن توسط جلالته للإفراج عن ثمانية مواطنين أردنيين وأنا من بينهم، بالرغم من وطأة المرض عليه/ وذلك بعد قضائهم نحو ثمانية أعوام في السجون الكويتية عقب خفض حكم الإعدام إلى المؤبد.  تاليا القصة بحيثياتها وظلالها:


أحببت في يوم يسوده جو حار أن اخرج إلى الحديقة العامة في المنطقة التي أسكن فيها في جبل اللويبدة في عمان... كان يوم الخميس الموافق 28 تموز (يوليو) من العام 2011. وكأننا كنا على موعد مسبق، جاءت إلى المكان حسناء ،ممشوقة القوام تضع نظارات شمسية على عينيها فظننت أنها أجنبية .دعوتها بعفوية إلى مشاركتي الجلسة وتحدثت معها باللغة الإنكليزية، فاستجابت على استحياء. وبداية عرفتها بنفسي فعرفت اسم العائلة  ثم وبعد أن قالت أنها عربية عرفتني على إسم عائلتها قائلة إنها متخصصة في الترجمة لكنها تعمل حالياً في مؤسسة تعنى بالشؤون الإنسانية، ولما أدركت اهتمامها الإنساني، لا أعرف ما الذي دفعني إلى البوح لها بأنني ضحية سجن دام 2852 يوماً في الكويت وأنني كنت أحد ضحايا الأزمة التي نشبت بين الكويت والعراق في العام  1990 حيث حكم علي بالإعدام خلال الأحكام العرفية في الكويت والتي فرضت في أعقاب تحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي الذي طال لسبعة أشهر( من آب 1990 إلى شباط 1991) لأنني عملت في صحيفة "النداء" العراقية التي كانت سلطات الاحتلال العراقي قد أصدرتها في الكويت في مبنى جريدة "القبس" الكويتية التي كنت قد عملت محرراً فيها للصفحة الخليجية في العدد الدولي بالعام 1985.وتساءلت الحسناء من ثم كيف تسنى لي الخروج من السجن واستئناف نشاطي كمترجم في صحيفة "الغد" الأردنية فأوجزت لها أن الفرج قيده الله لي على يد جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال رحمه الله الذي توسط لي ولجميع المواطنين الأردنيين الذين كانوا قد تلقوا أحكاماً كويتية بالإعدام (خففت لاحقاً إلى السجن المؤبد) وذلك في أعقاب اتصال أجريته من داخل الزنزانة التي كنت أقبع فيها مع مسؤولين في الوفد الطبي الذي كان مرافقاً لجلالة المغفور له الملك الحسين في مستشفى مايو كلينيك في ولاية مينيسوتا في الولايات المتحدة الأميركية. وفي حديثي إلى هذه الحسناء أشرت كيف أنني وبعد عودتي إلى أرض الوطن نشرت مقالاً في صحيفة " العرب اليوم" تحت عنوان " تحدثت مع مايو كلينيك من داخل زنزانتي" في شهر آب من العام 1999. وأوجزت في المقال كيف إن صاحب الجلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال بادر، رغم وطأة المرض عليه،إلى الطلب من المسؤولين الكويتيين الاكتفاء بالفترة الزمنية التي أمضاها "السجناء الأردنيون" الذين أدينوا بتهمة التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي. واستجاب المسؤولون الكويتيون لمبادرة الحسين رحمه الله وأطلقوا سراح كافة السجناء الأردنيين يوم 24/2/1999بمناسبة العيد الوطني الكويتي وعيد التحرير.
وهاأنذا أنزل عند طلب هذه الحسناء في خلقها وخلقها فأشرع بعد أكثر من عقد على خروجي من السجن ومن سنوات قاسية أمضيتها فيه بعيداً عن كل ما هو حبيب ومحبب إلى النفس ، في صوغ ما أرمي إلى أن يكون في المقام الأول شكراً لله سبحانه وتعالى وامتناناً لروح الحسين رحمه الله ثم شكراً موصولاً إلى خير خلف لأفضل سلف جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين الذي تابع عملية الإفراج عن السجناء الأردنيين " المتعاونين" من السجن الكويتي.
وإذ أسرد هذه التجربة بالقدر الذي يقدرني الله سبحانه وتعالى عليه، فإنني أشدد على التأكيد أنني لا أنشد من الكتابة سوى السرد لغاية السرد والإعراب عن الامتنان والشكر لكل من وقف معي وشد من أزري في ملمة كانت تبعاتها الصحية والمالية والاجتماعية ثقيلة جداً علي .
في الحلقة القادمة : تخفيف الحكم علينا من الإعدام للمؤبد كان بوساطة رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور،

تخفيف الحكم علينا من الإعدام للمؤبد كان بوساطة رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور،
عوداً على بدء ، فقد اعتقلت يوم السابع من شهر نيسان (ابريل) من العام 1991 بعد اتصال هاتفي أجراه ضابط في مخفر الشرطة في منطقة النقرة في الكويت في الليلة السابقة وردت عليه زوجتي فقال لها : أبلغي عبد الرحمن أن عليه أن  يأتي للمخفر صباحاً. فقررت من فوري التوجه للمخفر المذكور درءاً لمضاعفات يمكن أن تقع لو تخلفت عن الذهاب. وبالفعل ذهبت إلى المخفر صباح الأحد السابع من نيسان. واستقبلني الضابط ويدعى عبدالله الطريقي وأستفسر مني عما إذا كنت قد عملت في صحيفة النداء ولماذا عملت فقلت له أنني نعم عملت في الصحيفة المذكورة درءاً لتنفيذ تهديد من المسؤول الإعلامي العراقي في الساحة الكويتية ، كما عرف نفسه،وهو الملحق الإعلامي في السفارة العراقية "سابقاً" لدى الكويت السيد حامد الملا. وكان الملا قد استدعاني إلى مكتبه في المبنى القديم لوزارة الإعلام الكويتية في منطقة" شرق" وطلب مني الانضمام  إلى صحيفة النداء فرفضت في البداية لكنه أشار بلهجة صارمة إلى أن  ثمة عقوبة قاسية ستكون في انتظار " كل من لا ينصاع للأوامر الصادرة عن الجهات العراقية المسؤولة لا سيما وأننا نمر في فترة أحكام عرفية." وفي وجه ذلك، وافقت على الدوام في الجريدة المذكورة لكنني اخترت العمل في الصفحة الفنية
بعيداً عن الأمور السياسية اجتهاداً مني في إن ذلك قد يشفع لي مستقبلاً في حال عودة الكويتيين إلى الكويت. لكن ضابط المخفر الكويتي أمر بتوقيفي إدارياً لمدة 15 يوماً ، جددت تلقائياً، توطئة لتقديمي للنيابة العامة الكويتية. وقد تم تقديمي وكل الذين كانوا موقوفين في المخافر الكويتية بسبب العمل في صحيفة النداء العراقية في زمن الاحتلال العراقي.
لقد أقررت أمام المحقق النيابي الكويتي بأنني عملت في الصحيفة المذكورة تجنباً لتنفيذ تهديد الملا في المقام الأول ولاستمرار توفير مصدر الرزق لي ولأسرتي المكونة من طفلتين وأمهما. ولم تشفع أقوالي لي عند صدور الحكم الذي كان قاسياً إذ قضت المحكمة العرفية الكويتية يوم السبت الموافق للخامس عشر من حزيران العام 1991 بالحكم على عدد من الذين عملوا في الصحيفة العراقية المذكورة بالإعدام، وكنت من أبرزهم.  لكن وقع الحكم نزل علي برداً وسلاماً لسبب بسيط وهو أنني لم أرتكب جناية تستحق هذا الحكم الذي، كما حدثت نفسي في حينه أو ألهمت، يصدر في أوج حالة من التوتر تسود الأجواء العامة وأنه لا بد أن  تتدخل العناية الإلهية وتنقذني .وإن نفذ الحكم فيَ فسأكون شهيدأ مظلوماً في بلاد الغربة.
 بمنتهى البساطة تقبلت الحكم لا لأنني  إنسان خارق القوى ولكن لأنني إنسان أومن بأن الله سبحانه وتعالى الذي أخرج يونس من بطن الحوت قادر أن يخرجني من السجن.وهنا لا بد من الإشارة إلى أنني تضايقت جداً لا بل وبكيت عندما بلغنا رسمياً بأن كل أحكام الإعدام خففت إلى المؤبد تلبية لطلب من رئيس الوزراء البريطاني في حينه ،جون ميجور، وجهه لولي العهد ورئيس الوزراء الكويتي الشيخ سعد العبدالله الصباح، رحمه الله، والذي كان أيضا الحاكم العرفي الكويتي عند صدور أحكام الإعدام التي قوبلت بعاصفة قوية من احتجاج دولي وعربي. ثمة مفارقة... حكم الإعدام لا يخيف وحكم  المؤبد يفضي إلى ذرف الدموع.. إنها لحظة ضعف إنساني غلبت فيها النوازع البشرية على تلك الحالة التي كان التسامي على كل ما هو دنيوي عنوانها.وفي إجراء يبدو أنه كان مدفوعاً بدوافع غرائزية تم اقتيادنا ، نحن الذين حكم علينا بالإعدام، من قصر العدل إلى مركز اعتقال الأحداث في منطقة  جليب الشيوخ حيث أعدت لنا "وليمة" حسب تعبيرهم تمثلت في ضربنا وتأديبنا. ومن ثم نقلنا إلى سجن الدوحة الذي كان اصطبلاً للخيول إبان الانتداب البريطاني.وتم استقبالنا في سجن الدوحة نحن معشر المحكومين بالإعدام بحفاوة بالغة تمثلت في ضرب مبرح، أعاننا الله عليه، وكان أن خصني أحد السجانين بقسط وافر من الضرب فهمت بعده ، وحسبما أسر لي أنه كان "للتغطية". فقد استدعاني هذا الحارس في وقت لاحق من الليل وأسر لي بأنه ينتمي لفئة البدون وقال أنه استمع إلى نص مقابلة أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية مع والدي فضيلة الشيخ محمد أسعد الإمام الحسيني بعيد صدور حكم الإعدام ضدي وأن الوالد توعد بالانتقام في حال تنقيذ الحكم ضدي. وعندما أعدت إلى الزنزانة استقبلني السجناء باستغراب ذلك لأنهم ظنوا أنه تم استدعائي لتنفيذ الحكم في
فهدأت من روعهم وقلت لهم إن استدعائي " كان للتعرف علي." وما هي إلا دقائق حتى تم استدعائي مرة أخرى إلى غرفة شعرت أنها مكيفة الهواء حيث سألني أحد المسؤولين وأنا معصب العينين عن والدي وما إذا كان يتوافر على مقدرة معينة"سياسية أو عسكرية" فاكتفيت بالقول له إن والدي معروف لديكم أكثر مما اعرفه أنا " فهو صديق للشيخ عبدالله الجابر الصباح عندما كان يدرس في مدرسة القبلة في العام 1947 فضلاً عن إنه كان صديقاً للعديد من الشخصيات الكويتية المرموقة من سياسية ودينية وأنه عاد إلى القدس عند إندلاع حرب فلسطين في العام .1948."فأكرمني هذا المسؤول بأن طلب بازالة العصابة عن عيني وأمر لي كأساً من الشاي قائلا " بصراحة ماكو عندنا إعدام واطمئن يا ولدي." وكنت قد سمعت هذه العبارة من كثيرين من المسئولين في الشرطة الكويتية من ضباط وأفراد أثناء عمليات التحقيق. وبفضل من الله سبحانه وتعالى كنت على الدوام أشعر بطمأنينة مطمئنة تتنزل علي من عند الله ملخصها أنني ساموت شهيداً في حال إعدامي ،إذا أعدمت، فضلاً عن قناعتي الذاتية ، وبفضل من الله فبل كل شيء، بأنني لم ارتكب ذلك الذنب الجلل حتى استحق عليه الإعدام شنقاً حتى الموت كما نص الحكم الذي أصدرته المحكمة العرفية الكويتية يوم السبت 15/6/1991.

وكانت النيابة العامة الكويتية قد وجهت لكل المتهمين الذين عملوا في صحيفة "النداء" العراقية ابان الاحتلال العراقي للكويت، لائحة اتهام من خمسة بنود 1- الاتصال مع العدو2- قبض أموال من العدو3- إحباط معنويات الشعب الكويتي 4- العمل في نشرة للعدو معادية للكويت 5- الخيانة العظمى.
وعند عودتي إلى زنزانتي في سجن الدوحة حيث كنا أكثر من 32 سجين ينام نصفنا ويبقى النصف الآخر مستيقظاً لمدة ست ساعات فينام النصف الأول وهكذا، سألني السجناء الآخرون عن الداعي لاستدعائي فأخبرته بكل ما جرى.
أيام مضت ونحن نعاني من شدة الحر والرطوبة قبل أن يتم نقلنا إلى السجن المركزي في منطقة الصليبية يوم الثالث من تموز(يوليو) عشية ذكرى عيد الاستقلال الأميركي. وهناك أفرد جناح خاص هو العنبر رقم 1 للذين قالوا عند سؤالهم أن الحكم الذي صدر بحقهم كان إعدام فيما أدخل الآخرون من الذين تلقوا أحكاماً بالسجن المؤبد فما دون إلى عنابر أخرى. وكنت من بين الذين نقلوا إلى عنبر 2 فلم أتعرض إلى ما تعرض له المحكومون بالإعدام من معاملة صعبة وقاسية ومن سجن انفرادي. دخلت العنبر 2 وكان معي عدد من الزملاء الذين عملوا في صحيفة النداء وكانوا من قبل زملاء في وكالة الأنباء الكويتية "كونا". ومن عنبر 2 في السجن المركزي الكويتي  في منطقة الصليبية القريبة من مقبرة الصليبخات، بدأت مسيرة  سني السجن الثمان والتي انتهت بفضل الله بعودتي إلى عمان في يوم الجمعة الموافق للخامس من الشهر الثالث (آذار) من العام 1999 أي بعد أقل من شهر أعقب وفاة جلالة الراحل الحسين بن طلال رحمه الله رحمة واسعة.
أذكر أنه في الأيام الأولى من دخولي عنبر 2 في السجن المركزي الكويتي رأيت في المنام رؤية طمانتني على نحو جميل: رأيت جلالة الحسين وكأنه كان في حفل استقبال وإلى جانبه الملك فهد بن عبد العزيز. وفي أعقاب عودتي إلى عمان بعد أن من الله علي بالفرج تذكرت تلك الرؤيا وتذكرت بامتنان أن الفرج تم بعد جهود أردنية وسعودية بذلت لدى الكويت أثناء زيارة أمير الكويت الحالي الشيخ صباح الأحمد الصباح برفقة ولي العهد السعودي الحالي الأمير سلطان بن عبد العزيز لجلالة المغفور له الحسين في دار السفارة الأردنية في واشنطن أثناء إحدى استراحات ما بعد جرعات الكيماوي. ولا أنسى هنا أن أذكر كيف أنني عندما علمت من الإذاعة الأردنية الرسمية أن وفداً نقابياً أردنياً برئاسة نقيب الصحفيين الأردنيين السيد سيف الشريف يعتزم التوجه إلى واشنطن للسلام على جلالة الحسين. فاتصلت بدار الدستور التي كنت أحفظ رقم هاتفها عن ظهر قلب حيث طلبت رقم هاتف الاستاذ محمود نجل السيد سيف والذي أخذت منه رقم الفندق الذي كان ينزل فيه والده في واشنطن وهو فندق استوريا على ما أعتقد. وقام السيد سيف بإبلاغ جلالة الحسين بما طلبت منه إبلاغه به ووعد خيراً. ارتحت للرؤيا التي رأيت فيها الحسين في المنام في الأيام الأولى من دخولي العنبر 2 في السجن المركزي الكويتي لأنني شعرت بأن جزءاً من هذه الرؤيا سيتحقق وهو ما تحقق بفضل الله الذي ألهمني سبحانه وتعالى لأن أعمل دون كلل وملل حتى أصل إلى جلالة الحسين . أما كيفية الوصول إلى رقم هاتف مستشفى مايو كلينيك الذي كان يعالج في المغفور له الحسين فقد ساعدتني في الحصول عليه زميلة صحافية كانت تعمل في راديو صوت أميركا. وعند عودتي إلى عمان كتبت في صحيفة " العرب اليوم" عن إنسانية هذه الإنسانة التي أسأل الله أن يجزيها خير الجزاء عني وعن زملائي الآخرين الذين أسهمت وساطة الحسين لدى المسؤولين الكويتيين في الإفراج عنهم.
اراحتني كثيراً جداً تلك الرؤيا التي رأيت فيها الحسين بن طلال وكأنها كانت رسالة لي بأن الفرج سيقيضه الله لنا عن طريقه ففهمت منها أن علي أن انتظر واحتسب عند الله وأن استغل وقت فراغي في السجن في المطالعة وإثراء معرفتي اللغوية. وكان أن يسر الله لي أحد أفراد الشرطة الكويتية الذي استجاب لطلب مني لشراء ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإنكليزية فأحضر لي نسخة من وضع العلامة الهندي علي عبدالله يوسف فعكفت على مطالعتها باستمتاع. وكان أن رأيت في إحدى الليالي أنني أصلي في المسجد الأقصى المبارك فأبلغت أحد الأئمة في السجن ،وكان منتدباً من وزارة الأوقاف الإسلامية الكويتية، فبشرني خيراً بهذه الرؤيا ما عزز من أنني لا بد وأن أرجع يوماً إلى القدس لأصلي في الأقصى وفي مسجد الصخرة وهو ما حدث معي بالضبط بعد خروجي من السجن حين تقدمت بطلب تأشيرة للسفارة الإسرائيلية في عمان ومنحت تأشيرة زيارة وذهبت للقدس وصليت في المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة شاكراً أنعم الله سبحانه وتعالى. وقد مكثت في القدس نحو أسبوعين حضرت في اليومين الأخيرين منهما جنازة الشهيد فيصل الحسيني الذي لاقى وجه ربه أثناء زيارة له للكويت في نهاية شهر أيار من العام 2001.ولقد حاولت عبثاً استعادة هويتي المقدسية التي كنت أحملها قبل أن اسجن في الكويت لثماني سنوات إلا قليلاً ورقمها  هو 80557792 وأعتقد أنه تغير من حيث اضافة  ارقاما جديدة. فقفلت عائداً إلى عمان كي لا افقد حق الحصول على تأشيرة زيارة لموطني القدس التي أبصرت النور فيها وترعرعت في منطقة الحرم القدسي الشريف الذي يضم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين المسجد الأقصى المبارك ومسجد قبة الصخرة المشرفة. وللتاريخ أشير إلى أن أجدادي لأبي كانوا أئمة المسجد الأقصى المبارك على مدار السنوات منذ عهد صلاح الدين الأيوبي وحتى اوائل الستينيات من القرن الماضي حين تنازل والدي رحمه الله عن الإمامة لالتحاقه بالقضاء الشرعي في دير أبي سعيد أولاً ثم في الطفيلة في العام 1962 قبل أن ينقل إلى أريحا في العام 1963.ولأن رب العزة علام الغيوب يقدر الأشياء، فقد قدر لي وأنا في التاسعة من العمر أن أذهب لزيارة والدي، رحمه الله، في دير أبي سعيد في صيف العام 1961، وقد كنت وقتها في الصف الثالث الابتدائي في مدرسة الفرير (كلية دي لاسال في القدس) وأسعفني حظي في السلام على جلالة المغفور له الحسين أثناء زيارة قام بها جلالته للبلدة حيث كنت برفقة والدي.وقد بعثت وأنا في السجن برسالة لجلالة الملك حسين في مايو كلينيك بواسطة الصليب الأحمر توسلت ليه فيها ان يعمل على إخراجي وصحبي الأردنيين من السجن الكويتي وقد فعل أثابه الله عنا خير الثواب.كما أنني  حظيت
بعناية من جلالة الملك عبدالله حين عودتي إلى عمان حين استجاب لطلب مني بالعلاج في مستشفى المدينة الطبية في قسم القلب حيث أجريت لي الكشوفات الطبية اللازمة ومنها عملية القسطرة للقلب باشراف الدكتور فندي والدكتور قهوجي. وبهرت لمستوى العناية الطبية التي أحطت بها وخرجت من المدينة الطبية وأكتب مقالاً في صحيفة العرب اليوم تحت عنوان "الصرح الشامخ". فبعث لي مدير الخدمات الملكية الطبية في حينه اللواء يوسف القسوس بكتاب شكر بواسطة رئيس التحرير في الصحيفة الزميل عزام يونس. وقمت لاحقاً بزيارة للدكتور القسوس وقدمت له الشكر والتقدير وتعرفت بالمناسبة على عدد من ألأطباء في المدينة الطبية لا زلت أتلقى الإشراف الطبي حتى الآن من أحدهم وهو الدكتور معن خيطان.

كنت دائماً في السجن الكويتي لا أدع مجالاً لليأس بأن يدخل في نفسي، لكنني لا أزعم مع ذلك بأنني لم أضعف أحياناً ... فأنا إنسان من مشاعر وأحاسيس، لكن إيماني التام بأنني لم أقترف ذنباً ولم أرم حجراً في البئر الذي شربت منه على مدار 15 عاماً ، كما ابلغت هيئة المحكمة العرفية ، ساعدني بعد عون الله سبحانه وتعالى في الاحتفاظ برباطة جأشي وفي رسوخ إيمان لا يتزعزع داخلي بأنني سوف أصلي في المسجد الأقصى يوما ما وسوف القى الأهل والأحباب وسوف أسير في شوارع القدس القديمة وأزقتها وهو ما تم بفضل الله سبحانه وتعالى.
ولا بد هنا أن أشير إلى أنه ساهم العديدون من المعارف والأصدقاء
والأقارب في تبني قضيتي والمطالبة بإطلاق سراحي أنا وسائر الذين حكموا خلال سريان الأحكام العرفية في الكويت. وفضلاً عن منظمة العفو الدولية (أمنستي إنترناشنال) كان هناك زملاء وأصدقاء أذكر من ابرزهم الدكتور عبد الرحيم جميل جرار والأستاذ عبد الباري عطوان ، رئيس تحرير صحيفة القدس العربية الصادرة في لندن ورئيس تحرير صحيفة القدس المقدسية، التي كنت قد بدأت بدايتي المهنية كصحفي فيها في العام 1975 إلى جانب الأستاذ ماهر خميس العلمي والأستاذ عبد الله أبو لبدة والأستاذ إبراهيم دعيبس وكثيرون غيرهم. وكان أن قدم المساعدة لي ووقف إلى جانبي في محنتي رئيس لجنة حماية الصحفيين الدولية التي تتخذ من نيويورك مقراً لها السيد جو كمبانيا وزميله أنطون كرم اللذين تابعاني حتى عدت إلى عمان يوم الخامس من آذار (مارس) من العام 1999 .ولا أنسى في هذا المقام أن أنوه إلى الأدوار التي قام بها الأهل بدءاً من والدي رحمه الله ووالدتي وإخواني وأخواتي من حيث إبراز الظلم الذي لحق بي والسعي لدى كل الأوساط المعنية والتي يمكن أن يكون لها ثقلها للعمل من أجل إطلاق سراحي. ويحضرني في هذا المقام انني أحببت في يوم من أيام السجن أن أطلب من رئيس تحرير صحيفة الجوردان تايمز الأستاذ جورج حةاتمة أن ينشر مناشدة من أبنتي القاصرتين، في حينه، موجهة إلى زعماء دول العالم الحرلبذل مساعيهما الحميدة مع المسؤولين الكويتيين للإفراج عني خاصة بعد إصابتي بأزمة قلبية. وكان أن نشر الأستاذ جورج حواتمة المناشدة في الصحيفة الناطقة بالانكليزية بعد يومين إثر زيارة قام بها شقيقي حسين له في مكتبه في الجريدة. ومن كرم الأستاذ جورج حواتمة أنه رفض تقاضي ثمن المناشدة كإعلان مدفوع الأجر. وعلمت لاحقاً أن المناشدة المذكورة شدت انتباه عديد الدوائر الدبلوماسية والإعلامية المحلية والإقليمية كما والدولية. ويملي الواجب علي  أن أشدد هنا على الدور الذي لعبه نقيب الصحفيين الأردنيين السيد سيف الدين الشريف وأخوه معالي الدكتور نبيل الشريف ووالدهما الأستاذ محمود الشريف وعمهما الأستاذ كامل الشريف والزملاء الأعزاء في صحيفة الدستور حلمي الأسمر وخيري منصور والزميلة العزيزة نيفي عبد الهادي وغيرهم في إبراز قضية السجناء الأردنيين في السجون الكويتية وخاصة عندما اقتحمت القوات الخاصة الكويتية عنبر السجناء الأردنيين في إحدي ليالي رمضان من العام 1997 وقامت بضربهم على نحو مبرح. وقد تناهى إلى أسماع جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال  الخبر فاستدعى أثناء زيارة له إلى رئاسة الأركان سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا  وسلطنة عمان وقطر المعتمدين لدى عمان وطلب منهم أن يقوم نظراؤهم المعتمدون لدى الكويت بزيارة السجناء الأردنيين في عنبر أمن الدولة في السجن المركزي الكويتي والاطمئنان على أحوالهم . وبالفعل زار سفيرا قطر وسلطنة عمان السجناء الأردنيين واطمأنا على أحوالهم لكن السفيرين الأميركي والبريطاني لم يشاركا في الزيارة التي وعد المسؤولون الكويتيون خلالها بالإفراج عن دفعة من السجناء الأردنيين في العيد الوطني الكويتي المقبل  وهو ما تم يوم25  شباط(فبراير) 1997. وشملت الدفعة أولئك السجناء الذين كانوا قد تلقوا أحكاماً بالسجن لمدة عشر سنوات. وكان من أبرزهم نائب رئيس التحرير السابق في وكالة الأنباء الكويتية الزميل داوود سليمان القرنة.كما كان من بين المفرج عنهم الزميل حسن أحمد الخليلي والزميل غازي علم الدين الذي أعيد ثانية للسجن بعد أخذه إلى مركز الإبعاد ومكوثه فيه لمدة ستة شهور. ولم نعرف السبب وراء إعادة الزميل غازي إلى السجن. وشمل أمر الإراج السجين الزميل فلسطيني الجنسية مفيد عبد الرحيم الذي كان يعمل في صحيفة الرأي العام الكويتية مخرجاً ثم عمل في صحيفة "النداء" العراقية  وحكم عليه بالسجن عشر سنوات لعمله في الصحيفة العراقية المذكورة. لكن العفو الأميري الكويتي لم يشمل في هذه السنة أياً من السجناء الذين كانت أحكامهم تتجاوز العشر سنوات. وصدف بعد عدة شهور أن قام الأمير الحسن بن طلال بوساطة من أجل إطلاق سراح عدد من السجناء الأردنيين فاستجاب له ولي العهد الكويتي في حينه الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح وأطلق سراح كل السجناء الأردنيين الذين كانت أحكامهم تتراوح بين 15 سنة و20 سنة. ولم يتم إطلاق السجناء الذين كانت أحكامهم تتجاوز العشرين سنة والذين ضموا السجناء الفلسطينيي الجنسية وهم فواز بسيسو وحسني صيام وسامر سمارة ونائل البورنو الذي كان يعمل مترجماً في تلفزيون الكويت قبل الغزو العراقي وحكم علية بالسجن المؤبد لأنه تقدم بطلب للعمل في تلفزيون العراق أو هكذا قيل. ولقد رفضت السلطات الكويتية الإفراج عن السجناء الفلسطينيين الأربعة حتى بعد إفراجها في العام 1999 عن كل السجناء الأردنيين الذين أدانتهم المحاكم العرفية والمدنية الكويتية على حد سواء وجرمتهم بتهمة "التعاون" مع سلطات الإحتلال العراقي. والسبب أنه لا توجد لهم دولة تستقبلهم.وبعد ثلاثة أعوام مرت على إطلاق سراح السجناء الأردنيي الجنسية كافة تم واستجابة لمساعٍ حثيثة بذلتها عدة جهات عربية ودولية الإفراج عن السجناء الفلسطينيين الأربعة الذين استضافت اليمن اثنين منهما فيما استضافت موريتانيا آخر وبقي ثالث في قسم الإبعاد بانتظار قبول إحدى دول العالم له حيث سمعنا أنه قبل في نهاية الأمر في إحدى الدول الاميركية اللاتينية. وللتاريخ أسوق أن هؤلاء الأربعة ذاقوا الأمرين بسبب سجنهم فأحدهم فقد وهو في السجن والديه وأحد أخويه وطلبت زوجته التفريق لتتزوج بآخر والثاني سافرت زوجته –فلبينية الجنسية_ إلى وطنها الأم ومعها ابنيهما.
فضل الكويت علينا وهل كنا خونة أم إننا صورنا كذلك؟
كنت قد دعوت في مقال نشرته في صحيفة العرب اليوم الأردنية بعد عودتي إلى عمان في العام 1999 إلى عودة العلاقات الكويتية الفلسطينية إلى سابق عهدها والتجاوز عن تصنيف منظمة التحرير الفلسطينية في عداد من أسمتها الكويت "دول الضد" انطلاقاً من الأخوة الكويتية الفلسطينية والروابط التي تربط بين الشعبين الكويتي والفلسطيني خاصة وأن الكويت عادت للكويتيين محررو أبية. وطلبت في المقال من الفلسطينيين أن يعترفوا بخطأهم الذي ارتكبوه في الوقوف إلى جانب عراق صدام حسين وعدم نسيان أن للكويت فضل كبير علينا نحن الفلسطينيين مستمر منذ النكبة مروراً بالنكسة في العام 1967 ومروراً بعدة أزمات تعرض لها الفلسطينيون. ومن دون الخوض في تفصيلات طويلة، أشدد على القول إن الفلسطينيين أخطأوا خطأً جسيماً عندما اتخذوا موقفاً مؤيداً لعراق صدام حسين وعندما تناسوا، في سوادهم الأعظم، فضل الكويت عليهم. ولعل ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع بالذات
هو إحساسي التام والذي لا تشوبه شائبة بأننا أخطأنا خطأً جسيما حين قررت قيادتنا الفلسطينية، التي تعودت على ارتكاب الأخطاء الجسام، لا بل القاتلة أحياناً، الانحياز إلى تأييد الغزو لا ، على الأقل إلى الوقوف موقفاً محايداً. وكانت النتيجة أن حل بفلسطينيي الكويت ما حل بهم من ويلات نتجت عن هجرة أخرى اضطروا إليها. وأحياناً أميل إلى الاعتقاد بأن الفلسطينيين كانوا ضحية استغفال مورس عليهم من جانب قوى كانت لها مآرب شريرة ووقعوا في فخ ماكر نصب لهم وشربوا من جراء ذلك من الكأس ما أفقدهم وعيهم وجعلهم يتخبطون. وللحقيقة أقول أنني لا ألوم الكويتيين على تطبيقهم لمبدأ " الخير يخص والشر يعم" ذلك أن الذي حصل للكويت والكويتيين لم يكن بالشيء السهل. ولا أجد غضاضة في القول وعلى رؤوس الأشهاد أن القيادة الفلسطينية أخطأت خطأ جسيماً حين ركبت موجة الانحياز إلى جانب الغزو العراقي للكويت والذي أعتقد بأنه استهدف توجيه ضربة قاتلة للبنية التحتية المالية للفلسطينيين عشر سنوات بعد توجيه ضربة قاصمة لبنيتها العسكرية في بيروت.فلقد احتضنت الكويت منظمة التحرير الفلسطينية منذ ولادتها وجعلت أبوابها مشرعة للمواطنين الفلسطينيين المقيمين فيها لدرجة جعلت المتربصين يصورون الفلسطينيين وأنهم على وشك إعلان قيام الدولة الفلسطينية في الكويت وعلى أرضها وهو ما يقبله أي شعب يتبنى قضية قومية ويمدها بكل أسباب الاستدامة فتنقلب عليه بين عشية وضحاها استجابة لنزوة أردتنا المهالك.
وإذ أكتب للتاريخ، فإنني أحمد الله سبحانه وتعالى على نعمة عودة العلاقات الكويتية الفلسطينية وعلى السمو الذي ابدته دولة الكويت في عدة مناسبات ليس اقلها المواقف الكويتسة التي اتخذتها دولة الكويت حين هبت لنصرة الفلسطينيين في قطاع غزة خلال الهجمة الإسرائيلية الشرسة على قطاع غزة في العام 2008/2009 .
قلت أنني أكتب للتاريخ ولا أكتب إن شاء الله إلا ما أراه حقاً لا أريد من ورائه شيئاً أبداً. وإني إذ أحمد الله على عودة العلاقات الكويتية الفلسطينية إلى سابق عهدها من محبة ووئام أشدد على القول أننا أخطأنا بحق الكويت وأننا سنظل نعض على أيدينا ندماً على ذلك، بغض النظر عن  حجج يسوقها بعض الجهلة من هنا وهناك.
لماذا إذن انضممت إلبى الصحيفة العراقية ضد الكويت؟
بداية ، لم يكن لي في أي يوم من الأيام أي توجه سياسي على الإطلاق وخاصة تجاه حزب البعث . كما أنني لم أزر بغداد على الإطلاق لكنني وبحكم عملي في وكالة الأنباء الكويتية(كونا) كمحررأول ،وجدت نفسي قد استدعيت للعمل في الصحيفة المذكورة "النداء" من قبل المسؤول الإعلامي العراقي عن الساحة الكويتية السيد حامد الملا، كما أسلفت في موقع سابق،  فقبلت تحت التهديد العمل في الصحيفة المذكورة درءاً لمخاطر كنت أنا أو أي أحد من أفراد أسرتي سيتعرض لها. ويكفي أن أكشف النقاب هنا ولأول مرةعن أنني تعرضت وأنا في سيارتي وبصحبتي افراد عائلتي إلى إطلاق النار علينا في أحد الأيام من قبل قوة عسكرية عراقية في المنطقة التي كنت أسكن فيها مقابل حراج السيارات في الرقعي لكن الله سلم. وعندما سألت ضابط القوة عن سبب إطلاق النار علينا افاد بأن القوة شكت في أن للسيارة علاقة بمقتل جندي عراقي في المنطقة. لكنني  أدركت لاحقاً أن السبب ربما كان بإيعاز من رئيس تحرير صحيفة النداء، العراقي العضو في حزب البعث، لأنني رفضت كتابة مقال باسمي في نفس اليوم.
على الصعيد الشخصي، أنا مدين للكويت ولا يمكن أن انكر أنني أكلت من خيرها وخير أهلها. ولا يعني صدور الحكم بالإعدام ضدي أن أخرج ناقماً وحاقداً على البلد الذي استضافني وكرمني وأحسن وفادتي.ويكفيني في هذا المقام أن أشير إلى أن عملي مع وكالة النباء الكويتية صقل لدي الموهبة الصحفية والطاقة الإبداعية
ما استرعى انتباه المسؤولين الكويتيين الذين بادروا لانتدابي لتغطية عدة مؤتمرات عربية وإقليمية ودولية كان من أبرزها انتدابي مندوباً عن الوكالة لتغطية المؤتمر المزاري السنوي لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (اوبيك) الذي عقد في أبوظبي في شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام 1978. واستطعت أن اسجل في ختام المؤتمر سبقاً صحفياً عالمياً يعود الفضل فيه للزميل عزام جرار الذي كان يغطي المؤتمر لصالح صحيفة الراي العام الكويتية. فقد التقى الزميل عزام بمحض الصدفة في مدخل دورة المياه الخاصة بالوفود الرسمية بوزير النفط العراقي في حينه السيد تايه عبد الكريم الذي اعتقد بأن عزام كان من أعضاء الوفد الكويتي فأسر له عن عدم رضاه عن الاتفاق الذي توصل له الوزراء برفع سعر برميل البترول بشكل تراكمي ليبلغ في حينه 16 دولاراً أو نحو ذلك. فآثر عزام إعطائي السبق مشيراً إلى أنني اعمل في وكالة أنباء وهو يغطي لصحيفة" ستنشر الخبر غداً" فالتقطت السبق منه وتحدثت مع مسؤول التحرير في وكالة "كونا" وأبلغته بالإتفاق الذي توصل إليه الوزراء . وسرعان ما بث المسؤول وهو نائب رئيس التحرير في الوكالة المرحوم يوسف السيباني الخبر لتأخذه منه هيئة الإذاعة البريطانية(البي بي سي) وتنسبه للوكالة التي سرعان ما أكد البيان الختامي لوزراء أوبيك صحة ودقة ما أوردته
فيما يعود الفضل في تسجيل هذا السبق العالمي إلى الزميل العزيز عزام جرار. فاندهش المراسلون الأجانب الذين كانوا يغطون المؤتمر وأذكر منهم مراسل اليونايتدبرس انترناشنال الدبلوماسي باري جيمس ومراسل وكالة رويتر يوسف العظم وصحفية تعما مع الفايننشال تايمز وكانت مقربة من وزير النفط الكويتي انذاك تدعى اليزا وآخرين منهم مراسل مصري لصحيفة النيويرك تايمز اذكر أن اسمه الول كان "علي".
وفي العام 1982 اختارني رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء الكويتية انذاك الاستاذ برجس البرجس لتمثيل الكويت في عضوية وفد إعلامي عربي ودولي برعاية البنك الدولي لزيارة ثلاث دول في غربي غفريقيا لتغطية مشاريع تنموية فيها يشرف عليها البنك الدولي وتشارك في تمويلها دولة الكويت. وبالفعل سافرت مع الوفد الذي كان يضم صحفيين من فرنسا وبريطانيا وهولندا والولايات المتحدة واليابان إلى الدول الثلاث وهي فولتا العليا(بوركينا فاسو) ومالي والنيجر والتي تعد أفقر ثلاث دول في العالم.
وفي العام 1983 انتدبتني "كونا" لتغطية مؤتمر عدم الانحياز الذي عقد في شهر آذار (مارس) في نيودلهي. وكان من الصدف التي حدثت معي أثناء المؤتمر أنني بعثت ببرقية مستعجلة باللغة الإنكليزية مفادها أنه تم التغلب على عقبة كأداء كانت تعترض سبيل التوصل إلى بيان ختامي عن المؤتمر بسبب خلاف بين العراق وإيران اللذين كانا يخوضان حرباً ضروساً. فظن المحرر الذي كان مناوباً في الوكالة وكانت الساعة وقتها قد تجاوزت الواحدة صباحاً، ولأنه لم يكن يجيد الإنكليزية، أن العراق وإيران قد توصلا إلى إتفاق لوقف الحرب بينهما وبث الخبر عاجلاً بهذا المعنى لكنه وبعد أن اتصلت به لأن الشك ساورني في أنه ربما يكون قد اساء فهم فحوى البرقية التي بعثت بها، عاد وطلب إلغاء خبر" العراق وإيران يتوصلان لقرار بوقف الحرب بينهما" والاستعاضة عنه  بالتصحيح الذي يقول إن " العراق وإيران اتفقا على صيغة البيان المشترك لقمة عدم الانحياز" المنعقدة في نيودلهي. لكن صحيفتي القبس والوطن الكويتيتان أشارتا باستغراب
في اليوم التالي إلى الخبر الذي بثته "كونا" ثم طالبت بتصحيحه لاحقاً. ومن المصادفات الحلوة على هامش المؤتمر أنني كنت أرتدي قميصاً من الحرير بعد اختتام المؤتمر وكانت برفقتي أثناء زيارة لأحد الأسواق المركزية في نيودلهى"امبوريوم" زوجة مراسل وكالة الأنباء الكويتية في نيودلهي الزميل جاويد لائق لمساعدتي في شراء خشب الصندل وكانت ترتدي الفستان الهندي التقليدي "الساري"، فلمحت أحداً ما أثناء تجولنا في السوق في الطابق المخصص لخشب الصندل فطلبت منها عدم الارتباك. وعندما وصل هذا الشخص واعضاء وفد الحماية المرافق له إلى مقربة خطوات مني تقدمت ماداً يدي لمصافحته بعد ان رحبت به باسمه "دولة الرئيس مضر بدران" وعرفته على نفسي بأنني مندوب وكالة الأنباء الكويتية لمؤتمر عدم الانحياز وطلبت منه إجراء لقاء صحفي معه. لكن الوقت كان متأخراً لأنه كان يستعد للعودة إلى عمان مساء نفس اليوم فاعتذر بلباقة ودبلوماسية.
واختارني الاستاذ البرجس في شهر تشرين الأول( اكتوبر) من العام 1983 لرئاسة وفد من محرري الوكالة في زيارة تعارفية للمكاتب الرئيسية لوكالتي رويتر والأسوشيتدبرس في لندن حيث مكثنا هناك لمدة اسبوع تأكدنا خلاله أن لوكالة كونا سمعة طيبة ومنزلة رفيعة في الأوساط الإعلامية والصحافية وغيرها في العاصمة البريطانية. وكان رئيس مكتب كونا في لندن أنذاك الزميل حسني إمام هو الدينامو في المكتب.
وفي العام 1987 ، أحببت وبمبادرة شخصية مني  ولكوني كنت أحمل الهوية الإسرائيلية باعتباري أحد مواطني القدس، أن اسجل على شريط فيديو الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران من العام 1967 . فتوجهت إلى القدس في الشهر الخامس من ذلك العام وبدأت بمساعدة أحد الأقارب وزوجته الأميركية المتخصصة في التصوير السينمائي وتصوير الفيديو ، في تصوير كل الأراضي التي احتلتها إسرائيل في العام 1967 وقد
فرغت من التصوير بتوفيق من الله سبحانه وتعالى بعد 12 يوماً من بدئه. والمهم أنني استطعت أو اوصل شريط الفيديو الأصلي  إلى الكويت وأن اقوم بكتابة السيناريو بمساعدة زوجتي السيدة ندى الموسوس ثم منتجة الشريط وإعداده للعرض لكي يعرف الجيل الفلسطيني الذي نشأ في الشتات  صورة حقيقية عن القدس وبيت لحم وخانيونس والخليل وبيت جالا ورام الله وأريحا والبحر الميت وطولكرم وجنين وقلقيلية ونابلس وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية. ويوم الإثنين 21/12/1987 وقف أهل الكويت دقيقو صمت تضامناً مع شهداء الانتفاضة الفلسطينية. فاتصلت بالاستاذ أحمد الفهد الذي كان في حينه مديراً عاماً لتلفزيون الكويت وعرضت عليه فكرة بث الشريط على شاشة التلفزيون الكويتي فوافق في الحال وتم بث الشريط على شاشة التلفزيون الكويتي لمدة 83 دقيقة حيث تعرف الجيل الفلسطيني الشاب ومثله الجيل الكويتي والخليجي على صور حية للقدس حيث المسجد الأقصى المبارك ومسجد الصخرة المشرفة وكنيسة القيامة وكنيسة الجثمانية وسور القدس الدي يحيط بالبلدة القديمة وبوابات السور وهي باب العامود وباب الساهرة وباب الإسباط الذي دخلت منه القوات الإسرائيلية إلى البلدة القديمة من القدس يوم الأربعاء 7/6/1967  وباب الخليل
والباب الذهبي الذي كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قد دخل منه إلى القدس حين وقع العهدة العمرية مع بطريرك القدس "صفرونيوس". كما عرف الشباب الفلسطيني والخليجي والعربي ولأول مرة في تاريخهم على مدينة أريحا والبحر الميت وقصر هشام بن عبد الملك ومنطقة الغور  وبيارت البرتقال في أريحا ومن ثم أخذوا فكرة مصورة عن مدينة رام الله ومدينة البيرة المجاورة ومخيم قلنديا بين القدس ورام الله ومخيم الأمعري على تخوم البيرة ورام الله ومخيم الجلزون في الطريق بين رام الله ونابلس. وعرض الشريط صوراً لمدينة نابلس كبرى مدن الضفة الغربية والمركز التجاري الكبير فيها ومناظر لمدن طولكرم وجنين وقلقيلية والقرى على الطريق بين هذه المدن حيث راهناً انتشرت عشرات المستوطنات الإسرائيلية بسكانها اليهود من مختلف أرجاء العالم.وقد أثار الشريط الذي كان تصويره بنجاح قد تم بتوفيق من الله وحده شجون الكثيرين من الناس في منطقة الخليج وخاصة الفلسطينيين لكنه عرفهم على القسم الذي تم احتلاله في العام 1967. ولم يصور الأراضي الفلسطينية التي احتلت في ذلك العام  أي جهة عربية في حين كانت فرق تلفزيونية من عدة دول غربية تصور تلك الأراضي بمناسبة الذكرى السنوية العشرين" لتطهيرها من الفلسطينيين." وحاولت في اجتهاد مني الاتصال في جامعة الدول العربية لتبني الشريط لكن دون جدوى. ولم تكن الناحية المادية تهمني بقدر ما كان يهمني أن أسجل أنا الصحفي البسيط ابن القدس أنني استطعت وبمساعدة الله وحده أن أذهب إلى الأراضي التي احتلتها إسرائيل في العام 1967 وأصور على شريط فيديو معظم مدنها وبلداتها وقراها ليكون الشريط مرجعاً يعرف الفلسطينيين في الشتات على بلادهم بعد أن استحال وصولهم إليها لسبب أو آخر.وما سجلته في ذاكرتي في حينه أن مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الكويت أو نفر فيه قام بطباعة نسخ عن الشريط وتولى بيعها وكأنها ملك خاص له.
وعودة إلى السجن الكويتي المركزي وبالذات قسم أمن الدولة في عنبر 9 أولاً ثم في عنبر 3. فقد زج في العنبر الذي خصص لكل مدان بالتعاون مع السلطات العراقية خلال أشهر الاحتلال العراقي لدولة الكويت المدانون في قضية صحيفة "النداء" العراقية والذين تراوحت أحكامهم بين السنوات العشر والمؤبد( سابقاً إعدام) ثم المدانون في قضين نقابة الفنانين العراقيين  ومن أبرزهم الممثل المسرحي صالح علي أو " مبيريتش" وهو من أصل عراقي وبالتحديد من بلدة الشطرة. وقد لعب أدواراً عديدة في المسرحيات الكويتية مع نجوم التمثيل الكويتي مثل عبد الحسين عبد الرضا وعبدالله النفيسي وصالح الغنام "نهاش" وغيرهم. وقد أدين "مبيريتش" بتهمة التعاون وحكم علية بالسجن لمدة عشر سنوات أمضى منها خمس ثم أفرج عنه. وكان من بين السجناء في عنبر أمن الدولة عدد من الفلسطينيين  الذين أدينوا بتهمة الانتساب إلى الجيش الشعبي العراقي بالإضافة إلى عدد من أفراد فئة" البدون" الذين أدينوا بنفس التهمة وتلقوا أحكاماً تراوحت بين عشر سنوات و33 سنة. ومن المؤكد أن تلك المرحلة الكويتية تطلبت توجيه إدانات وإصدار أحكام وسجن "متعاونين" حملوا مسؤولية الغزو العراقي لدولة الكويت. وأنا شخصياً لم أحمل على محمل الجد في أي يوم قصة السجن والإدانة إلا من باب أن هذا ما أراده الله لي لحكمة يعلمها هو سبحانه وتعالى. ولأن حياتنا كآدميين لا تعدو كونها مسرحية فإنني اعتقد تماماً بأن كل ما جرى ويجري وفي عالمنا العربي لا يعدو كونه يصب في إطار "هذا ما يريده المخرج".
وكان من بين السجناء في عنبر أمن الدولة من عرفوا وقتها بأنهم
أفراد "نقطة السيطرة" وهم جنود سابقون فارون من الجيش العراقي دخلوا إلى الأراضي الكويتية في خضم حالة الفوضى التي رافقت الغزو ومن بعده التحرير ونصبوا نقطة تفتيش داخل الأراضي الكويتية وباشروا في توقيف السيارات التي مرت عند النقطة وسلبها وسرقة ما لدى ركابها من أموال وما إلى ذلك. وما أن سمعت قوات الأمن الكويتية بهم حتى سارعت إلى مطاردتهم على مقربة من الحدود الكويتية العراقية فاستطاعت قتل أحدهم في السيارة التي كانت تقلهم وحاول الأربعة الآخرون الهروب ونزلوا من السيارة في إحدى الساحات الخلاء . وكان أن اللذين نزلوا من السيارة من الناحية اليمين أن بترت ساقاهما اليمين في حين أن اللذين نزلا من الناحية اليسار من السيارة بترت ساقاهما اليسار لأن السيارة كانت قد دخلت في حقل ألغام ضد الأفراد. وهذا بالطبع ما عرفناه من أعضاء فرقة السيطرة المشار إليها بعد أن أودعوا في عنبر أمن الدولة في السجن المركزي الكويتي. كما كان من بين سجناء العنبر خمسة سجناء أدينوا بالتواطؤ مع الاستخبارات العراقية ودخلوا خلسة إلى الأراضي الكويتية للتخطيط لاغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو أتش بوش (الأب) أثناء زيارته للكويت للاحتفال بتحريرها.
ولا يغيب عن بالي التنويه هنا إلى أن السجن الكويتي المركزي ضم في القسم النسائي منه عددا من السجينات كانت من بينهن موظفات عملن في صحيفة "النداء" العراقية أطلق سراحهن بعد قضاء نصف محكوميتهن التي كانت عشر سنوات.
ومن باب ذكر الحقائق يحضرني أن أذكر  أن كبار الضباط في السجن المركزي الكويتي كانوا يقول لنا "احمدوا الله لأنكم تعاملون لا كسجناء وإنما كنزلاء فندق من ثلاثة نجوم."  وكانوا بذلك يسوقون مفارقة بين السجن الكويتي وغيره من السجون العربية وحتى الإنكليزية وفق ما ذكره لي أحد السجناء البريطانيين الذي كان مسجوناً في السجن المركزي الكويتي بسبب إدانته في قضية شيكات. ولا يعني هذا أننا كنا ننعم برغد العيش في السجن المركزي الكويتي. صحيح أنه كانت هناك وجبات طعام جيدة وصحيح أننا كنا نتلقى العلاج الطبي اللازم في معظم الأحيان والحالات. لكن السجن يعني السجن ويعني حجز الحرية وتقييدها بكل ما في الكلمة من معنى ويعني أيضاً تعرض المرء لأن بفقد والده وهو في السجن وأن يفقد عدداً من أحبابه الذين يعزون عليه وما يترتب على ذلك من تبعات لا يعين عليها إلا الله وحده.
المهم في الأمر هو كيفية التعامل مع كون المرء قد سجن
وأمسى في غياهب مقبرة الأحياء كما يوصف السجن.فالفطن هو من يحول أيام السجن إلى فرصة ، حسب ما يتاح له من إمكانيات ووسائل لاستغلال الوقت لديه فيما يعود عليه بالفائدة والمنفعة الذهنية الفكرية التي تغني معلوماته وتقوي من نفسيته ومعنوياته. ولا بد في هذا المقام من التأكيد من وجهة نظري على أهمية جعل الصلة بين المرء السجين وربه الله سبحانه وتعالى قوية لا يهزها احتجاز حرية ولا تعصف بها عواصف الغياب القسري عن الأهل والأحبة. وهذا ما أعانني الله على تطبيقه روحاً ونصاً ثم أعانتني رسائل كنت أتلقاها من الوالدين ، رحمهما الله، بين الفينة والأخرى  كانا من خلالها يشدان من عزيمتي ويثبتان ما هو مغروس في نفسيتي أصلاً من أن الله وحده هو الذي سيفرج الكرب وسيزيل الغمة ولا بد للإنسان أن يتعرض في هذه الحياة، كما تعرض الأنبياء والرسل من قبل، إلى المتاعب والصعاب والظلم.
وانطلاقاً من هذا التوجه ركنت إلى تلاوة القرآن والتدبر في معانيه وعبره وعكفت على دراسة السيرة النبوية إلى جانب قراءة بعض الكتب الدينية التي تبحث في سير الصحابة وفي المذاهب والعلوم الدينية وفقاً لما كان يتيسر لي مطالعته في السجن. وكان أن يسر الله لي فرصة قراءة معاني القرآن الكريم باللغة الإنكليزية ، من وضع العلامة الهندي عبد الله علي يوسف. فأثريت لغتي الإنكليزية ووقفت على كلمات وعبارات جديدة بالنسبة لي. ولو أتيحت لي الفرصة لكنت قد استزدت من علوم أخرى. وأستذكر في هذا المقام أن أحد رؤساء النوبات من الشرطة الكويتية في السجن كلفني عندما علم أنني متخصص في اللغة الإنكليزية بأن أساعده في الدراسة بالانتساب لإجدى المعاهد الأميركية فساعدته وكان يكرمني بإرسال القهوة لي على الزنزانة مع أحد أفراد الشرطة ما أثار بالطبع حفيظة أقراني في العنبر سيما وأن القهوة كانت ممنوعة على السجناء لمدة تجاوزت الخمس سنوات.وأذكر يوماً أنني حاولت الحصول على القليل من القهوة من مقصف الأمانات حيث كنا نذهب كل يوم إثنين لنأخذ المصروف الأسبوعي الذي يكون مودعاً من قبل الأهل في الأمانات، فبلغ عني الموظف "هندي" المسؤول عن المقصف فعوقبت بتعليق يدي "مصفدتين" على باب الزنزانة لمدة تزيد على الساعة.
وأستطيع التأكيد بأن عملية السجن كانت مجرد عملية ديكور لا أكثر لأن كل من سجنوا في أعقاب تحرير دولة الكويت ما كان لهم دور رئيسي في غزو الكويت لا من قريب ولا من بعيد. وإن كان كل الذين أدينوا وحكم عليهم بالسجن فترات تراوحت بين عشرات السنوات والمؤبد وعشر سنوات إما أفراداً عاديين من الجيش الشعبي العراقي الذي تشكل أثناء الغزو العراقي للكويت فأجبروا تحت الإكراه على الانضمام إليه وكانوا في السابق إما جنوداً عاديين في الجيش الكويتي وأغلبهم من فئة "بدون". ولم يكن بين الذين أدينوا بتهمة "التعاون" مع قوات الاحتلال العراقي أي شخصية كويتية عسكرية كانت أم مدنية على الإطلاق. لكن الشعب الكويتي أراد أن يعاقب المسؤولين عن الغزو العراقي للكويت فتم ما تم من "مسرحية" المتعاونين إذا جاز التعبير وزج في السجن من زج وصور هؤلاء على إنهم المسؤولون عن الغزو العراقي للكويت. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عدة منظمات دولية وإقليمية إنسانية أصدرت بيانات في حينها ودانت الاحكام التي أصدرتها السلطات الكويتية ضد " المتعاونين". ولعل الدافع الرئيس الذي حدا بتلك المنظمات إلى إصدار بياناتها يتمثل في اقتناعها التام بأن الجرائم التي ارتكبها " المتعاونون" لم ترق إلى ما نسب إليهم من تهم وإنما تمت من قبيل " هكذا يريد المخرج". ولا يغيب عن بال القاريء أن كل نزاع ينشأ بين دولتين يدفع ثمنه في غالب الإحيان المساكين الذين لا حول لهم ولا قوة....وهكذا كان. وإذ أترك المجال لمن يريد التقصي والبحث أود أن ألفت الانتباه إلى حقيقة أنه لم تجر محاكمة أي مسؤول كويتي عن التقصير الذي أتاح المجال أمام الغزو العراقي أم أن المسؤولين عن الغزو كانوا الذين عملوا في جريدة "النداء" أو الذين انضموا إلى نقابة الفنانين العراقيين أم من أرتدى قميصاً عليه صورة صدام حسين فعوقب بالسجن 15 عاماً ( بالمناسبة قال أحد موظفي الصليب الأحمر لنا في السجن أن الرئيس بوش الأب اتصل بأمير الكويت الشيخ جابر الأحمد"رحمه الله" وأبدى امتعاضه من الحكم الذي صدر ضد العراقي عدنان عبود.)
لا أريد هنا أن أثير ضغائن أو ما إلى ذلك ، لكنني أكتب لأن من حقي أن أكتب عن ذكريات عشتها وواجهتها للتاريخ ومن أجل التاريخ. ولا أقصد من وراء ذلك صيتاً ولا سمعة شهرة ولا أحمل حقداً على أحد سيما وأن الله سبحانه وتعالى كتب لي النجاة من حبل المشنقة أولاً ثم من مقبرة الأحياء ثانياً .. فله الحمد والشكر دائما وأبداً.
كبف كانت الحياة في السجن؟
حتى هذه اللحظة، لا استطيع الإفصاح عن الكيفية التي تقبلت فيها فكرة اعتقالي وسجني ثم ما تعرضت له من إهانة ( لم أتعرض لضرب لأنني كنت قد سلمت نفسي طوعاً) وما تبع ذلك من إصدار الحكم الثقيل(الإعدام) ضدي وضد 17 مدان ومدانة آخرين بجرم التعاون مع قوات الاحتلال العراقي.
وأعتقد جازما أن العناية الإلهية هي التي كانت وما تزال تحفني بالرغم من هول الموقف وصعوبة الوضع. ولا أريد بهذا أن أصبغ على نفسي صبغة "الولي" أو " القديس"، لكنني أسوق تجربة شخصية لا أريد من ورائها من كائن من كان لا إطراء ولا مدحاً ولا ذماً لأنني لست بانتظار أي من هذا ولأننيأرغب في أن أضع عن كاهلي ثقل ذكرى طالت لثماني سنوات.
تقبلت فكرة السجن بادئاً ذي بدء لأنه لم يكن لدي أي مناص آخر. ومدفوعاً في المقام الأول بإيماني الذي لا يتزعزع بأن الله سينصفني في نهاية المطاف، ركنت إلى شحذ الهمة وتقبل الأمر الواقع ومواصلة الدعاء والمواظبة على تلاوة القرآن الكريم والدعاء. وكنت أتابع الأخبار العالمية بعد أن يسر الله لي الحصول على جهاز راديو  بثمن باهظ( 55 ديناراً كويتياً ثمناً لجهاز كان يباع في السوق بسعر سبعمائة وخمسين فلساً كويتيا لكنه كان يسوى ثقله كما يقولون من حيث أنه كان يوصلني مع العالم ومع الواقع ويطلعني على تطورات الأمور فجنبني بذلك الإنجرار إلى ما وراء أوهام وخيالات لا تمت إلى الواقع بصلة. ولأن الحديث ذو شجون، أذكر أنه في أحد الأيام وأثناء تفتيش زنزانتي عثر الشرطي على جهاز الراديو وبصق في وجهي فما كان مني في المرة التالية إلا أن سلمته هو نفسه جهازاً آخر كان في حوزتي، فاستغرب مني ذلك الوقف وتساءل لماذا سلمته الجهاز حتى قبل أن يستفسر عما إذا كان يوجد لدي جهاز راديو فقلت له أنني منذ أن بصقت في وجهي في المرة الأولى فإنني ما أزال أشتم مسك رائحة بصاقك حتى الآن، فأخذ الجهاز مني لكن قال لمسؤول العنبر(أحد السجناء وكان لبنانياً) بعد أن أنهى التفتيش الجهاز موجود في سطل النفايات الخاص بالعنبر وبعد أن أغادر العنبر أعده للحسيني فأعاده لي الأخ بسام الأبيض واستمررت في متابعة الأخبار والتطورات في العالم). وما دفعني إلى سوق هذه التجربة هو الإشارة إلى أنه كان هناك اعتقاد تام حتى لدى السجانين الكويتيين بأننا ضحايا الأزمة وبأننا لا نستحق العقاب الذي تلقينا وبأننا لا نستحق أن نحرم من تملك جهاز راديو بالتالي.أو ربما هذا ما رأيته تفسيراً منطقيا لإعادة جهاز الراديو لي. وعموماً سمحت السلطات في السجن لنا بشراء أجهزة راديو بسعر لا يتجاوز الدينار ونصف الدينار الكويتي لاحقاً وبقراءة الصحف الكويتية فكنت أختار صحيفتي القبس والكويت تايمز اللتين كانتا تصلان إلى باب زنزانتي في الساعات الأولى من كل صباح. وعمدت إدارة السجن أيضاً للسماح لنا بشراء ما نشتهيه من خضروات وفواكه مرة كل أسبوع ربما للحيلولة دون إصابتنا بأي نقص غذائي وإن كانت إدارة السجن توفر لنا غذاء صحياً جيداً نسبياً كان يحتوي على كل المواد الغذائية الضرورية للإنسان...أورد هذا تبياناً للحقيقة.

كانت عملية السماح لنا بإقتناء أجهزة راديو إشارة ضمنية أخرى تفيد، أو هكذا فهمها البعض وأنا منهم بأننا لا نشكل أي خطر أمني  وبأننا لا نعدو كوننا مجرد سجناء وصفنا بالأمنيين تلبية لمقتضى الحال في حينه لكننا لم نعد كذلك. وفهمنا من التقليل من التشديد علينا بأن أبواب الفرج بدأت في التفتح أمامنا رويداً ورويداً وبأن علينا أن نتذرع بالصبر وعدم استعجال الأمور. وزاد من إيماننا بهذا الموقف أن أحد مدراء السجن ويدعى الدكتور عبد المجيد خريبط استجاب لطلب مني في إحدى ليالي رمضان بدعوة عنبرنا إلى وجبة إفطار على حساب إدارة السجن. وبالفعل وجهت إدارة السجن الدعوة لجميع أفراد عنبر "المتعاونين" لتناول طعام اففطار على مأدبتها السخية والتي كانت عبارة عن "بوفيه مفتوح" بإشراف مطعم طارق الغانم الذي كان مشرفاً على تزويد قوات الأمن الكويتية بوجبات الغذاء اليومية. وكان الإفطار المذكور بمثابة دليل آخر على أن التشديد علينا قد بدأ يتفكك وأننا لم نعد سجناء أمن دولة بالمعنى الذي كان سائداً قبل الاجتياح أو الغزو العراقي لدولة الكويت.
وللتذكير فإن عنبر أمن الدولة في السجن الكويتي كان يضم في المرحلة التي سبقت غزو العراق للكويت سجناء اعتبروا في حينه خطراً فعلياً على امن الدولة الكويتية من أبرزهم كان عماد مغنية وفلسطينيين أدينا باختطاف طائرة ركاب كويتية ونفر من الذين أدينوا بتفجير عدد من المقاهي الكويتية في بداية الثمانينيات من القرن الماضي بالإضافة إلى أشخاص آخرين أدينوا بالهجوم على موكب أمير الكويت في الثمانينيات الشيخ جابر الأحمد الصباح( رحمه الله). وكان مجرد ذكر أمن الدولة ذكراً يثير الرعب لدى السامعين وخاصة الكويتيون الذين كانوا يتشائمون من مجرد ذكره فبقولون باللغة العامية " لا يحوشك" بمعنى الله يبعدنا عن أمن الدولةفي إشارة إلى مدى فداحة مصير الإنسان الذي يقدر له أن يقع في غياهب سجون أمن الدولة في الكويت. لكن ، وللحقيقة أقول أنني عندما بت سجيناً في عنبر أمن الدولة في الكويت ، لم أسجل سوى النزر اليسير من فظاعة كنت أسمع أنها تمارس ضد سجناء أمن الدولة في الكويت إلا في حالات نادرة. وأقصد في ذلك الإشارة إلى أن التعذيب والعنف والفظاعة والضيم مورس فعلاً في الأيام الأولى من التحرير وضد الذين وقعوا في أيدي القوات الأمنية الكويتية دون أن يكونوا قد بادروا إلى تسليم أنفسهم للسلطات الكويتية. أما الذين سلموا أنفسهم فقد عوملوا نسبيا معاملة لا أستطيع القول أنها كانت جيدة وإنما كانت إنسانية إلى حد ما مع عدم إغفال حقيقة ما يترتب على  السجن من تبعات يرى السجان معها إن من واجبه أن يعامل المسجون وخاصة " المتعاون" بغلظة وشدة خاصة وأنه مدان رسمياً بخيانة الكويت والتعامل مع قوات الاحتلال العراقي.
أعادت الحياة في السجن إلى ذاكرتي رواية أستطيع الزعم بأنها تنم عن فلسفة وجودية تنطوي على كثير من التشاؤم هي رواية "لورد أف ذا فلايز" لويليام غولدينغ الذي يخلص في الختام إلى أن العسكلايين الذين يرمزون إلى القوة والسيطرة والجبروت هم من يخلص الأولاد الذين سقت بهم الطائرة في الجزيرة النائية من براثن حياة العذاب التي عاشوها. وهكذا كانت الحياة في السجن كحياة الأةلاد الذين رماهم قدرهم في الجزيرة حيث كانت الشخصيات تشتمل على الرجل العسكري والرجل السياسي والرجل الذي يرمز للعقلانية والنبوة وذلك الذي يرمز إلى المكر والخداع والمراوغة ..وهكذا ضمت الحياة في السجن جميع فئات المجتمع. وتبعاً لذلك ، وباختصار، لم تخل حياة السجن من مناكفات وعصابات وسجالات ونقاشات ونظريات ونظريات مضادة. وفي بعض الأحيان كانت الأمور تتطور بين السجنا في عنبر أمن الدولة وتأخذ شكل نقاش حاد يتطور في نهاية المطاف إلى شجار بالأيدي يعقبه حبك المؤامرات والخطط حتى يتجنب كل طرف معني عقاب إدارة السجن الذي كان يتجسد في حبس انفرادي يشتمل على الحرمان من الوجبات التي تقدم للسجناء العاديين ومنع السجائر والطيبات الأخرى الممنوحة للسجين الاعتيادي.
من حسن طالع عنبرنا أنه لم يقدم أي من نزلائه إلى مقصلة الإعدام. لكن العنبر استضاف إثنين أو ثلاثة من النزلاء أحدهم كويتي والاخر عراقي والثالث من فئة "البدون" عشية تنفيذ حكم الإعدام فيهم بسبب  جرائم ارتكبوها على أرض الكويت قبل وبعد الغزو. ومن اولئك الكويتي الذي نفذ فيه حكم الإعدام بسبب إعتدائه على وافدة مصرية "رشا" ونزولاً عند طلب الرئيس المصري السابق حسني مبارك.
ومن أبرز وأغرب القصص التي جرت في السجن المركزي الكويتي  قصة هروب عدد من السجناء الذين كانوا يقضون أحكاماً تراوحت بين الإعدام والمؤبد والسجن عشر سنوات من السجن وسفرهم إلى إيران. وفهمنا أن هروبهم قد تم بتواطؤ من إدارة السجن عن طريق الملعب المخصص لممارسة الرياضة بمختلف أصنافها حيث تم قص فتحة لهنم في الشيك على السور. وكانت سيارات في انتظارهم تولت نقلهم إلى الشاطيء ومنه إلى سفينة كانت في انتظارهم ونقلتهم إلى إيران، حسبما تردد. وفي أعقاب تلك العملية ، أجرت وزارة الداخلية الكويتية تغييرات في إدارة السجن وفي كوادره مستبدلة كبار المسؤولين بغيرهم ومشددة من الإجراءات الأمنية خاصة بعد تفشي إشاعات تحدثت عن أن السجن المركزي الكويتي يعتبر بؤرة لتفشي المخدرات والتي ذكر في حينه انها تفشت في الكويت على نطاق واسع وربما مخيف في بعض وقائعه.
وقامت قوات الأمن الكويتية بسبب ذيوع الإشاعات بأن السجن المركزي الكويتي يعتبر بؤرة للمخدرات وتزيعها في الكويت بشن حملة على جميع عنابر السجن باستثناء عنبر أمن الدولة " لأنهم فقارى وما معهم بيزات(أي فلوس)". وكنا في عنبر أمن الدولة نسمع صياح السجناء في العنابر الأخرى وهم يتلقون الضربات من كل "حدب وصوب" في إطار الحملة بحثاً عن المخدرات. وفي إحدي ليالي رمضان وأذكر أنها كانت تتصادف مع ليلة 20/21 كانون الثاني من العام 1997 اقتحمت القوات الخاصة عنبر أمن الدولة وشرعت في ضرب النزلاء الذين ساقتهم إلى الخارج في الممر المواجه لمستشفى السجن. وتيسر لي بعد "حفلة " الضرب ألاتصال من الزنزانة بزوجتي عند الساعة الواحدة إلا عشر دقائق بتوقيت عمان  وطلبت منها الاتصال بالأخ سيف الدين الشريف والطلب منه إبلاغ السلطات الأردنية بأن القوات الكويتية الخاصة دهمت عنبر أمن الدولة وأعملت الضرب في السجناء الأردنيين. وبالفعل اتصلت زوجتي بالاستاذ سيف الشريف الذي تبنى مشكوراً وأبلغ الأمر إلى جلالة المغفور له الحسين بن طلال الذي طلب في اليوم التالي سفراء الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وقطر وعمان واجتمع معهم وطلب من نظرائهم المعتمدين لدى دولة الكويت بزيارة السجناء الأردنيين في السجن المركزي الكويتي والاطمئنان على أوضاعهم الصحية والمعيشية. وبالفعل زارنا خلال أيام سفيرا سلطنة عمان وقطر في الكويت ونقلا لنا تعهداً بأن السلطات الكويتية ستشرع في إطلاق سراحنا وهو الأمر الذي باشرته السلطات الكويتية في العيد الوطني المقبل في 25/2/1997.
لا يفوتني في هذا المقام أن أذكر أن أحد زملائي السابقين في وكالة الأنباء الكويتية ويدعى "حسن" نشر في تلك الفترة مقالاً في صحيفة الأنباء الكويتية ذكر فيه أن عبد الرحمن الإمام الحسيني هو الذي تولى إبلاغ الديوان الملكي الأردني بمسألة اقتحام القوات الخاصة الكويتية لعنبر أمن الدولة في السجن المركزي الكويتي . وقد احضرت العدد المذكور من الصحيفة معي حين عدت إلى عمان.كما لا يفوتني أن أذكر أن رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء الكويتية سابقاً الاستاذ برجس حمود البرجس زارنا في السجن واجتمع معي كوني كنت أحد العاملين في الوكالة  لينقل في اليوم التالي عن أحد سجناء أمن الدولة نفيه أن تكون القوات الخاصة الكويتية قد اقتحمت عنبر أمن الدولة أو أنها أساءت معاملة السجناء الأردنيين. ولو لم يكن الزملاء في العنبر قد أدركوا مناورة الاستاذ البرجس في استغلال معرفته بي وأخص بالذكر منهم الاستاذ داود سليمان القرنة الذي كان نائباً لرئيس التحرير في وكالة "كونا" لكنت قد اقحمت في صدامات مع النزلاء في عنبر أمن الدولة خاصة وسط الأجواء المشحونة بالتوتر. وهنا لا أود أن اتهم الاستاذ البرجس باستخدامي بالمعنى الرخيص للكلمة لكن ذلك كان مبلغ اجتهاده في تبرئة القوات الخاصة الكويتية . ولا تعني محبتي له كمسؤول كان قد ساعدني في استثمار توجهي الصحفي في عدة مناسبات سابقة أن امتنع عن سوق عتب لي سجلته على اجتهاده المذكور.
وفيما كنت أدون ملاحظاتي على جهاز الكمبيوتر يوم السبت
27/8/2011 دق جرس هاتفي الخلوي فإذا بها مكالمة من الكويت فإذا أحد الزملاء السابقين في السجن المركزي الكويتي يتحدث على الطرف الثاني ويقول لي بأنه تم أخيراً الإفراج عن كافة "المتعاونين" الذين تبقوا في السجن المركزي الكويتي "وأننا أودعنا مركز الإبعاد بانتظار إبعادنا إلى العراق". وبعد أن فهمت منه التفاصيل خرجت بالخبر التالي الذي نشريه صحيفة "الغد" الأردنية في يوم الأحد الموافق 28/8/2011.
 ويقول الخبر
الكويت تسدل الستار على ملف " المتعاونين"
" عمان-"الغد" – أسدلت السلطات الكويتية مؤخراً الستار على قضية السجناء الذين أدينوا بتهمة التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي خلال غزو العراق لدولة الكويت في آب من العام 1990.
وأفرجت السلطات الكويتية عن " المتعاونين" الذين ظلوا رهن السجن وهم من فئة " البدون" بعد موافقتهم على قبول الجنسية العراقية وتنازلهم عن الادعاء بأنهم من فئة " البدون" وبالتالي طلبهم الحصول على الجنسية الكويتية.
ولم يتبق في السجن الكويتي سوى سجينين هما مالك سلطان وسالم أبو حاشوش اللذلن رفضا الشرط الكويتي وبالتالي قبول الجنسية العراقية.
وقال ناطق بلسان السجناء المفرج عنهم والذين أودعوا مركز الإبعاد في أوائل الشهر الحالي في اتصال مع " الغد" إن السجناء الذين أطلق سراحهم يضمون كلاً منوالي الغزالي ومحمد الأسدي اللذين أدينا بتهمة محاولة التخطيط لاغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش الأب وكلاً من سالم الرومي وبندر عجيل اللذين لأدينا بنفس التهمة. كما ضم السجناء المفرج عنهم منخي جابر الذي أدين بتهمة "التعاون" مع السلطات العراقية وبالعمل على تسليم قاعدة علي الجابر الكويتية لقوات الغزو العراقية بعيد الغزو العراقي للكويت.
ولم يتخلف في السجن سوى الشخصين المذكورين بسبب رفضهما الشرط الكويتي بقبول الجنسية العراقية.
وكانت السلطات الكويتية قد بدأت بإطلاق السجناء " المتعاونين" اعتباراً من العام 1997 واستكملت الإفراج عن السجناء الأردنيين الذين أدينوا بتهمة " التعاون" في شهر آذار(مارس) من العام 1999.
وكان عدد الذين أدينوا بتهمة " التعاون" وصدرت أحكام ضدهم عن المحاكم العرفية الكويتية في العام 1991 قد بلغ نحو تسعين شخصاً بينهم عشرات الأردنيين.
وكان حضرة صاحب الجلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال قد توسط لإطلاق سراح السجناء الأردنيين وتابع من بعده جهود الإفراج عنهم جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين."
كيف توسط الحسين للإفراج عن آخر دفعة من السجناء الأردنيين الذين كانوا يقضون أحكاماً ثقيلة في السجن المركزي الكويتي.؟

جاءت مبادرة الحسين رحمة الله عليه في أعقاب إتصال هاتفي أجريته مع مستشفى مايو كلينيك من زنزانتي في عنبر أمن الدولة في السجن المركزي الكويتي بمساعدة مسؤولة البدالة في المستشفى. وكان أن إتصلت ببدالة المستشفى في إحدى الليالي بينما كان زملائي في السجن يغطون في نوم عميق وتحدثت معها باللغة الإنكليزية وقلت لها أنني أريد التكلم مع أي شخص من المرافقين لجلالة الملك الحسين نظراً لأنني أمر في وضع صعب في الكويت. ووصلتني مسؤولة البدالة في المستشفى في الحال بأحد أعضاء الوفد المرافق للحسين فأبلغته بوضعي ووضع السجناء الأردنيين الآخرين وطلبت منه بعد أن عرفته على نفسي أن ينقل لجلالة الحسين تطلعنا إلى السلام على جلالته في عمان مع الدعاء له بالشفاء العاجل. وبالفعل نقل هذا الشخص الصورة كاملة لجلالة الحسين الذي بحث موضوعنا مع وزير الخارجية الكويتية ووزير الدفاع السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز أثناء عيادتهما لجلالته في مقر السفارة الأردنية في واشنطن التي كان يستريح فيها بعد تلقيه جرعة من العلاج الكيميائي. كما أنني بادرت ، بعد سماعي لنبأ توجه وفد من النقابات الأردنية لعيادة جلالة الحسين في واشنطن ، بادرت بالاتصال بنقيب الصحفيين الأردنيين في حينه الاستاذ سيف الدين الشريف ، الذي حصلت على رقم هاتفه في فندق استوريا في واشنطن من نجله الاستاذ محمود الشريف ، وطلبت منه، أي الاستاذ سيف، نقل الصورة عن وضع السجناء الأردنيين في السجن المركزي الكويتي فقام بنقل الصورة إلى جلالة المغفور له الحسين بن طلال الذي وعده خيراً.
ومن واجبي أن أذكر هنا أنني مدين بالعرفان للصحفي رئيس التحرير في صحيفة القدس العربي الاستاذ عبد الباري عطوان الذي بذل كل جهد ممكن للعمل من أجل التوسط لإطلاق سراح كافة الذين أدينوا وأودعوا السجن المركزي الكويتي بعد تجريمهم بتهمة التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي. كما إن السيد روبرت فيسك الصحفي الكبير المسؤول في صحيفة الاندبندنت البريطانية حاول هو الآخر من جانبه السعي للعمل على إطلاق سراح السجناء "المتعاونين". وذكر لي صديقي الدكتور عبد الرحيم جميل جرار أثناء لقائي معه في عمان للسلام عليه في وقت سابق من أيلول الحالي أن السيد فيسك تحمس لنشر صورة عن النداء الذي وجهته ابنتاي سوزان وياسمين لزعماء العالم الحر وحثتاهم فيه على العمل من أجل إطلاق سراحي بسبب إصابتي بجلطة قلبية في السجن ونشره بالفعل ( وكان الاستاذ جورج حواتمة قد نشر هذا النداء في صحيفة الجوردان تايمز كما أسلفت في موقع سابق.)

مراحل السجن
تكونت مراحل السجن في الكويت بالنسبة لي من ثلاثة مراحل تمثلت في التوقيف في مخفر "النقرة" لمدة شهر حيث
تمت عملية مثولي أمام النيابة العامة التي وجهت لي سؤالاً واحداً عما إذا كنت قد عملت في صحيفة" النداء" العراقية ام لا فاجبت مباشرة بأنني عملت في الصحيفة المذكورة لكي اضمن استمرار مصدر دخل شهري لي ولأسرتي خاصة وأن البنوك قد اقفلت أبوابها وليس لي أي مصدر دخل آخر. وأشرت إلى أنني اخترت العمل في الصفحة الفنية من الصحيفة حتى ابتعد عن الأمور السياسية. لكن دفاعي أمام النيابة ومن ثم أمام المحكمة العرفية لم يشفع لي وصدر حكم الإعدام ضدي وضد كل من عمل في صحيفة "النداء" العراقية
أثناء الاحتلال العراقي لدولة الكويت.وظل حكم الإعدام ماثلاً أمام أعيننا لمدة أسبوعين إلى أن زار الشيخ سعد العبدالله الصباح العاصمة البريطانية لندن فأقتعه رئيس الوزراء البريطاني في حينه جون ميجور بخفض أحكام الإعدام التي أصدرتها المحاكم العرفية الكويتية إلى السجن المؤبد وذلك ما تم. وهنا لا بد لي أن أشير إلى أن صديقي الدكتور عبد الرحيم جرار، الذي كان موجوداً في لندن في حينه والتي غادر إليها من الكويت برفقة زوجته وابنيه أحمد وزكريا استجابة لعملية أشرفت عليها السفارة البريطانية في الكويت لإجلاء الرعايا البريطانيين من الكويت،قد علم بنبأ خفض حكم الإعدام إلى المؤبد من الأخ الكبير والاستاذ عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة "القدس العربي" فسارع للإتصال بزوجتي في الكويت ونقل لها النبأ ما خفف من حدة الصدمة التي سببها صدور حكم الإعدام ضدي. أما بالنسبة لي فقد علمت وأنا في سجن "الدوحة " في الكويت بتخفيف الحكم إلى المؤبد صبيحة يوم عيد الأضحى الذي أعتقد بأنه صادف الأيام الأخيرة من شهر حزيران"يونيو" من العام 1991. وعندما تناهت إلى مسامعي أخبار تنزيل الحكم إلى المؤبد امتزجت الخواطر في مخيلتي ولم أقوى على وقف نفسي عن البكاء العفوي وربما كان ذلك نتيجة لمفارقة بين الموت شهيداً في حال تنفيذ حكم الإعدام أو البقاء في السجن 25 عاماً بين أربعة جدران كما يقال. لكنني سرعان ما نعمت
بتذكر الآية الكريمة التي تحث على عدم القنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى فعقدت العزم على الثبات وتضرعت إلى الله العلي القدير أن يثبتني على الإيمان. والحمد لله أنني استطعت الثبات إلى أن قيض الله لي ولغيري من الزملاء الأردنيين الإفراج وعدنا سوية إلى عمان يوم الجمعة الموافق 5/3/1999 لأسدل بذلك ستاراً على السجن الكويتي الذي طال ل 2852 يوماً. وكان أصعب موقف لي في السجن في تلك الليلة الرمضانية من شهر كانون الأول(ديسمبر) من العام 1998 حين تفاجئت بعض الشيء وبعد أن تحدثت إلى والدي "رحمه الله" منذ ثلاث ساعات بخبر وفاته ربما كمداًعلى سجن ابنه البكر في دولة عربية مسلمة كان قد عمل فيها في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي مدرساً للتربية الدينية واللغة العربية في المدرسة القبلية لكنه آثر العودة إلى القدس للمساهمة في الدفاع عن المدينةالمقدسة مع من جاهد من العرب والمسلمين.
وقد عاد معي بعد أن صدر عن أمير الكويت الراحل سمو الشيخ جابر الأحمد الصباح عفو أميري عن كافة السجناء الأردنيين الذي أدينوا بتهمة "التعاون" مع سلطات الاحتلال العراقي كل السجناء الذين كان  حكم الإعدام (الذي خفف لاحقاً إلى مؤبد قد صدر بحقهم) . ومن بين هؤلاء السجناء السيدة الفاضلة حمدة يونس التي سجنت لأنها تولت إدارة مدرسة طليطلة في منطقة حولي أثناء الاحتلال العراقي للكويت. وجرمت السلطات الكويتية السيدة يونس وكانت عضاً في حزب البعث العراقي بممارسة نشاطات تعبئة ضد الكويت وبتأييد شعار عودة الفرع إلى الأصل الذي رفعه الرئيس الراحل صدام حسين عشية غزو الكويت في إشارة إلى أن الكويت التي أعلنت المحافظة العراقية التاسعة عشر هي أرض عراقية تابعة للعراق.
وإذ أستميح القاريء معذرة، أستأذن منه وأنا أدون ذكرياتي، أن أدرج هنا مدى السعادة المختلطة بالدموع التي انتابتني وأنا أتابع عملية الإفراج عن الزميل الصحفي في فضائية "الجزيرة" التي تبث من قطر الأخ سامر علاوي بعد احتجازه في السجن الإسرائيلي لمدة 49 يوماً للتحقيق في اتهامات ثبت أن لا أساس لها من الصحة.(تم الإفراج عن الزميل علاوي يوم الإثنين الموافق 25/9/2011) فتذكرت في الحال درساً كانت جدتي رحمها الله تقصه علي وأنا طفل مؤداه" ياما في السجن من مظلومين". ورغم الإرهاق الذي عانى منه الزميل سامر وعانت منه الزميلة جيفارا البديري التي غطت عملية الإفراج عنه تلفازياً إلا أنهما أبدعا في تلقائية ممزوجة بالعفوية في محاكاة "اسكتش" يصف إحدى وقائع عملية الإفراج. وإنني إذ أغبط الزميلين على أدائهما ومهنيتهما، أشير في هذا المقام إلى أن الزميل علاوي ذاق مر السجن فيما ذاق والدا الزميلة جيفارا مرارة هذا السجن "أبعده الله عنها" لكن هذه المرارة تحولت بفعل الإرادة الحديدية إلى عزيمة قوية لدى "هداية" و "محمد" فاختارا إسماً لمولودهما يرمز إلى الحرية والعزة والكرامة ... فكانت "جيفارا".
واليوم هو 24 شباط(فبراير) من العام 2012 استأنف كتابة ما تجود به الذاكرة بعد طول انقطاع عن الكتابة ربما بسبب انشغالي الكثير في المحافظة على مستوى إنجاز حسن في جريدة الغد حيث أعمل في قسم الترجمة وحيث غمرتنا تطورات الربيع العربي وما ينشر عن تلك التطورات في الصحافة الأجنبية من تعليقات.
فاتني أن أذكر أنه وسط تلك التطورات في العالم العربي، اعتقلت سلطات الاجتلال الإسرائيلي مراسل قناة الجزيرة في أفغانستان الزميل ياسر علاوي ثم أطلقت سراحه لعدم ثبوت صحة الاتهام الذي وجه له. وكان لي أن شاهدت لحظات الإفراج عن الزميل علاوي عبر شاشة تلفزيون الجزيرة وتغطية الزميلة جيفارا البديري للمناسبة ما أعادني إلى ذكرياتي في السجن الذي تمنيت لو أنه كان سجناً إسرائيلياً لا عربياً.
وفي تطور لاحق حصل مع الزميل في قناة الجزيرة تيسير علوني الدي كانت محكمة اسبانية  قد جرمته بجريمة الانتماء إلى تنظيم القاعدة فحكمت عليه بالسجن سبع سنوات  قضت  محكمة حقوق الانسان الأوروبية في شهر كانون الثاني الماضي ببطلان حكم المحكمة الإسبانية وطالبتها بتعويض الزميل علوني معنويا وماديا عن الضرر الذي لحق به. وسارعت فور سماع الخبر إلى كتابة مقال( نشر في جريدة القدس المقدسية يوم الاثنين 21 /1/2012 طالبت فيه بتشكيل محكمة حقوق عربية علها إن شكلت ، يوما ما، تطالب لي بالتعويض عن سنوات السجن الثماني إلا شهراً لمجرد أنني أجبرت على العمل في صحيفة "النداء" التي كانت سلطات الاحتلال العراقي قد أنشأتها في الكويت غداة احتلالها في شهر آب من العام 1990 .
وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أنني كنت قد أشرت في عدة مقالات لي بعد عودتي من الكويت يوم الخامس من آذار من العام 1999 (يوم الجمعة) إلى إن معظم من سجن في الكويت بسبب تجريمه بتهمة التعاون مع السلطات العراقية في غزو الكويت بريء براءة الذئب من دم يوسف. ولو كان هناك من تعاون بالفعل مع النظام العراقي في غزو الكويت فلماذا لم تنزل به السلطات الكويتية الحكم الذي يستحقه الخائن والمتعاون والجاسوس ؟
ولأن إرادة الله فوق كل إرادة ، لم يشأ سبحانه في علاه أن ينفذ حكم الإعدام الذي كان قد أصدر ضد من أطلق عليهم جزافاً كلمة متعاونين. وهكذا كانت إرادة الله فنجا كل من صدر ضده حكم بالاعدام بعد تجريمه بتهمة " التعاون" مع سلطات الاحتلال العراقي. ولأنني لست متخصصاً في القانون أترك أمر البت في صلاحية الأحكام (وخاصة الإعدام) للجهات المختصة . وقد سارعت منظمات إنسانية وغيرها دولية وعربي على حد سواء، في حين صدور الأحكام، إلى رفضها وشجبها وإدانتها.
أما بالنسبة لرأيي الشخصي في حدة وشدة الأحكام التي صدرت فأقول  مرجحاً أنها أحكام صدرت لغاية تقليل التواجد الفلسطيني في الكويت وخاصة بعد انتشار أقاويل في الكويت في الثمانينيات من القرن الماضي تحدثت عن إن الفلسطينيين كانوا يعتزمون تكوين دويلة لهم في الكويت. واستغل مخططو السياسة إعلان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن دعمه للرئيس العراقي الراحل صدام حسين فحركوا الشارع الكويتي ضد الفلسطينيين في الكويت إلى أن صار عدد الفلسطينيين في تلك الدولة الخليجية عشر ما كان عليه قبل شهر آب من العام 1990.
أعود لسرد قصة السجن لسبب بسيط هو أن أحد زملائي في السجن الكويتي ويدعى محمد أمين حجاز"أبو عماد" وهو من بلدة كفر اللبد من قضاء طولكرم ، زارني يوم الجميس الماضي في مكان العمل في قسم الترجمة في صحيفة "الغد".
وكانت مناسبة لاستعادة ذكريات السجن "الصعبة التي لم تخل من جمالية" على حد وصفه. ولما كنت أتفق معه في هذا الرأي فلم أبادر إلى نقاشه ..... أسجن وجمالية؟ لكنني أتفق معه في الرأي لإيماني بأن الجمالية عشناها في السجن من حيث أننا ،في معظمنا، كنا موقنين براءتنا من التهم التي ألصقت بنا كبراءة الذئب من دم يوسف، وكنا إنطلاقاً من إيماننا بأن الظلم سيزول يوما ما وبأننا سنعود إلى الوطن يوماً ما نستحضر المقولة التي تقول بالعامية" هنيئاً للمظلوم عند ربه" فيسبغ الله علينا السكينة ونحن وراء القضبان ... والسكينة في رأيي هي قمة الجمالية.
أبو عماد هذا أدين من جانب السلطات الكويتية بالتعاون مع الجيش العراقي لأنه وجد نفسه مقتاداً للإنخراط في " الجيش الشعبي العراقي" الذي شكلته سلطات الاختلال العراقية أثناء تواجد الاحتلال العراقي للكويت. أما كيف انضم أبو عماد للجيش العراقي الشعبي فهي قصة جديرة بالسرد. إذ كان أبو عماد يقود سيارته على الطريق بين أم الهيمان ومدينة الكويت فتجاوز سيارة عسكرية عراقية فسارعت سيارته بقذيفة صاروخية أسفر انفجارها عن مقتل زوجته الأولى وأحد أبنائه ومن ثم إجباره على الانضمام للجيش الشعبي العراقي ليحكم عليه الكويتيون بالسجن عشر سنوات بعد تجريمه بتهمة "التعاون" مع السلطات العراقية أثناء احتلال الكويت. أعجبتني في أبو عماد واقعيته وإيمانه بالقضاء والقدر وبمقولة " لا مفر من القدر" أي السجن في حالتنا. واستذكرت معه أثناء زيارته لي كيف كان بارعاً في حل الكلمات المتقاطعة، صعبها وسهلها على حد سواء، وكيف كان يحير كافة السجناء بمهارته في " مكاسرة الأيدي" على الرغم أنه كان في العقد السادس من العمر أيامها. والطريف في الأمر ، أمر الزيارة، أن أبا عماد أبلغني بأنه ما يزال يحتفظ بكل نسخ مجلة العربي الكويتية الصادرة عن وزارة الإعلام الكويتية من أول عدد وحتى عدد شهر آدار (مارس) 2012. فعرفت سر ثقافته وجلده وواقعيته وإنسانيته : فبالإضافة إلى قرائته لجزئين من القرآن الكريم يومياً كان يطالع مجلة العربي " من ألفها إلى يائها" كما يقول. وأستذكر أنني سألته ذات مرة في السجن عن حل لغز كنت قد اطلعت عليه في مجلة العربي وأنا تلميذ في القدس في الستينيات من القرن الماضي. فأجابني بأن اللغز يعني كتاب "دعاء الكروان"!! وكان اللغز يقول " ما اسم الكتاب الذي أحرفه هي درع أكول إناء." أبو عماد تزوج بعد عودته إلى عمان ورزق بسارة وآية لتنضمان إلى الإخوة عماد وشداد وحجاز والآخرين الذين لا أعرف اسماءهم. تمنيت لأبي عماد دوام العافية والصحة فبادلني نفس الأمنيات وغادر بأمان الله وحفظه واعداً بزيارات ولقاءات أخرى.
وفي الشهر الماضي، انتقل إلى رحمة الله تعالى أحد الزملاء في وكالة الأنباء الكويتية "كونا" وفي السجن وهو الصحفي غازي علم الدين الذي كان قد عمل في الصحافة في القدس في صحف الدفاع والمنار والشعب قبل أن يسجن في إسرائيل ويبعد إلى لبنان حيث انضم إلى الصحيفة التي كانت تصدرها حركة فتح. وقرر الانتقال إلى الكويت في العام  1975حيث عمل في صحيفة الأنباء قبل مساهمته في تأسيس وكالة الأنباء الكويتية في العام 1978. ومن ثم إجباره على العمل في صحيفة "النداء" العراقية التي أنشأتها السلطات العراقية في الكويت أثناء فترة الغزو التي امتدت سبعة شهور. رحم الله أبا ناصر علم الدين وأسكنه فسيح جناته.
 نوعية السجناء "المتعاونين" ومستواهم الثقافي والاجتماعي
أستطيع الزعم بأن أياً من السجناء الذين أدانتهم المحاكم العرفية الكويتية أو تلك التابعة لأمن الدولة والتي سميت بالمحاكم الأمنية لم يكن ينطوي على أي أهمية تذكر لا من الناحية السياسية أو العسكرية أو الأيديولوجية أو الفكرية أو غيرها وإنما كانوا ، وأنا من بينهم بكل تأكيد، ضحية أزمة بين دولتين عربيتين فدفعوا ثمن قيام العراق بغزو الكويت في سابقة غير مشفوعة بذريعة من جامعة الدول العربية كما كان الحال الذي أعطى للقوات السورية ذريعة دخول لبنان والعبث فيه والاستفادة من خيراته لسنوات طويلة وقاسية كانت على اللبنانيين أقسى ما يكون. كما نال الفلسطينيين منها ومن جريرتها ما نالهم من مصائب صبت كلها في خدمة أهداف الذين خططوا لها في إطار لعبة الأمم.
فالسجناء "المتعاونون" الذين أدينوا بالمسئولية عن الغزو العراقي للكويت لم يكونوا يضمون بين ظهرانيهم أي مسئول سياسي أو عسكري أو جاسوس عمل لصالح العراق. "المتعاونون" كانوا في معظمهم من صغار الموظفين في الدولة الكويتية أعلاهم مرتبة كان نائب رئيس التحرير في وكالة الأنباء الكويتية وثلاثة من المحررين فيها ، أنا من بينهم، وأحد مدراء فرع لبنك كويتي. وللحقيقة أذكر هنا إن من بين السجناء "المتعاونين" كان نفر من جبهة التحرير العربية نسبت السلطات الكويتية لهم "التعاون" مع سلطات الاحتلال العراقية لكنها لم تثبت على أي منهم أي إدانة بقتل أو اغتصاب أو سرقة أو القيام بأي أعمال تجسسية لصالح العراق.
وللتاريخ أذكر هنا إن الساحة الكويتية كلها من منطقة العبدلي الشمالية على الحدود مع العراق وحتى الحدود السعودية جنوباً كانت وعن سابق رضاً كويتي رسمي تحت تصرف العراق وخاصة خلال سني الحرب العراقية الإيرانية من العام 1980 إلى العام 1988. ومما أتذكره هنا أنه قبل أسابيع من الغزو العراقي للكويت، استضافت الكويت وفوداً عراقية رسمية :مخابراتية وشرطية وإعلامية، وعسكرية وغيرها قامت ، كما تبين لاحقاً بإعداد خطة الغزو العراقي للكويت.
أعود للحديث عن السجناء " المتعاونين" الذين جرموا بتهمة التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي فصدرت ضدهم أحكام تراوحت بين الإعدام والسجن عشرات السنوات(لم يعدم أحد ولله الحمد) فأقول بأنهم اختيروا اختياراً لإلهاء الشعب الكويتي المسكين بأن المسئولين عن الغزو هؤلاء لا غيرهم.
وممن ضم السجناء " المتعاونين" كان السجين "غالب" الذي وجهت له تهمة العمل كعقيد في المخابرات العسكرية العراقية فحكم عليه بالإعدام وقضة ثلاث سنوات في السجن ليكتشف القضاء الكويتي بعد هذه السنوات الثلاث أن "غالب"
وهو عراقي تركماني بريء من كل التهم التي أدين فيها. وودعنا "غالب" وتمنينا له السلامة. والغريب المضحك المبكي أن "غالب" كان
 أمياً لا يعرف القراءة والكتابة وكان قبل الغزو يعمل "فراشا" أي "آذن" في وزارة التربية الكويتية.
يذكرني "غالب" بالأردني الفلسطيني "عماد" الذي أدين بتهمة "التعاون" مع سلطات الاحتلال العراقية فحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات.
"عماد" أول فلسطيني لا يعرف القراءة والكتابة صادفته في الكويت. وكان يعمل ميكانيكياً في شركة "مصطفى كرم" في المنطقة العاشرة من الكويت التي تضم الأحمدي والفحاحيل والفنطاس وأبو حليفة والمنقف وغيرها. وبينما كان يقود سيارته متوجهاً للكويت في أيام التحرير الأولى أوقفته دورية عسكرية سعودية وطلبت منه إبراز أوراقه الثبوتية ولما أبرزها، صدم عندما أنهال عليه الجندي السعودي بالضرب ثم حجزه وحوله إلى المخفر الذي تولى تحويله إلى النيابة العامة. أما السبب في ضربه وتحويله إلى النيابة العامة، حسب قوله، فهو إن اسم إحدى بناته الصغيرات  كان "نداء" وهو نفس أسم صحيفة "النداء" التي أنشأتها سلطات الاحتلال العراقية في الكويت.
"عماد" المسكين، الفلسطيني الأردني الذي لم يكن يعرف الكتابة والقراءة تعلمهما في السجن قبل أن تثبت براءته بعد خمس سنوات من سجنه ليذهب إلى معرة النعمان في شمالي سورية، كما فهمنا لاحقاً، ليجد أن زوجته تركته واقترنت بآخر.
"منخي" أو مستر مناخي كا كان يناديه مندوب الصليب الأحمر عند زيارته لنا في عنبر السجن، كان مسئولاً عن الرادار في إحدى القواعد الجوية الكويتية الجنوبية، فاعتقل بتهمة تسهيل القوات العراقية الغازية وحكم علية بالإعدام ليكون أول متعاون مدان من فئة البدون يحكم عليه بالإعدام ثم حكم على سالم أبو حاشوش بالإعدام لانخراطه في الجيش الشعبي العراقي. وعندما سمع معشر البدون في داخل الكويت بأحكام الإعدام ضد منخي جابر وابو حاشوش غادروا على نحو اختياري الكويت للنجاة بارواحهم فوجدوا المعابر الحدودية ترحب بهم مغادرين. وانطبق نفس الشيء على جزء من معشر الفلسطينيين عندما سمعوا بحكم الإعدام الذي صدر ضد عبد الرحمن الإمام الحسيني وضد فواز بسيسو، الفلسطينيي الأصل من القدس وغزة على التوالي.
"جاسم علوان—أبو أمير" عراقي من جنوب العراق. عندما سجن بتهمة الانتماء لنقابة الفنانين العراقيين التي كانت "تهوس" أي تشيد بصدام حسين كان في أواخر السبعينات. قضى ثمانية أعوام في السجن . ورأت السلطات الكويتية الإفراج عنه لكبر سنه في شهر شباط(فبراير) من العام 1999 لكنه توفي عشية الإفراج عنه. رحمه الله.
"مبيريتش" أو علي صالح عضو نقابة الفنانين العراقيين وهو من بلدة الشطرة العراقية. وقد كان ممثلاً مسرحياً مشهوراً في الكويت واشترك في التمثيل مع كبار الممثلين الكويتيين أمثال عبد الحسين عبد الرضا والنفيسي وغانم الصالح"فتى الجبل" وغيرهم. أدانته محكمة عرفية كويتية بالتعاون مع سلطات الاحتلال العراقي وحكمت علية بالسجن عشر سنوات قضى منها خمس وأفرج عنه بعفو أميري. كان "مبيريتش" يوزع الشاي على نزلاء العنبر بتكليف من إدارة السجن. وعندما كانت الإدارة تمنع عن العنبر الشاي في إجراء تأديبي، كنا ننتظر مبيريتش بفارغ الصبر، يوماً في إثر يوم، ليدخل العنبر وهو يحمل أبريقي الشاي، حصة العنبر، وينادي بأعلى صوته "تشاي تشاي يا شباب" فنظمت له كلمات تقول "الشاي الشاي يا ابو أسعد الشاي قبل ما احبك كنت الزاي.... " لم يبك "مبيريتش" بكاء مراً مثلما فعل عندما زار العنبر اللواء السابق في وزارة الداخلية الكويتية يوسف الخرافي وطلب رؤية "مبيريتش" أبو أسعد فعاجله اللواء السابق ب  "بصقة" على وجهه أمام الجميع لأنه "متعاون".

"حرس جمهوري سلام خذ"
أحد السجناء المتعاونين كان صاحب جسد رياضي يوحي بأنه عسكري متمرس وكان يواظب داخل العنبر على ممارسة الرياضة، فأطلقت عليه من باب الدعابة لقب "حرس جمهوري" فانتعش بهذا اللقب ولما كان الحال كذلك تدرجت في مزاحي معه وصرت أقول له "حرس جمهوري سلام خذ" فصار يضرب السلام محاكياً طريقة الحرس الجمهوري العراقي. وشاءت الصدف في أحد الأيام أن قال له أحد النزلاء "حرس جمهوري سلام خذ"  وكان في العنبر أحد الضباط الأمنيين الكويتيين فسأل من المقصود فأشاروا إلى الشخص المعني وأظن أن اسمه كان عبد القادر فناداه الضابط الكويتي وضربه ضربا مبرحاً على اعتبار أنه من الحرس الجمهوري العراقي وأنزل فيه كافة صنوف التعذيب. وقررت بعدها أن لا أعود لاستعمال هذه العبارة لا لشيء وإنما خوفاً من أن يتحول إلى حرس جمهوري حقيقي ضدي.
بالمناسبة، لم يكن عنبر "المتعاونين" يضم غير الذين كانوا من سكان الكويت وجرموا بتهمة "التعاون" مع سلطات الاحتلال العراقي.أي أنه لم يضم أي عسكري عراقي أو مسؤول استخبارات أو أي عراقي لم يكن يحوز على إقامةفي الكويت.
حادثة سقوط الطائرة المقلة لعرفات في الصحراء الليبية.
دخل علينا في أحد الأيام، ضابط النوبة الذي كان مشرفاً على عنبرنا ، عنبر الخونة كما كانوا يطلقون عليه، وأخذ يقهقه بأعلى صوته ويقول "هذه خطية الكويت" فلما استفسر أحد النزلاء منه عن المقصود من قهقهته أجاب قائلاً " لقد سقطت طائرة عرفات في الصحراء الليبية".
وفي اليوم التالي جاء نفس الضابط مقفهر الوجه معبساً وقال
"لقد حن الأميركيون على عرفات وبعثوا له بطائرة بواسطة مصر وأنقذته ونقلته إلى أحد المستشفيات."
وتجدر الإشارة إلى إن منظمة التحرير الفلسطينية كانت مدرجة على القائمة السوداء لدى الكويت لأن عرفات كان يؤيد صدام حسين ويعتبره فارس العرب. وباعتقادي إن موقف السيد المرحوم عرفات، سواء كان من اختياره أو أملي عليه من جانب السوبر مخرج للأزمة الخليجية الأولى بين العراق والكويت، أفضى إلى النتائج الوخيمة التي حلت بالفلسطينيين الذين كانوا يترزقون في الكويت وبعائلاتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة والتي كانت تعول على ما يحولون لها من مساعدات مادية كل شهر أو نحو ذلك. وأنا شخصياً أعتقد بأن غزو الكويت مهد لتوجيه ضربة مالية قوية للبنية الاقتصادية الفلسطينية عقب ما يقترب من العقد من توجيه ضربة عسكرية قوية للبنية العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية في إطار لعبة الأمم.
وكانت الكويت تستضيف على أراضيها نحو نصف مليون فلسطيني أعطاها وقوف منظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب الغزو العراقي للكويت مبرراً لكي تقول لكل هؤلاء الفلسطينيين" كش ملك" وتطردهم من الكويت ليدخلوا بعد ذلك في هجرة جديدة ذاقوا من جرائها ويلات تقلب الدهر عليهم بكل ما تعني الكلمة من معنى.
وعودة إلى عنبر "المتعاونين" في السجن المركزي الكويتي الذي قضيت فيه 2852 يوماً وليلة لأستحضر بعض الشخصيات في ذلك العنبر والتي كان لها الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في مرور سنوات السجن بسهولة ، والحديث نسبي.
وكما أسلفت في الفصول المبكرة من هذه المذكرات تظل في مخيلتي دائما صورة رواية "لورد أف ذا فلايز" حيث الأولاد الذين سقطت بهم الطائرة المقلة في جزيرة نائية وحيث فقدوا الاتصال مع العالم الخارجي فباتوا يتدبرون أمورهم بأنفسهم.
وكذلك ، كان حالنا في عنبر أمن الدولة في السجن الكويتي المركزي: سجناء مدانون بأحكام ثقيلة في إطار تهمة " التعاون" مع سلطات الاحتلال العراقي صورنا على غننا ، لا أحد سوانا ، مسئولين عن جريمة غزو الكويت.
كان من بيننا "الفهمان" و "القيادي" و"المفكر" و"الفيلسوف"
و "الشاعر" و" المغني" و " قاريء القرآن" و " النبي" و " المسكين" و "الطيب" و " الفقير" و"السياسي" و "العسكري النزعة" وتقريباً ممثلي كل شرائح المجتمع.
أما "الفهمان" فكان يظهر وأنه له من كل علم نصيب: في اللغات الأجنبية وفي علوم الطب والهندسة والتجارة والتسويق والفلك والخط والرسم بأنواعه وما إلى ذلك. وكان هذا "الفهمان" موضع ثقة من ينتمون إلى شريحة "المسكين والفقير" ويعتمد عليهم في تأمين ما يحتاجه من سجائر وحليب وفواكه وإذا احتاج أن طلب أهله منه فلوس أثناء الزيارة الأسبوعية( حيث كانوا يقيمون في الكويت) ولم يطردوا كباقي الفلسطينيين فكان بإمكانه التعويل على هذه الشريحة من المساكين والفقراء الذين كانوا يهبون لتمويله بما يحتاج له من فلوس في مقابل ما يوصف بخدمة شفوية يقدمها لهم تتضمن إسداء النصح فيما يتعلق باستغلال الطعام الذي تقدمه لنا إدارة السجن أطيب وأجدى استغلال وفي مقابل إطلاعهم على ما استفاد منه من قراءة الكتب والمجلدات التي تبحث في شتى العلوم والأفكار. المهم في الأمر أنه كان يتذاكى لتحصيل قوته اليومي من السجائر والحليب والمصاريف الأخرى من أشخاص  وقعوا في مصيدة" التعاون".وبعد ممارسته ما يعرف بغسل الدماغ صاروا يتقمصونه في تصرفاته وطريقة تفكيره الأفلاطونية.
تعلمت من هذا الشخص مجدداً إن حلو الكلام ومعسوله يجلب
"غنائم" تافهة تذهب عند الخروج إلى بيت الخلاء ويبقى صاحبها مقراً في سره بأنه كذاب نصاب ولص ومخادع.
أما صاحبنا "القيادي" فقد كان عضواً في إحدى الجبهات التابعة للعراق. وكان معه زمرة من "الرفاق" في نفس العنبر
وكان يمارس " القيادة " عليهم على نجو ديمقراطي وإن كان يجنح أحياناً إلى الاستفادة من مواهبه القيادية على صعيد جني مكاسب تؤول إلى ما آلت إليه المكاسب التي جناها صاحبنا "الفهمان".
"السياسي" شخصية أسندت لكل نزلاء العنبر من جانب إدارة السجن التي أطلقت علينا مع الأيام لقب "سجناء سياسيون" وكان منا من صدق وتعايش مع هذا اللقب وكثيرون الذين فضلوا التعايش مع الأمر الواقع ومؤداه  أننا لم نكن سجناء سياسيين وإنما ضحايا لسياسيين.
وتمثلت الشخصية العسكرية في الشخص الذي سبق وذكرت أنني كنت أمزح معه بالقول "حرس جمهوري سلام خذ" حتى ذاق الأمرين من ضابط السجن الذي ضربه بشكل مبرح لأنه "حرس جمهوري" فقرر الاستقالة من الخدمة العسكرية في نهاية المطاف.
"الفيلسوف" كان مفقوداً بيننا لأنه لو كان لدينا فيلسوفاً لما استحق لقب فيلسوف. ولا يمنع والحالة هذه أن يعهد بلقب الفيلسوف للشخص "الفهمان" آنف الذكر.
" الشاعر" معظمنا أصبح شاعراً مع مرور الأيام والسنوات
لكن الشاعر الفعلي الوحيد كان ناجي عبد الله الجبوري الذي قضى عشرة أعوام في السجن ثم عاد إلى العراق ليقضي بسبب مرضه بالسكري وغيره. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه.
"قاريء القرآن": في الملمات ، يلجأ المسلم إلى القرآن الكريم ليدخل السكينة على قلبه . وكان كل نزلاء عنبر أمن الدولة في السجن المركزي الكويتي يلوذون إلى القرآن وتلاوته ليدخلوا إلى قلوبهم الراحة والطمأنينة والسكينة ، وخاصة عندما تشتد الظروف الأمنية داخل العنبر( ونادراً ما كانت تشتد باستثناء حالات الغارات الأميركية على العراق في أواخر التسعينيات عندما كانت إدارة السجن تعلن حالة الطواريء داخل السجن خشية من أمر ما كانت تتحسب له. وعندما أقول إن كل النزلاء كانوا يلوذون إلى القرآن وتلاوته
وتدبر معانيه أعني كل النزلاء الذين كانوا من المسلمين، السنة والشيعة، على حد سواء ولم يكن بيننا أي سجين محكوم مسيحي فقد عملت جهات عديدة على إخراج من أوقف من المسيحيين بتهمة "التعاون" قبل أن يصار إلى محاكمته. ويبدو إن الحكومة الكويتية استجابت لمطالب العفو عن المسيحيين إكراماً للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ولأبيه من قبله جورج دبليو اتش بوش.
وكان لي، بتيسير من الله سبحانه وتعالى أن حصلت ، بواسطة  شرطي من شرطة السجن، على نسخة من تفسير معاني القرآن الكريم باللغة الإنكليزية للعلامة الهندي ،علي عبد الله يوسف، فانكببت على قراءتها ما أثرى معرفتي اللغوية والثقافية وطبعاً الدينية.
وللحقيقة أقول إن إدارة السجن المركزي الكويتي لم تضن على نزلاء عنبر أمن الدولة المحكومين بعد تجريمهم بتهمة "التعاون" بأي من الكتب الدينية الإسلامية وخاصة كتب السيرة النبوية الشريفة وغيرها من كتب ومواد تبحث في الشريعة والفقه الإسلامي. ورب سائل يسأل كيف كان الأميون من بين النزلاء يتلون القرآن الكريم فأقول إن حاجتهم لا بل رغبتهم في تلاوة القرآن كانت المحفز الرئيسي
الذي دفعهم إلى محو أميتهم والتعلم والمباشرة في القراءة والكتابة وربما تأليف أشعار نبطية. وأذكر من بين هؤلاء واحداً ساقته الظروف للانخراط في الجيش الشعبي العراقي الذي شكلته سلطات الاحتلال العراقي في الكويت بعد احتلالها فأجبرته على الانضمام لهذا الجيش رغم إنه كان لا يعرف القراءة ولا الكتابة. وتلقى المسكين حكماً بالسجن 33 عاماً لأنه انخرط في الجيش الشعبي العراقي. وأغلب الظن إن الحكم كان قاسياً لأنه كان قبل الاحتلال العراقي للكويت يعمل سائق دراجة من الدراجات التي تحيط بموكب أمير الكويت السابق الشيخ جابر الأحمد الصباح رحمة الله عليه .
ومثل هذا النزيل كان نزلاء آخرون ممن حكم عليهم بالسجن سنوات طويلة قضوا منها نحو عشرين عاماً قبل أن يفرج عنهم في إطار إقفال ملف " التعاون" في السجن المركزي الكويتي.
ومن بين ضحايا الجيش الشعبي العراقي كان الأردني الفلسطيني أمين محمد حجاز" أبو عماد" الذي كنت قد أشرت إليه في موضع سابق  والذي أستطيع القول بأنه إنسان يؤمن بالقضاء والقدر ويتمتع ، ولا يزال بسعة إطلاع وثقافة، بفضل دوامه على قراءة القرآن الكريم وتفسيره ومن ثم متابعة مجلة العربي التي يحتفظ  بأعدادها منذ أول عدد صدر لها في بداية الستينيات من القرن الماضي وحتى أحدث عدد لها. ومن الذي أذكره عن أبي عماد أنه كان يتمتع بقوة يدوية مكنته أيام السجن من " مكاسرة" أيدي جميع الشباب. لكنني لم أتجرأ حتى على طلب منازلته في " المكاسرة" لأنني كنت أعلم النتيجة مسبقاً.
" أبو البلابل" أو "أبو الفلافل"
كان شخصية مميزة داخل العنبر وكان موهوباً بصوت جميل فتولى المناداة إلى الصلاة طيلة سنوات السجن ومن هنا تم تلقيبه بأبي بلال. وحين كنا نريد المزاح معه كنا ننادي عليه بأبي البلابل وأحيانا بأبي الفلافل لننا حرمنا في تلك السنوات من الفلافل.
كان أبو بلال يلعب الملاكمة قبل دخوله إلى السجن وهي رياضة نفعته في الدفاع عن نفسه داخل العنبر حين " تآمر "
عليه "الفهمان" فأوعز إلى أحد "أتباعه" باستلامه فما كان من الأخير إلا أن غافل أبي بلال وضربه على رأسه من الخلف فأفقده توازنه. وبدأت من يومها معارك "داحس والغبراء" بين أبي بلال والشخص المذكور واللذين كانا يخوضان " معارك تحرير الأمة العربي من المحيط إلى الخليج" باللكمات وقبضات الأيدي حتى تتدخل الشرطة داخل السجن وتقوم بحبس النزيلين في حبس انقرادي اسبوعاً لكل منهما.
ولم تنته المعارك بين النزيلين إلا بعد أن تدخلت الأقدار وتم الإفراج عن دفعة من المتعاونين كان من بينهم "التابع" المذكور الذي بكى بكاء مريراً حين توديعه " معلمه" ال"فهمان." أما أبو بلال فقد مكث في السجن حتى العام 2003 ولم يشأ الله له الخروج منه لأنه كان لا يحمل أي جنسية غير الفلسطينية وبالتالي لم تقبل أي دولة عربية استقباله وهي حجة تذرعت بها السلطات الكويتية لتأخير الإفراج عن الفلسطينيين. ولقد سعيت لدى العديد من المسئولين الفلسطينيين في عمان والقدس من أجل العمل على الإفراج عن السجناء الفلسطينيين في السجن المركزي الكويتي وزرت السفارة الفلسطينية في عمان وقابلت أحد المسئولين فيها وعرضت عليه مأزق الفلسطينيين الأربعة في السجن الكويتي. فكان جوابه مقتضباً " من قال لكم أعملوا مع صدام" . لكن عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية  السيدة حنان عشراوي وعدتني ، عندما صادفتها في ساحة الحرم القدسي الشريف أثناء جنازة الشهيد فيصل عبد القادر الحسيني، وبحضور مراسلة شبكة الجزيرة التلفازية شيرين أبو عاقلة،  بالعمل على الإفراج عن الفلسطينيين الأربعة.

وقيض الله الإفراج للسجناء الفلسطينيين الأربعة وهم فواز بسيسو وحسني صيام ونائل البورنو وسامر سمارة بعد ثلاثة أعوام من الإفراج عن النزلاء الأردنيين (وأنا واحد منهم) في شهر آذار (مارس) من العام 1999. وقد تشتت هؤلاء الأربعة في عدد من البلدان : فبسيسو توجه إلى فنزويللا التي قبلت به ، حسبما سمعت، وصيام ذهب إلى موريتانيا والبورنو وسمارة إلى اليمن. وللحقيقة أقول إن هؤلاء الأربعة كانوا أكثر من عانى من النزلاء "المتعاونين" من الناحية النفسية:  ويكفي أو أورد هنا أن أحدهم فقد والده وأخاه وهو في السجن وحصلت زوجته على الطلاق منه لتتزوج بآخر وهو في السجن.
وكنت قد كتبت عدة مقالات عن وضع الفلسطينيين الأربعة هؤلاء وتقدمت بمناشدات لعدة جهات سعياً للإفراج عنهم أسوة بغيرهم من "المتعاونين". وهذا الجهد اعتبرته واجباً علي القيام به لأننا تشاطرنا لقمة العيش على مدار سنوات السجن.
كيف كانت الحياة داخل السجن ؟
 تماماً كما هي في أي مجتمع إنساني لكن الفرق بالنسبة لحالة السجن أننا كنا مسلوبي الحرية نفتقد للتواصل مع الأهل والأحبة ونخضع لأوامر ونواهي سجانينا الذين لم يكونوا ،لحسن حظنا، يعاملوننا كما يعامل السجناء في كل أنحاء العالم ما قادنا إلى الاعتقاد بأن المسئولين الكويتيين ، وعلى أعلى المستويات، لم يكونوا مقتنعين تماماً بأننا ارتكبنا فعلاً "الخيانة العظمى" بحق الكويت كما ورد في لائحة الاتهام ومن بعدها في الأحكام التي صدرت سواء عن المحاكم العرفية أو تلك التابعة لأمن الدولة الكويتي.
كانت سلطات السجن الكويتي المركزي تحظر علينا قراءة الصحف وشرب القهوة والحصول على أجهزة راديو، لكنها سمحت في السنة الخامسة من السجن لنا بشراء أجهزة راديو والاستماع إلى كافة إذاعات العالم والتمتع بالاستماع إلى الموسيقى التي تبثها محطات الأف إم.
وكان السماح باقتناء أجهزة الراديو فرصة ثمينة قيضها الله
فأحسنت استغلالها بما عاد بأطيب النتائج التي أفضت بأمر الله إلى الإفراج عني وعن كل " المتعاونين " الأردنيين بفضل وساطة قام بها العاهل الأردني الملك حسين (رحمه الله) حين طلب من وزير الخارجية الكويتي أنذاك ، والأمير الحالي، الشيخ صباح الأحمد الصباح الذي زاره أثناء راحة له في السفارة الأردنية في واشنطن برفقة ولي العهد السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز(رحمه الله) الإفراج عن السجناء الأردنيين "السياسيين" في السجن المركزي الكويتي فوعده الشيخ صباح بأن الإفراج سيتم في أول ذكرى قادمة للعيد الوطني الكويتي وهو ما تم بالفعل في 25/2/1999 والحمد لله.
أما دور جهاز الراديو في خدمتنا فقد تمثل في حقيقة أنني  ونظراً لخلفيتي الصحفية (محرر أول في وكالة الأنباء الكويتية ، كونا،) درجت على متابعة الأخبار والتعليقات السياسية وغيرها فكان أن أذاعت محطة صوت أميركا (سوى الآن) تعليقاً أعطت في ختامه رقم الهاتف0012025161945 للاتصال بالإذاعة للتعقيب على التعليق، فما كان مني (وقد توفر لي جهاز هاتف خلوي داخل الزنزانة) إلا وأن اتصلت بالرقم وتحدثت مع المذيعة التي تعاطفت معي وطلبت منها تزويدي برقم هاتف مستشفى مايو كلينك حيث كان الملك حسين يرقد . وبالفعل زودتني المذيعة برقم الهاتف وأثنت على فكرتي وشجعتني بأن زودتني برقم هاتف السفارة الأردنية في واشنطن حيث تحدثت مع سكرتيرة السفير أنذاك مروان المعشر": آرليت". وانتهزت فرصة نوم زملائي في الزنزانة في إحدى الليالي فاتصلت بمستشفى مايو كلينيك على الرقم 001571284511 فردت مأمورة البدالة وطلبت منها ربطي مع أي من أعضاء الوفد المرافق لجلالة الملك حسين وهو ما تم بالفعل.  وتحدثت مع أحد أعضاء الوفد وطلبت منه إطلاع جلالة الملك على وضع النزلاء الأردنيين في السجن الكويتي وهو ما تم بالفعل.
وكنت قد علمت من نبأ أذاعته الإذاعة الأردنية بأن وفداً نقابياً أردنياً كان سيتوجه إلى واشنطن برئاسة نقيب الصحفيين الأردنيين الأستاذ سيف الدين الشريف فاتصلت بنجله الأستاذ محمود في عمان وأخذت منه  عنوان والده ورقم هاتفة في فندق "والدورف استوريا" في واشنطن ونقلت له نفس الطلب الذي تولى رفعه لجلالة الحسين.
وعدت برفقة ستة من النزلاء السابقين ونزيلة واحدة بعد أن أفرجت عنا السلطات الكويتية  ليتم تبييض السجون الكويتية من "المتعاونين" الأردنيين.
كان طعم الحرية عندما وطئنا أرض مطار عمان الدولي جميلاً بعد سنوات السجن الطويلة. واستقبلنا الأهل والأحبة وسط فرحة كان ينغصها غياب الرجل الذي وهب لنا ، بعد الله سبحانه وتعالى، الحياة مجدداً.
ولا بد لي في هذا المقام من أن أشير إلى إن أول مكالمة هاتفية تلقيتها من الخارج بعيد وصولي إلى عمان كانت من نيويورك من السيد جو كمبانيا المسئول "سابقاً" في لجنة حماية الصحافيين الدولية والذي بارك لي بالعودة سالماً إلى أرض الوطن. وتجدر الإشارة إلى أن السيد كمبانيا كان ممن درجت على الاتصال معهم وأنا في السجن ضمن مساعي للتخلص من السجن.
وكانت لجنة حماية الصحافيين الدولية من الجهات الدولية العديدة التي استنكرت الأحكام الكويتية الثقيلة التي صدرت في الكويت إبان الأحكام العرفية التي فرضت بعد انتهاء الغزو العراقي للكويت. ومن بين المنظمات الدولية الأخرى التي استنكرت الأحكام الكويتية كانت منظمة امنستي انترناشنال وهيومان رايتس ووتش واللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها . كما إن عدة صحف عربية وأجنبية على حد سواء، انتقدت بشدة الأحكام الكويتية الثقيلة.
وإني إذ أحمد الله على العودة سالماً إلى أرض الوطن، أجد وأنا أدون هذه المذكرات أن أكبر تعويض حصلت عليه تمثل في عودتي إلى الله سبحانه وتعالى الذي حفظ علي صحتي وعقلي ومكنني من استحضار ذكريات يجب أن تدون للتاريخ والعبرة.
ويطيب لي في هذا المقام أن أشدد على القول بأنني لم أخرج من السجن حاقداً على الكويتيين لأنهم سجنوني ولا أماليهم أو أتملق إليهم لحاجة في نفس "يعقوب"، فقد تعرضوا إلى عاصفة الغزو الهوجاء وقد كانت هوجاء قولاً وفعلاً. ولكنني أسمح لنفسي بقول كلمة عتاب للمسئولين الكويتيين" سامحكم الله لأنكم ساهمتم في تدمير أسر وفي ممارسة سادية ليست من شمائلكم ، وليغفر الله لكم."
أقول هذا لأنني ، وكما كنت قد أبلغت المحكمة العرفية في الكويت ،  لست ممن يشرب من البئر ويرميه بحجر لكن الأوضاع التي كانت سائدة في الكويت هي التي حملتني على الموافقة على الانضمام لجريدة النداء العراقية حفاظاً على حياتي وحياة زوجتي وابنتي الصغيرتين. وأسأل هنا لماذا سمح المسئولون الكويتيون للكويتيين بالعمل مع سلطات الاحتلال العراقي ، إذا أجبرتهم على ذلك ، واستثنوا غير الكويتيين... ألم يكن هذا اجتهاداً خاطئا؟!
وكنت بعيد عودتي من الكويت قد دعوت في مقال نشرته لي صحيفة العرب اليوم الأردنية ونقلته عنها إذاعة مونت كارلو إلى عودة العلاقات الكويتية الفلسطينية التي عادت إلى سابق عهدها في السنوات الأخيرة ولو بوتيرة بطيئة ومتأنية. فالكويتيون وقفوا إلى جانب الفلسطينيين وما يزالون وعلى الفلسطينيين أن لا يتنكروا للمعروف الكويتي كما إن الواجب الأخلاقي والديني يفرض على الكويتيين عدم المبالغة في الانتقام والإسراف فيه.
شخصياً، لا أتطلع إلى الحصول على أي شيء من الكويت أو الكويتيين،  فقد نعمت بخير الكويت كما نعم آلاف الفلسطينيين. وعلينا أن نعطي كل ذي حق حقه.
وبالعودة إلى الحياة داخل السجن، أقتبس هنا ما كان يردده كبار السجانين داخل السجن الكويتي المركزي ومؤداه " إنكم تعيشون في فندق ثلاث نجوم". وقد كان ذلك صحيح نسبيا. فقد كنا نتناول ثلاث وجبات: فطور وغداء وعشاء بعد صدور الأحكام واستقرارنا في السجن المركزي الكويتي . لكن الفترة العصيبة التي سبقت صدور الأحكام حيث كنا موقوفين في مخفر النقرة وسجن الدوحة الذي كان اصطبلاً لخيول الجيش البريطاني في أيام الانتداب البريطاني على الكويت: فقد كانت أياما عصيبة علينا وعلى أهلنا خاصة مع اشتداد الحرارة وارتفاع منسوب الرطوبة حيث لا تبريد ولا حتى مراوح تخفف من حرارة الجو التي كانت تصل في بعض الأحيان إلى ستين درجة مئوية. وكان نصيبنا أخف وطأة من نصيب اولئك الذين اوقفوا لدى أمن الدولة في منطقة الدائري السادس وغيرها حيث ذاقوا وفق أقوالهم " الويل" والضرب والجوع ومختلف صنوف التعذيب الذي أفضى في بعض الحالات إلى الوفاة كما حدث مع طبيب من عائلة خورشيد ومع مهندس يدعى يوسف اسماعيل لفظ  أنفاسه بعد نقله من سجن الدوحة إلى المستشفى إثر تدهور حالته الصحية. وكان المهندس المذكور في سجن تابع لأمن الدولة قبل نقله إلى سجن الدوحة .ومن صنوف التعذيب التي تعرض لها ،كما قال لنا في الزنزانة في سجن الدوحة، أنه في إحدى المرات أدخل سجانوه عليه كلبا بوليسياً ضخماً بقصد إخافته وترهيبه ليحملوه على الاعتراف بما نسب إليه من تعاون مع سلطات الاحتلال العراقي حيث كان يعمل في قطاع البتروكيماويات في منطقة الأحمدي. ووفق ما لمسته فقد كان الرجل مرعوباً جداً لدرجة لم أفاجأ بنبأ وفاته عندما أبلغنا بذلك.
وطالما نفت السلطات الكويتية وجود سجناء كويتيين متعاونين مع السلطات العراقية . لكنني أؤكد إن هذا النفي غير صحيح.... فقد كان بين " المتعاونين" كويتيون وكويتية واحدة. ولا داعي لذكر الأسماء :فأنا لا أريد التشهير أبداً.
وكانت معاملة السلطات الكويتية لنا في السجن المركزي الكويتي جيدة لا وبل جيدة جداً مفارقة مع المعاملة التي يلقاها السجناء عموماً في الدول الأخرى ولا استثني من ذلك الدول التي تنتمي للعالم الحر أي الدول المتقدمة. ويخضرني ما كان السجين البريطاني "مايك" قد قاله لي عندما التقيت به في مستشفى السجن المركزي الكويتي إن المعاملة في السجن الكويتي "ممتازة" قياساً مع السجون في بريطانيا على سبيل المثال. وكان "مايك" يقضي حكماً بالسجن لخمس سنوات في قضية "شيكات" كان قد حررها فيما تبين لاحقاً أنها عملية احتيال مالي أدين فيها.
والشيء بالشيء يذكر، وطالما أنني أتحدث عن السجن المركزي الكويتي وأسرد ذكريات عايشتها فيه على مدار ثمانية أعوام فلا يغيب عن بالي ذكر نفر من الشرطة الذين كانوا يتناوبون على حراسة عنبرنا – وكانوا في معظمهم طيبي التعامل ويحترموننا لأننا ظلمنا بالأحكام التي صدرت ضدنا وفق شهادتهم—ففوجئنا في إحدى مراجعاتنا للمستشفى الملحق بالسجن وجود بعض هؤلاء الأفراد وقد ألبسوا زي المساجين بعد تجريمهم بإدخال مواد مخدرة وممنوعات إلى السجن وحكم عليهم بالسجن عقاباً لهم . وبالمناسبة كان يذكر أمامنا إن الكثيرين من أفراد الشرطة الكويتية يطلبون نقلهم للسجن المركزي  حيث يمكن العمل في السوق السوداء داخل السجن حيث تروج تجارة الراديوات والشفرات والمشروبات الكحولية وأحياناً " الحشيش". والله على ما أقول شهيد.
وعلى سيرة الحشيش والمخدرات، وضعت إدارة السجن المركزي الكويتي في أحد الأيام في حالة استنفار قصوى لما أعلن أنه اكتشاف حالة هروب تبين إن أبطالها خمسة سجناء كانت قد صدرت ضدهم أحكام تفاوتت بين الإعدام والسجن المؤبد وسنوات سجن.
وملخص حكاية الهروب المذكورة هي إن فتحة في الشبك الذي يحيط بملعب كرة القدم التابع للسجن فتحت ونفذ منها السجناء المحكومون إلى خارج السجن، وفقاً لما ذكر في نفس يوم الهروب، لكن تبين لاحقاً أن السجناء خرجوا من السجن، على عهدة الرواة، معززين مكرمين حيث كانت في انتظارهم سيارات فارهة أوصلتهم إلى أحد القوارب الذي تولى نقلهم إلى أحد الموانيء الإيرانية. وذكر أيضاً إن احدهم أتصل بمسئول كويتي رفيع من إيران . وكان أن تغيرت إدارة السجن بعد تحقيقات أجريت في عملية الهروب وعين مدير عام جديد للسجن المركزي الكويتي. كما نقل عدد من الضباط من السجن إلى مراكز أخرى.
وقبل أن يتم تغيير إدارة السجن راجت في الكويت شائعات مفادها أن السجن المركزي الكويتي يعتبر بؤرة لنشر المخدرات في البلد ما دفع كبار المسئولين إلى الأمر بقيام حملة تفتيش كبيرة لا بل شرسة ، إذا جاز التعبير، لتنظيف السجن المركزي الكويتي من هذه الآفة . وبالفعل بدأت إدارة السجن بالتنسيق مع القوات الخاصة الكويتية بشن هذه الحملة في لسالي رمضان من العام 1997 الذي تصادف أن حل في الشتاء. وكنا نسمع ونحن في عنبرنا "عنبر أمن الدولة رقم 4" أصوات الغارات التي كانت تشنها الوحدات الخاصة الكويتية على العنابر الأخرى ونسمع معها أصوات السجناء وهم يتلقون الضرب الذي وصف بأنه كان مبرحاً. لكن عنبر أمن الدولة لم يناله أي شيء من " زيارات" القوات الخاصة الكويتية إلى أن داهمته تلك القوات ، على حين غفلة، ليلية 20 على 12 من شهر كانون الثاني " يناير" من العام 1997
وبدأت في الضرب والتكسير  والإهانات بصنوفها من الساعة العاشرة مساء وحتى الساعة الثانية إلا عشرة دقائق من فجر اليوم التالي بتوقيت الكويت. ولما كان يتوفر في العنبر جهاز هاتف خلوي ما كان مني إلا أن اتصلت بزوجتي في عمان ونقلت لها الصورة كاملة مع شيء من المبالغة "حتى تكبر المسألة في رأسها ورأس من يستمع لها"
وطلبت منها الاتصال بالاستاذ سيف الشريف لإبلاغه بالأمر . وبالفعل اتصلت  بالاستاذ سيف الذي تعاطف معنا وكامل صحفيي جريدة الدستور الغراء وخرخت الصحيفة في الصباح التالي تستنكر الهجوم على السجناء الأردنيين في السجن الكويتي. وما كان من جلالة المغفور له الملك حسين إلا وأن استدعى سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وقطر وسلطنة عمان وطلب منهم قيام نظرائهم في الكويت بزيارة السجناء الأردنيين في عنبر أمن الدولة والاطمئنان على أحوالهم. وفوجئنا في اليوم التالي بزيارة قام بها لعنبرنا سفيرا قطر وسلطنة عمان واجتمعا معنا بحضور مسئول كبير من وزارة الداخلية الكويتية حيث استمعوا لشكاوينا وبشرونا بأنهم تلقوا تأكيدات من كبار المسئولين الكويتيين بأنه سيتم في العيد الوطني المقبل الذي يحل في 25/2 الإفراج عن دفعة من السجناء الأردنيين. وتم بالفعل في الوقت المشار إليه الإفراج عن دفعة أولى من " المتعاونين" الأردنيين الذين كانت أحكامهم عشر سنوات فأقل.وطاول الإفراج ثلاثة من زملائي السابقين في وكالة الأنياء الكويتية لكنه لم يشملني على الرغم من إن السيد برجس البرجس كان قد قال لي على هامش الا جتماع مع السفيرين القطري والعماني أنني سأكون من بين المفرج عنهم. ويبدو إن مفاجأة عدم الإفراج عني صدمتني فأصبت بجلطة قلبية تبعتها بعد أسابيع جلطة دماغية خفيفة والحمد لله ( (transient clotما أفضى إلى إصابتي بضعف وشبه شلل في الناحية اليسرى من الجسم. وصادف أنني كنت قد تلقيت ضربة مؤلمة على المخيخ أثناء مداهمة القوات الخاصة الكويتية لعنبرنا وما تلاه من ضرب وتعذيب فظننت إن ما لحق بي كان بسبب الضربة. لكن المنطق والعقلانية يفرضان علي القول بمنتهى الموضوعية أنني لو لم أكن معرضاً لإصابتي بجلطة لما كنت قد أصبت فيها، لكن ما شاء الله فعل والحمد لله على جميع الأحوال.
ومن المصادفات التي حدثت معي وأنا في السجن أن جريدة "الأنباء" الكويتية الغراء نشرت مقالاً لأحد الزملاء السابقين في وكالة الأنباء الكويتية " كونا" ذكر فيه أنه يعرف " أن عبد الرحمن الإمام الحسيني" هو الذي أوصل خبر مداهمة القوات الكويتية الخاصة لعنبر السجناء الأردنيين في السجن المركزي الكويتي. فانتظرت بعد أن طالعت المقال في الصحيفة المذكورة، وكان قد سمح لنا بقراءة الصحف الكويتية بدءاً من العام 1996، استدعائي من جانب إدارة السجن والتحقيق معي في الأمر ، لكن الله ستر.
ولا بد من الإشارة هنا إلى ن الإدارة الجديدة للسجن المركزي الكويتي  انتهجت أسلوباً أرقى في التعامل مع السجناء" المتعاونين" وخاصة الأردنيين في أعقاب الزيارة التي قام بها السفيران العماني والقطري للسجناء الأردنيين استجابة لطلب من العاهل الأردني المغفور له الملك الحسين بن طلال. وتجدر الإشارة إلى إن السفيرين البريطاني والأميركي لم ينضما إلى نظيريهما القطري والعماني في الزيارة وذكر في حينه أنهما سيطلعان على تقرير مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
 هوية "المتعاونين وجنسياتهم"
ذكر إن عدد الذين أوقفتهم السلطات الكويتية في الشهور الأولى من التحرير كان يزيد على الألفين ، جلهم من الفلسطينيين من حملة الجنسية الأردنية. وصادف أنني لم أكن قد اعتقلت حتى الشهر الرابع من التحرير فاطلعت في مرات عديدة على حالات اعتقال للفلسطينيين والأردنيين. وكنت حين مراجعتي أحد المراكز الأمنية لاستلام رخصة السيارة التي كنت أقودها وهي تعود لعمتي وليست لي ولذلك احتجزت، قد سنحت لي فرصة مشاهدة معتقلين من مختلف الجنسيات العربية وهم يساقون، وبعضهم تسيل منه الدماء، إلى المركز الأمني الذي كنت أراجعه يوميا على مدار شهر لاسترجاع الرخصة وأوراق سيارة عمتي.
سمعت عن ضرب وقتل وتعذيب في الأيام الأولى من تحرير الكويت لكنني شخصيا لم أشاهدها مع ترجيحي حدوثها نظراً لاختلاط الحابل بالنابل قبل أن تلجم السلطات الكويتية التصرفات والممارسات العشوائية.ولقد اطلعت على كتب ألفت عن عمليات تعذيب وحشية ضد معتقلين عرب بعيد تحرير الكويت لكنني أرى بأنها تضمنت مبالغات وإن كانت لا تخلو من إيراد حقائق حدثت مثل التعذيب والضرب والإهانة في الأيام الأولى من تحرير دولة الكويت. وأقول بصراحة إن الكويتيين حقدوا على الفلسطينيين وعلى كل ما هو فلسطيني بسبب وقوف المرحوم ياسر عرفات إلى جانب صدام حسين واعتباره له "فارس العرب" في اجتهاد منه قد يكون أملي عليه من جهات لها مصلحة في الإساءة للعلاقات الفلسطينية الكويتية. وكان نتيجة وقوف عرفات إلى جانب صدام حسين أن قررت الكويت طرد الغالبية العظمى من الفلسطينيين وساءت علاقاتها مع منظمة التحرير الفلسطينية ونسبة كبيرة من الفلسطينيين لسنوات تالية. واعتبرت الكويت
منظمة التحرير من الدول التي أطلقت عليها "دول الضد". لكن الكويت لم تتوان عن مساعدة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي مخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان وسورية كلما تعرضوا لعدوان إسرائيلي أو غير ذلك من الملمات. وأذكر في هذا الصدد المساعدات الكويتية التي تولت جمعية الهلال الأحمر الكويتي تقديمها للفلسطينيين في قطاع غزة بعد الحرب الإسرائيلية على القطاع في العام 2007/8.
أنا فلسطيني أردني واعتز بهويتي وجنسيتي، لكن اعتزازي
يملي علي أن أذكر الحقائق حسبما رأيتها دون ممالئة لأحد على الإطلاق ودون المبالغة في إيرادها: فالمعاناة التي عانيتها وما أزال لم يشاركني فيها أحد سوى زوجتي وبنتاي ومن هم من أقارب الدرجة الأولى ولا يحق لكائن من كان أن يفرض علي كتابة ما يدغدغ مشاعره ، فأنا أكتب الحقيقة وما رأيته ومن لا يعجبه كلامي......فله الخيرة من أمره.
أعود للتحدث عن هوية "المتعاونين" الذين رسى بهم المطاف في عنبر السجن المركزي الكويتي: أي الذين صدرت بحقهم أحكام ثقيلة: فأشير إلى أنهم كانوا في معظمهم من الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الأردنية ومن الكويتيين ، وهم قلة على الرغم من نفي السلطات الكويتية وجود أي متعاون ممن أدين بالتعاون مع سلطات الاحتلال العراقية، ولا أحبذ ذكر أسماء، ومن فئة من يطلق عليهم "البدون" وهم فئة تقول السلطات الكويتية بأنهم عراقيو الأصل وأن آباءهم قدموا إلى الكويت قبل عشرات السنوات وأتلفوا الجنسية العراقية التي لديهم وادعوا بأنهم كويتيون. وترفض الحكومات الكويتية المتعاقبة منحهم الجنسية الكويتية. عموماً
كان في عنبر" المتعاونين" عدد من " البدون" الذين أدينوا بتهمة التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي عبر انضمامهم إلى الجيش الشعبي العراقي وصدرت بحقهم أحكام سجن ثقيلة لأنهم كانوا في السابق يخدمون في القوات المسلحة الكويتية. كما ضم عنبرنا نفراً من العراقيين الذين كانوا يتوافرون على إقامة رسمية في الكويت وصدرت ضدهم أحكام بالسجن لما لا يقل عن عشرة أعوام بعد تجريمهم بتهمة "التعاون" مع سلطات الاحتلال العراقي من خلال الانتساب إلى جمعية الفنانين العراقية. كما كان من نزلاء عنبرنا مجموعة من العراقيين الذين قالت السلطات الكويتية إنهم كانوا جزءاً من مجموعة أرسلتها مخابرات صدام حسين لآغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو اتش بوش أثناء زيارته للكويت بعد تحريرها. وقد صدرت أحكام الإعدام على أفراد هذه المجموعة لكن أياً منهم لم يعدم حتى خروجي من السجن وأظن أن الحكم لم ينفذ في أي منهم بعد أن قررت السلطات الكويتية تبييض عنبر أمن الدولة في السجن المركزي الكويتي من "المتعاونين". كما كان في عنبرنا أفراد مجموعة عراقية كانوا قد تسللوا إلى الأراضي الكويتية بعد التحرير ونصبوا حواجز مسلحة وقاموا بعمليات "قطاع طرق" فطاردتهم قوات التحالف والقوات الكويتية فقتل أحد أفراد المجموعة وسيق الآخرون بعد وقوعهم في حقل ألغام إلى السجن المركزي الكويتي فحوكموا وصدرت ضدهم أحكام ثقيلة. أما الآخرون الذين استضافهم العنبر فكانوا أناساً أقل من عاديين وبسيطين لم يسقهم إلى السجن سوى ابتلاء رباني للتكفير إن شاء الله عن ذنوبهم السابقة.

ولا يغيب عن بالي أن أذكر هنا أنه كان بيننا في العنبر إنسان نبيل وملتزم دينياً وكان يعمل طوال وقته على حفظ القرآن الكريم وتولى الإمامة إلى ما بعد أن قيض الله لنا الإفراج. وقد انتهى إلى مسامعنا بعد عامين من عودتنا إلى عمان أن هذا الشخص ويدعى "سامي كزار" وهو من فئة البدون قد انتقل إلى رحمة الله تعالى في مستشفى السجن. وقد حزنت عليه وأسأل الله له الرحمة وأن يسكنه فسيح جناته .
وبعد خروجي من السجن ، كنت على اتصال مع بعض النزلاء الذين ربطتني بهم علاقات الزمالة في العنبر ، وكنت قد وعدتهم بمحاولة الكتابة عنهم ومساعدتهم عن طريق إثارة موضوع سجنهم مه منظمات دولية وعربية وغيرها وهو ما فعلته بتوفيق من الله سبحانه وتعالى إلى أن تم الإفراج عنهم في نهاية المطاف إثر قرار الحكومة الكويتية إغلاق ملف "المتعاونين" الذين كانوا يقضون أحكاماً ثقيلة في عنبر أمن الدولة في السجن المركزي الكويتي. وكان أن اتصل بي بعض من هؤلاء الزملاء في إحدى الأمسيات وأبلغني بقرار الحكومة الكويتية الإفراج عنهم مقابل تخليهم عن المطالبة بالجنسية الكويتية واعترافهم بأنهم من الرعايا العراقيين. وكم كانت فرحتي غامرة عندما علمت بنبأ إغلاق ملف "المتعاونين" فحررت خبراً عن الموضوع فنشر في صحيفة " الغد" الأردنية الغراء.
وأبلغني زملائي السابقين في العنبر بأنه لم يتبق في السجن الكويتي سوى مالك سلطان، الذي ينتمي إلى فئة البدون والذي كان قد مثل الكويت في دورة الألعاب الأولمبية التي عقدت في ميونيخ في السبعينات من القرن الماضي، وسالم أبو حاشوش الذي كان في الجيش الشعبي العراقي وكان ثاني شخص من فئة البدون تصدر محكمة عرفية كويتية حكماً بالإعدام عليه. والشخص الأول هو ، كما أسلفت في مكان آخر ، منخي جابر. وأضافوا إن من تبقى في عنبر أمن الدولة في السجن المركزي الكويتي العقيد "علاء الدين حسين" الذي كان صدام حسين قد عينه" رئساً للحكومة العسكرية المؤقتة  في  الكويت"، بعد احتلال الكويت في الثاني من آب (أغسطس) من العام 0199 وقد استطاع وزير الإعلام الكويتي الأسبق سعد الدين بن طفلة استدراج علاء الدين حسين إلى الكويت بعدما التقاه في النرويج حيث كان قد التجأ إليها وأقنعه بالعودة إلى الكويت. وبالفعل عاد علاء الدين حسين إلى الكويت حيث ألقي القبض عليه فور وصوله إلى المطار وأودع السجن وتمت محاكمته وصدر حكم بسجنه سجناً مؤبداً.
                  التعويضات
بداية أحب أن أشدد على القول إن أكبر تعويض تلقيته كان ما وهبنيه الله سبحانه  وتعالى أن أخرجني من السجن وأعادني لاستئناف حياتي مع أسرتي المكونة من زوجة وابنتين كما ومع والدتي وأخوي وأخواتي . وكان الله قد اختار والدي إلى جواره وأنا في السجن فقضى لأن أجله انتهى ولا راد لحكم الله. فالحمد لله على ما أراد وقضى. ولأن العين تدمع والقلب يحزن ولأنه والدي وقدوتي بعد الرسول صلى الله عليه وسلم
فإنني وإذ أقول رحمة الله عليك يا أبي ، أضرع إليه سبحانه وتعالى أن يجمعني فيه في جنات النعيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أما عن التعويض المادي، فكنت قد  حاولت الاستفسار من زملاء كانوا معي في السجن عن إمكانية أن تعوضنا الحكومة العراقية السابقة عن سنوات السجن فكان الجواب أن التعويض سيتم بعد" انتهاء العدوان الثلاثيني" على العراق. لكن الحكومة العراقية التي كان يترأسها صدام حسين انتهت وانتهى معها صدام  والعراق وبالتالي فإن التعويض على سنوات السجن سيأتينا من الله  في  الشكل الذي يراه سبحانه وتعالى . وأنا أسأله أن يكون تعويضي في الآخرة إن شاء الله.
وبخصوص أتعاب نهاية الخدمة عن سنوات خدمتي في وكالة الأنباء الكويتية والتي امتدت من العام 1978 وحتى العام 1990 ، فقد تسلمتها زوجتي من الحكومة الكويتية بموجب وكالة رسمية مني وأنا في أول أسابيع في السجن الكويتي وقد أنقتها عليها وعلى ابنتي أثناء غيابي. ولما عدت في شهر آذار من العام 1999 إلى عمان ، تقدمت بطلب للتعويض بواسطة منظمة التحرير الفلسطينية فجاء جواب الأمم المتحدة عبر لجنة التعويضات الدولية بالرفض لأنني كنت قد تلقيت تعويضاً بقيمة 14000 دولار أميركي، وهو ما تلقيته بالفعل من اللجنة المذكورة. وعندما علمت في أواخر العام 2012 عن إن محكمة اوروبية ألغت حكماً كان قد صدر عن محكمة إسبانية يقضي بسجن الزميل الصحفي في قناة الجزيرة "تيسير علوني" سبع سنوات وتعويضه عن المدة التي قضاها في السجن كتبت مقالاً نشرته جريدة القدس المقدسية، بعد رفض جريدة الغد الأردنية حيث أعمل  في قسم الترجمة نشره لأسباب لم توضح، وأظن أنها من باب عدم الإساءة للعلاقات الكويتية الأردنية. وملخص المقال أنني تمنيت تشكيل محكمة عربية لدراسة الأحكام التي كانت المحاكم العرفية الكويتية وتلك التابعة لأمن الدولة بحقنا وبالتالي إلغاءها سيما وإن العديد من المنظمات الدولية شجبت تلك الأحكام، كما أسلفت في موضع سابق، وخاصة إن تهمة الخيانة العظمى قد وجهت لنا وإن هذه التهمة حسبما أعرف لا توجه إلى وافد وإنما إلى مواطن. لكن أهم تعويض في اعتقادي وأغلاه هو تعويض الله وكفى.
ويسعدني أن أرفق في طي هذه المذكرات وفي موقع آخر عدداً من المقالات التي كنت قد كتبتها بعد عودتي من الكويت.
ومن نافلة القول الإشارة في هذا المقام إلى أنني حاولت العودة إلى القدس والاستقرار هناك. وبالفعل حصلت على تأشيرة من السفارة الإسرائيلية في عمان وذهبت إلى القدس لاستخراج هويتي الإسرائيلية فأبلغت بأنه تمت مصادرتها نظراً لغيابي الطويل عن القدس. وعندما استفسرت عن السبل التي يمكنني اتباعها لاستعادة هويتي ، صدمت بسلسلة شروط قررت على ضوئها العودة إلى عمان بعد أن شاركت في تشييع جنازة المرحوم فيصل الحسيني نجل الشهيد عبد القادر الحسيني الذي كان قد استشهد في معركة القسطل في منطقة باب الواد في القدس الغربية في العام 1948. أما فيصل فقد لاقى وجه ربه في الكويت أثناء زيارة لها  بينما كان يبحث سبل تطبيع العلاقات الفلسطينية الكويتية. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون .
ولا أجد غضاضة أن أذكر هنا أنني كنت قد تقدمت بطلب للعمل في قناة الجزيرة القطرية وجلست لامتحان قدرات في السفارة القطرية في جبل عمان واجتزت الامتحان الذي استمر ، وفق ما أذكر من العاشره صباحاً وحتى الثانية بعد الظهر. وكان أن تصل بي أحد المسئولين من الفضائية المذكورة بعد نحو اسبوعين وسألني " أين كنت في السنوات بين العامين 1991و1999" فقلت له "سجيناً في السجن المركزي الكويتي" اختتم المكالمة ولم يتصل بي أحد بعدها من الفضائية المذكورة. كما باءت عدة محاولات بذلتها للعمل في الدول الخليجية بالفشل، يبدو لنفس السبب الذي دعا "الجزيرة" إلى عدم التعاقد معي للعمل لديها كمحرر أخبار وهي نفس المهمة التي كنت أقوم فيها في الكويت في وكالة الأنباء الكويتية "كونا".
ولا بد لي من الإشارة هنا إلى إن وكالة الأنباء الكويتية منحتني فرصاً نفيسة وطيبة بعد أن وجدتني مجتهداً في العمل: فانتدبتني في العام 1978 لتغطية مؤتمر لوزراء النفط في منظمة البلدان المصدرة للبترول "اوبيك" كان قد عقد في أبوظبي في كانون الأول "ديسمبر" من العام 1978 ثم  أوفدتني مندوباً عنها في جولة نظمها البنك الدول في ثلاثة بلدان في غرب إفريقيا (بوركينا فاسو ومالي والنيجر) في صيف العام 1982 وكلفتني بتغطية مؤتمر عدم الانحياز الذي عقد في نيودلهي في العم 1983 واختارتني لرئاسة وفد من الوكالة  في جولة استطلاعية لمكاتب وكالتي رويترز والأسوشتدبرس في لندن. ولقد كانت انطباعات كل من اجتمعت معه ورأيته في الدول التي زرتها في المهمات التي كلفتني فيها الوكالة  انطباعات جيدة جداً. وأخص بالذكر فرانك فوغل مسئول الإعلام في حينه في البنك الدولي ومساعدته باميلا برينام وغيرهما كثيرون. وأشاد المسئولون في وكالتي رويترز والأسوشيتدبرس الذين قابلناهم أنا وأعضاء وفد "كونا" في لندن بأداء الوكالة الكويتية وبتفوقها في حينه على سائر وكالات الأنباء العربية وحتى الأجنبية. ولأن الشيء بالشيء يذكر، فلا بد لي من أن أشير هنا إلى عدة حالات سبق صحافي سجلتها وكالة الأنباء الكويتية:
1-    اتفاق وزراء نفط "اوبيك" في مؤتمرهم الوزاري في أبوظبي على زيادة أسعار النفط زيادة تراكمية. وقد كنت أنا من زود الوكالة بهذا السبق الذي أذاعته وكالات الأنباء العالمية ونسبته لكونا. ويعود الفضل في تسجيل هذا السبق لصالح "كونا" إلى الزميل العزيز عزام جرار الذي استطاع بطريقة حاذقة أن يحصل على الاتفاق من وزير النفط العراقي في حينه" تايه عبد الكريم" أثناء مصادفته له في حمام الوزراء بالفندق الذي شهد انعقاد المؤتمر فظن الوزير العراقي أن عزام من أعضاء الوفد الكويتي فأعرب له عن عدم رضا العراق عن الاتفاق الذي أقره الوزراء. وكان أن أعطاني الزميل عزام السبق "لأنك تعمل في وكالة الأنباء وأنا أعمل في الجريدة." وممن صادفتهم في الفندق الذي انعقد فيه المؤتمر الوزاري  "لأوبيك" الصحفي باري جيمس من وكالة اليونايتدبرس والصحفي يوسف العظمة من وكالة رويترز وصحفي من صحيفة النيويورك تايمز يدعى علي وهو مصري الأصل وآخرين كثر من أبرزهم الصحفية "ليزا" التي كانت صديقة لوزير النفط الكويتي الشيخ علي الخليفة العذبي الصباح حسبما قالت مصادر في المؤتمر الوزاري المذكور.
2-     الغارة الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس في العام 1984.
3-     إغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير – ابو جهاد- وقد حصل على هذا السبق الزميل داوود سليمان القرنة الذي كان نائباً لرئيس التحرير في وكالة الأنباء الكويتية.
4-     وفاة العاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز . وقد سجل السبق الزميل مصطفى العطا الذي كان يعمل في قسم التقاط الأخبار والتقط الخبر بمحض الصدفة بينما كان يدير قرص المحطات في غير وقت النشرة الإخبارية للراديو السعودي فلفت انتباهه عبارة "جاءنا الآن بيان من الديوان الملكي" فتابع الاستماع إلى الراديو حتى التقط الخبر ووافى قسم التحرير به بسرعة فبادر القسم إلى بثه على الهواء مباشرة لتقطع هيئة الإذاعة البريطانية – بي بي سي- بثها وتذيع الخبر نقلاً عن وكالة الأنباء الكويتية.
5-     تحديد مكان وجود الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على متن الباخرة التي نقلته من ميناء طرابلس اللبناني بعد المعارك التي شهدتها المدينة اللبنانية الشمالية بين القوات الفلسطينية وتلك السورية في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. وقد استطاع رئيس مجلس إدارة الوكالة ومديرها العام في حينه برجس حمود البرجس إجراء مقابلة هاتفية مع السيد عرفات نشرتها الصحف الكويتية في اليوم التالي.
وللحقيقة أقول إن وكالة الأنباء الكويتية سجلت حضورا ونشاطا فعالاً طيلة الفترة التي أعقبت إنشاءها وحتى الغزو العراقي في آب (أغسطس) من العام 1990. فمن  التفجيرات الستة التي استهدفت المقاهي الشعبية الكويتية إلى محاولة تفجير موكب أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح إلى الحرب العراقية الإيرانية ومقتل وزير الدفاع العراقي عدنان خير الله في حادث سقوط طائرة هليوكبتر كانت تقله حسبما أعلن رسميا، إلى الغزو الإسرائيلي للبنان والحرب الأهلية اللبنانية إلى تغطية شملت حقولا سياسية واقتصادية وتجارية ومحلية وغيرها. ولا غرو والحالة تلك أن يثني صحفيون أجانب التقيناهم في لندن وباريس وجنيف وعواصم لإفريقية وآسيوية وغيرها على أداء ومهارة وكالة الأنباء الكويتية "كونا".
ومما كان يقال عن وكالة الأنباء الكويتية في الشارع الكويتي وفي مجلس الأمة الكويتي إنها وكالة "وفا" في إشارة لوكالة الأنباء الفلسطينية نظراً لأن الوكالة الكويتية بقيادة رئيس مجلس الإدارة البرجس، القومي والعروبي وصديق العديد من الشخصيات الفلسطينية كعرفات وجورج حبش، كان متبنياً للقضية الفلسطينية لا شفاهة وحسب وإنما قولاً وفعلاً. ولعل اختياره لكادر فلسطيني للعمل في جهاز التحرير بوجود متدربين كويتيين بالإضافة إلى محررين آخرين من لبنان ومصر والسودان وسورية هو ما أثار حفيظة البعض في الشارع الكويتي ودفعه إلى وسم الوكالة الكويتية بأنها "وفا".
وأعود من ثم للتحدث عن سنوات السجن التي أقول إنها مرت برداً وسلاماً في أغلبها على معظم السجناء ، وأنا منهم ، لسبب واحد ورئيسي . ويكمن هذا السبب بالنسبة لي ولكثيرين غيري هو الشعور بالبراءة من الداخل وقبل ذلك والأهم منه صلة الواحد بالله مصداقاً للآية الكريمة" ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب". فما هي الجريمة التي ارتكبتها حتى أنال عليها عقوبة الإعدام.؟ أنا ، وكما بينت للمحكمة العرفية الكويتية في دفاعي عن نفسي والذي استمر لمدة 17 دقيقة ارتجالية أجبرت على العمل في صحيفة " النداء" العراقية إجباراً وإكراها لا طواعية وحباً في الغزو العراقي للكويت. لكن المحكمة لم تأخذ بدفاعي وارتأت ، فيما أظن أنه قرار سياسي، أن تصدر حكماً بالإعدام ليس ضدي وحسب وإنما أيضاً ضد كل من جرًم بتهمة التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي وذلك " لغاية في نفس يعقوب". وكانت السلطات القضائية الكويتية قد وجهت لمجموع المتهمين بالتعاون مع سلطات الاحتلال العراقي خمس تهم أبرزها الخيانة العظمى، التي توجه في العادة للمواطن الذي يخون بلاده ويتجسس عليها وعلى مقدراتها ومستقبل أجيالها خدمة لصالح العدو. ومن بين التهم الأخرى تهمة إضعاف معنويات الشعب الكويتي وتلقي أموال من العدو العراقي ( راتبي شهرين) .ولا يفوتني في هذا المقام أن أعيد طرح سؤال كنت قد طرحته عدة مرات في السابق مؤداه  كيف سمحت الجهات الكويتية لنفسها  بمحاكمة قسم ممن عملوا في صحيفة "النداء" العراقية أمام محكمة عسكرية عرفية حيث تلقوا أحكام الإعدام ومحاكمة قسم آخر أمام محاكم أمن الدولة حيث تلقوا أحكاماً لم تتجاوز العشر سنوات سجن. أنا بالطبع لم أكن أتمنى لزملائي ، وكانوا كلهم أعلى مني مرتبة وظيفية، أن ينالوا حكماً بالإعدام مثلي وإنما تمنيت أن لو كانت السلطات الكويتية أرفع وزناً ومقداراً وأنصف
وأكثر ترفعاً عن الغوص في لعبة ستكشف الأيام أنها كانت ضحيتها مثلما كان الشعب الفلسطيني... لكن الحمد لله على كل شيء وبحمده تتم النعم.
الكويتيون أصيلون وكرماء وحقانيون . وقد عشت بين ظهرانيهم وأكلت من خيرهم بالحلال وكونت كل انطباع جيد جداً عنهم. كما كان والدي رحمه الله قد خبرهم حين كان من أوائل المعلمين الفلسطينيين الذين عملوا في الكويت في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي(حيث عمل في المدرسة القبلية في منطقة شرق وصار صديقاً لكل من الشيخ جابر عبد الله المبارك الصباح والشيخ عبد الله النوري ويوسف النصف وصالح الشايع والأستاذ صالح شهاب الذي كان أزهرياً لكنه لم يستمر في الخط الديني وغيرهم كثيرين  وقد اضطر للعودة إلى فلسطين مع حرب العام 1948 رافضاً تولي منصب مسئول المعارف في الكويت). وبالرغم من أنني أعطيت الكويتيين حقهم في إيراد صفاتهم الحسنة والكريمة إلا أنه من حقي على نفسي وشهادة أمام الله أن أقول هنا بملء الفم أنهم لم يكونوا منصفين في أحكامهم التي صدرت إبان الأحكام العرفية التي أعقبت التحرير والتي شجبها القاصي والداني.
ولا يعني كلامي هذا أنني خرجت حاقداً على الكويتيين أبداً، فما تعرضت له بلادهم من غزو من جار عربي كانت كريمة معه وسادته في أيام حربه مع إيران لا يستحق أن تلقى ما لقيته من ظلم من جانب العراق وحكم صدام حسين. كما إنني أرى أنه من حقي أن أقول بأن عتبي الوحيد على الكويتيين ، الذين ذاقوا الأمرين خلال الغزو العراقي للكويت، هو أنهم نحوا نحو الانتقام ممن ظنوا أنهم هم المتسببين في الغزو العراقي للكويت وهم منه براء . ويحضرني في هذا المقام أن أحد الزملاء ، وكان يعمل في تلفزيون الكويت قبل الغزو العراقي، صادف أن كان في بلدته في الضفة الغربية خلال الغزو فعاد للكويت لإي أيام الاحتلال العراقي لأخذ أثاثه وبعض ممتلكاته من الكويت قصار التحرير واعتقل وحكم عليه بالإعدام وأمضى معنا ثمانية أعوام في السجن في عنبر أمن الدولة في السجن الكويتي بتهمة الخيانة العظمى ومساعدة القوات العراقية في دخول الكويت ليلة الغزو! ويقول صاحبنا الذي كان ليلة الغزو في قريته في الضفة الغربية إن قضيته نابعة من فتنة لفقها له أحد زملائه السابقين في التلفزيون الكويتي لأنه كان على خلاف شخصي معه فلفق له التهمة التي قبلتها السلطات العرفية الكويتية وحاكمته عرفياً وقضت عليه بالإعدام. كما إن أحد الزملاء ممن كانوا قد عملوا في جريدة "النداء" العراقية سجن أيام الاحتلال العراقي للكويت لتحميله مسئولية نشر خبر في جريدة "النداء" تحدث عن إن القوات الكويتية من مقاومة وغيرها تستعد بالتعاون مع الحلفاء لتحرير الكويت وسحبت الجريدة عندما اكتشف أمر الخبر من الشوارع في الكويت في نفس اليوم وتم سجن الزميل المذكور وضرب وأهين في السجن العراقي ولولا رحمة الله لكان قد أعدم بتهمة التآمر ضد العراق فكافأته السلطات العرفية الكويتية عندما تم تحرير الكويت بأن شملته بحكم الإعدام الذي صدر ضد مجموعة من "المتعاونين". ولا يغيب عن بالي أن أذكر هنا بأنني شخصياً تعرضت لإطلاق النار من قبل قوات عراقية غداة رفضي نشر مقال مؤيد للغزو العراقي للكويت باسمي الصريح وكان رئيس التحرير في النداء السيد داود الفرحان هو من طلب مني كتابة المقال تحت اسمي الصريح فرفضت الطلب.
وعندما وهبني  الله الفرج وخرجت من السجن أجرت معي صحيفة القبس الكويتية الغراء عندما كنت ومجموعة المفرج عنهم في مركز الإبعاد في "طلحة" بانتظار الإبعاد إلى الأردن  مقابلة سألتني عن مشاعري فأعربت من بين أشياء أخرى عن عدم حقدي على الكويت والكويتيين على الرغم من أنني سمعت عن إن بعضاً من زملائي الكويتيين في وكالة الأنباء الكويتية اعتبروني خائناً وساءهم انضمامي إلى جريدة " النداء" . وفي مركز الإبعاد سمح لي في الاتصال ببعض الزملاء والزميلات الكويتيين وأكدت لهم اعتزازي بزمالتهم وبالأيام التي عشتها في الكويت وبأنني أكلت من خير الكويت وشربت من مائها ولا يمكن لي بالتالي أن ألقي حجراً في البئر التي شربت منها. فاقتنع بعضهم ،على استحياء بحجتي ومعظمهم أحب أن لا يقتنع، وهو حر في رأيه والأيام ستجلو  كل ضغينة.

مراحل السجن في الكويت.
تفاوتت مراحل السجن في الكويت بين شخص وآخر ممن شاء لهم القدر أن يسجنوا. فبالنسبة لي ذهبت إلى مخفر النقرة غداة اتصال هاتفي أجراه مع زوجتي النقيب عبد الله الطريجي من مخفر النقرة وقال لها أن عبد الرحمن مطلوب للحضور إلى مخفر النقرة صباح غد الأحد 7/4/1991 فأبلغتني بذلك في فجر ذلك اليوم لأنني كنت نائماً حين اتصاله. فذهبت في الصباح إلى المخفر وأدخلت إلى غرفة النقيب الذي سألني سؤالا واحداً "لماذا اشتغلت في النداء؟" فقلت له "لأنني أكرهت" فقال "شكراً" ثم ما لبث أن جاء شرطي واقتادني إلى قاعة النظارة التي كانت تعج بالموقوفين من جنسيات مختلفة لكن أكثرهم كانوا من الفلسطينيين من حملة الجنسية الأردنية. وفي النظارة التي كانت تجاور نظارة الموقوفات من الفتيات اللاتي عملن في صحيفة النداء وغيرهن من "المتعاونات" كنا نسمع أصوات ضرب المحتجزات وصراخهن. أما بالنسبة للموقوفين في النظارة فكانوا يستدعون للتحقيق معهم في مكان آخر وكانوا يعودون ويبلغون عن أنهم ضربوا
لكن لم يكن الضرب مبرحاً أو مؤذياً. ثم تم تحويل من رأت السلطات تحويله إلى النيابة العامة بتهمة التعاون مع السلطات العراقية . وقد كنت واحداً منهم . وأخذنا إلى قصر العدل في وسط البلد في الكويت حيث قابلت أحد المدعين- وأذكر أنه من عائلة الحنيطي- فسألني عن السبب في انضمامي إلى جريدة "النداء" فأبلغته بأنني انضممت لها بعد التهديد الذي تلقيته من حامد الملا، الذي كان مسئول الساحة الإعلامية الكويتية في فترة الاحتلال العراقي للكويت ولت له أنني خشيت على زوجتي وابنتي من بطش من الجانب العراقي وأنني لا أنتمي لأي حزب سياسي وأنا مستقل. وانتهت المقابلة فعدت إلى مخفر النقرة مع المتهمين والمتهمات. وبدأت تعقد لنا جلسات المحكمة العسكرية ، حيث كانت الأحكام العرفية سارية في الكويت غداة التحرير. وأذكر في الجلسة الثانية من المحاكمة أنني كنت أتحدث مع عدد ممن حضروا الجلسة فحصلت مشادة بيني وبين أحد الضباط المكلفين في الحراسة داخل المحكمة فهددني بالضرب فما كان مني إلا أن قاطعت رئيس المحكمة وهو يدير الجلسة وأبلغته بأن الضابط هددني بالضرب فنهره رئيس المحكمة. لكن الضابط وزملاءه
حفظوا المناسبة إلى ما بعد صدور الحكم في الجلسة الأخيرة. وبالفعل يوم السبت 15/6/1991 عقدت جلسة النطق بالحكم وصدر الحكم بالإعدام ضدي وضد كل الذين عملوا في "النداء" في وظائف تمت بصلة للتحرير بينما صدرت أحكام بالبراءة على من عمل في الصيانة أو في وظائف خدمية. وصدرت أحكام بالسجن لفترات تتراوح بين خمس وعشر سنوات على آخرين.
وبعد صدور الحكم بالإعدام في الساعة الثانية إلا عشر دقائق من بعد ظهر يوم السبت 15/6/1991 وسط حالة من الفوضى والصراخ التي سادت قاعة المحكمة تم اقتياد كل الذين صدرت الأحكام ضدهم إلى مدرسة الأحداث في منطقة جليب الشيوخ حبث اقيمت لهم "حفلة" تنوعت محتويات ما تم تقديمه خلالها من "طراقات وتكفيح ولعن أبو الخامسين والشلاليط" وما إلى ذلك من إهانات فهمت بعدها أنها كانت تكريماً لي شخصياً لأنني أشتكيت على الضابط أمام رئيس المحكمة. فتساءلت بيني وبين نفسي إذا كنت أنا مذنباً في رأيهم فما ذنب الباقين؟ وكان أن سحب أحد الحراس الأمنيين مخزن بندقيته وألقى به في حضني عندما أدخلونا إلى إحدى القاعات بعد "الحفلة" وطلب مني إعطاءه المخزن فرفضت خشية أن يحولني إلى قسم البصمات لرفع بصماتي عن المخزن وتوجيه اتهام لي بمحاولة سرقة السلاح لارتكاب جريمة. ومن المصادفات المبكية المضحكة التي حدثت أثناء الحفلة أنهم أتوا بشخص عرفوه بأنه كان عقيداً في الاستحبارات العسكرية العراقية: وكان مغمض العينين وكانوا يطلبون منه  وضع كفيه على عينيه المغمضتين ويضربونه على أعضائه التناسلية ثم يطلبون منه وضع يديه على أعضائه التناسلية ويضربونه على جبهته فيأخذ في إصدار أصوات وحركات أنا شخصياً، بالرغم من أنني كنت أتلقى صفعات من العريف "الحجاج" ،أدت إلى ثقب في أذني اليسار ما زلت أعاني منه حتى اللحظة، لم اتمالك نفسي من حالة ربما تكون هستيرية أصابتني وأنا أنظر إليه وهو يتلقى الضربات ويصدر حركات لم أتمالك معها نفسي فغرقت في الضحك. ومع مرور الأيام حوكم هذا "العقيد" واسمه غالب وهو عراقي تركماني وحكم عليه بالإعدام وأمضى ثلاث سنوات في السجن معنا قبل أن يكتشفوا أنه بريء ويصدر أمراً بالإفراج عنه. فغالب المسكين رجل لا يعرف القراءة والكتابة وكان يعمل فراشاً في وزارة التربية والتعليم الكويتية.
ومن الأشخاص الذين سجنوا في عنبر أمن الدولة في السجن الكويتي، كان العراقي عدنان عبود الذي حكم عليه بالسجن لمدة 15 عاما لأنه كما ذكر أعلن في أوائل أيام الغزو العراقي للكويت تأييده لصدام حسين وارتدى" تي شيرت" عليه صورة مكبرة لصدام حسين ولما عاد الكويتيون إلى الكويت بعد التحرير ألقوا القبض عليه وحكموا عليه الحكم المذكور أمام محكمة عسكريةً أدانته بتهمة التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي. وأنقل في هذا الصدد ما قاله لنا مندوب الصليب الأحمر في إحدى زياراته لنا في العنبر أن الرئيس جورج بوش الأب أعرب للأمير الشيخ جابر الصباح خلال مكالمة هاتفية عن استغرابه من فداحة الحكم وطالب بخفضه لكن الحكم لم يخفض فأصيب عدنان بلوثة عقلية واضطرب وبات بحاجة لعلاج نفسي مكثف.
الاهتمام الطبي بنزلاء عنبر أمن الدولة
لا يمكن للإنسان الحقاني  إلا أن يورد الحقيقة كما هي
وأن يكون صادقاً في كل كلمة يقولها أو يكتبها. ولأنه لا يصح إلا الصحيح كما هو أو كما كان فإنني اشير هنا إلى أن السلطات في السجن الكويتي المركزي كانتحريصة كل الحرص على تقديم الرعاية الطبية المجانية لكافة النزلاء في عنبر أمن الدولة بحيث كانت الرعاية تشمل الطبابة الفسيولوجية والنفسية وتقديم العلاج ومعالجة الأسنان والعيون وحتى التحويل إلى المستشفيات الخارجية في حال استعصى العلاج في مستشفى السجن. وقد تم تحويلي عدة مرات لإجراء الفحوصات اللازمة خاصة بعد إصابتي بجلطة قلبية في العام 1997 . لكن الظروف الطارئة التي حلت في السجن، بسبب حادثة الهروب من السجن التي أسلفت الحديث عنها، حالت دون إخراجي لاستكمال العلاج ما تسبب في إصابتي بجلطة دماغية عابرة أحدثت شللاً بسيطاً في جهتي اليسرى والحمد لله رب العالمين. وهنا لا بد أن أشير إلى مبادرة قام بها رئيس جمعية الهلال الأحمر الكويتي السيد البرجس حين زارني في المستشفى الذي كنت أتعالج فيه (المستشفى الصدري في الشويخ) وإعطائي عشرة دنانير كويتية حتى أتمكن من الاتصال مع عمتي في القاهرة وطمأنتها عن صحتي، فشكرا جزيلاً له.
الغذاء داخل السجن
لم نشعر في السجن المركزي الكويتي وخاصة بعد صدور الأحكام ونزولنا ضيفاً فيه بأي جوع على الإطلاق. فقد كانت السلطات توفر لنا يومياً ثلاث وجبات ( فطور وغداء وعشاء). وكانت وجبة الفطور تتكون من البيض المسلوق وأربع حبات زيتون ورغيفين من الخبز وقدح شاي(القهوة كانت ممنوعة) وكانت وجبة الغداء تتكون من أرز ولحمة أو دجاج أما وجبة العشاء فقد كانت تتكون من شوربة عدس وربما كوب لبن.  وفي شهر رمضان المبارك كانت تغدق علينا الأكلات الطيبة من أرز ولحم ودجاج وخضار وكباب . وكما ذكرت سالفاً طلبت في ليلة رمضانية من مدير السجن إقامة "بوفيه" لسجناء عنبرنا تكريما منه لنا فوعدني خيراً . وقد أحضر فريقاً كاملا من شركة طارق الغانم، التي كانت تتخذ من منطقة الرقعي مقراً لها، وأعدت لنا إفطاراً شهيا في الخامس عشر من رمضان أتبع بحلويات وفواكه فحمدنا الله وأيقنا أنه من خلال هذه المبادرة لم تعد السلطات الكويتية تعتبرنا سجناء بالمعني الحرفي للكلمة وإنما محتجزون لأسباب سياسية. ولقد أثبتت الأيام صدق حدسنا.
كيف كنا نقضي الوقت داخل العنبر
 لا شك بأن السجن هو مقبرة الأحياء كما يقال في المثل الشعبي. ولا يتحقق المرء من هذا القول إلا عندما يعيش التجربة بنفسه. وقد شاء الله لي أن أعيش هذه التجربة على مدار 2852 يوماً بلياليها. وبالنسبة لي وقد كنت قد غذيت النفس بأن ما كتبه الله لي سأراه فضلاً عن إيمان عندي ، بفضل قصة كانت تسردها جدتي في أيام طفولتي لي وملخصها أنه "ياما في السجن من مظلومين" أقلمت نفسي على قبول فكرة زجي في السجن فوجهت وجهي إلى الله العلي القدير أن يمنحني الصبر والجلد وتحمل صعوبة البعد عن ابنتي وزوجتي ووالدي وأهلي وكل أحبائي ووكلت أمري إلى الله سبحانه وتعالى وهو القائل ادعوني استجب لكم . وهكذا كانت الأيام تمر ومثلها الليالي صعبة في معظمها وصعبة جداً في أيام ُأخر وسهلة أحياناً. ولعل السهولة كانت بفضل التزامنا بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن الكريم ومطالعة الكتب الدينية مثل السيرة النبوية
وقصص الأنبياء والفتاوى وغيرها. وتوفرت لنا فرصة قراءة الصحف الكويتية بشكل سري في أيام السجن الأولى ثم سمح لنا في العام 1996 بشراء الصحف فانتقيت شراء صحيفتي القبس والكويت تايمز اللتين كنت أطالعهما يومياً . وكنا ، كما أسلفت في موقع سابق
نسخة في مجتمعنا الصغير عن المجتمع الكبير فكان كل منا يمثل شخصية في المجتمع لها اهتماماتها وتطلعاتها
ونوازعها ونواهيها ومزاجيتها وإيثارها وأنانيتها وما إلى ذلك من النوازع والطباع الشخصية. لكن عموماً كان الوئام هو الطابع المميز الذي كان يغلف العلاقات الشخصية وإن كانت تقع في بعض الأحيان مشاحنات وملاسنات  وحتى معارك بالأيدي وتدخل شرطة السجن ومعاقبة من يقع الحق عليه. وكانت ليالي رمضان تتميز بحلاوة خاصة في داخل السجن إذ كانت سلطات السجن تسمح لنا  بالسهر حتى ساعات الفجر الأولى حيث كنا نعقد حلقات السمر بعد اداء صلاة التراويح والاستماع إلى نشرات الأخبار من راديو مونت كارلو وصوت أميركا والاستماع إلى برنامج "صحافتنا قبل الطبع" من الإذاعة الأردنية الذي تناوب على تقديمه الزميلان جرير مرقة ومحمود الخطيب. وصادفت في إحدى المرات أن طلبت ، خلال اتصال هاتفي معه ، من الزميل المرحوم مروان حزين نشر خبر في صحيفة العرب اليوم عن إن السلطات الكويتية تفكر في البدء في الإفراج عم السجناء الأردنيين بعد زيارة السفيرين القطري والعماني لنا في السجن، كما ذكرت في موقع سابق، وبالفعل نشر الزميل المرحوم مروان حزين الخبر في الصحيفة المذكورة ما أثار دهشة المسئولين الكويتيين في حينه. ولولا تيقني من صحة الخبر لما كنت قد طلبت من الزميل مروان نشره في صحيفته: فالصدق كان من أول وأهم الدروس التي تعلمتها عن مميزات الخبر الجيد.
 العودة إلى عمان
يوم الخامس من آذار (مارس) عدت برفقة ستة زملاء
وزميلة من "المتعاونين" إلى عمان بعد أن أمضينا  نحو أسبوعين ،بعد الإفراج عنا من السجن، في مركز |طلحة" المخصص للإبعاد في منطقة جليب الشيوخ حيث قادتني الصدفة للالتقاء مع عبد الله سعد الذي كان محتجزاً في المركز المذكور بسبب قضية شيكات. وكنت ٌفبل أن اسجن قد عييت في البحث عن عبد الله سعد الذي كان يعمل في الحرس الوطني الكويتي قبل غزو العراق للكويت. أما القصة مع عبد الله سعد فتعود إلى العام 1986 وبالتحديد في شهر كانون الأول (ديسمبر) من ذلك العام. إذ كنت في مكتبي في وكالة الأنباء الكويتية في نوبة عمل مسائية فاتصل بي شخص لم أكن أعرفه من قبل وقال لي أنه كان في "القنص" أي موسم الصيد في الكويت حيث يخرج هواة الصيد للبرية أي الصحراء لممارسة هواية الصيد وأنه استطاع تصوير سقوط طائرة ركاب عراقية
وأنه يحب أن يعرض على وكالة الأنباء الكويتية شراء الشريط الذي صوره. فطلبت منه رقم هاتفه واتصلت من فوري برئيس مجلس الإدارة في الوكالة السيد البرجس الذي طلب حضور الشخص ومعه الشريط المصور إلى الوكالة ليطلع عليه ويقرر شراءه أو لا . وبالفعل حضر الشخص وأحضر معه الشريط وكان مدته حوالي السبع دقائق وفيه يظهر جسم طائرة الركاب العراقية وقد انشطرت إلى نصفين أو أكثر وكانت هناك جثث لبعض الركاب الذين قضوا في الحادث الذي نجم عن اشتباك في الجو بين خاطفين وحراس الطائرة العراقية. ولما شاهد البرجس الشريط اعتذر عن شرائه فطلبت الإذن منه بالسماح لي بالتوسط لبيع الشريط إلى شبكة تلفزيون غربية وأميركية بالتحديد فأذن لي. فأجريت أتصالاً هاتفياً مع مراسل الوكالة في واشنطن السيد باسم اللوغاني وطلبت مساعدته في بيع الشريط المذكور لإحدى شبكات لتلفاز الأميركية. وبالفعل اتصل السيد باسم بشبكة إن بي سي
الأميركية وزودهم برقم هاتفي في البيت وبدأت الشبكة في الاتصال معي بحضور عبد الله سعد. وقال مدير مكتب الشرق الأوسط في الشبكة المذكورة ،الن كول، أنه يدعوني وعبد الله سعد للحضور إلى عمان في اليوم التالي لمشاهدة الشريط وشراؤه. وقد حجز لنا في فندق انتركوننتال في جبل عمان. وبالفعل توجهت في الصباح إلى مقر عملي في الوكالة وقدمت إجازة طارئة
فووفق عليها وتوجهت إلى عمان بالدرجة الأولى في الطائرة الأردنية على أن يلحق بي عبد الله سعد في الطائرة الكويتية التي تغادر ظهراً. وعندما وصلت إلى عمان واسترحت قليلاً عند بيت أخي توجهت إلى الفندق على أمل أن التقي عبدالله سعد لكنه لم يحضر فجن جنون ألن كول وكانت معه الزميلة سميرة قعوار التي كانت تغطي أيضاً لصحيفة الفايننشال تايمز. وكاد ألن يتهمني بالنصب والاحتيال والمراوغة لكنني أكدت له إن بامكانه الاتصال بأي مسئول في التلفزيون الكويتي ليساعده في الوصول إلى عبد الله سعد فضلاً عن أنني أعربت له عن استعدادي لدفع كل التكاليف( السفر والإقامة في الفندق) وطلبت منه عدم الجنوح نحو اتهامي لأنني كنت صادقاً معه في كل كلمة. وبعد أن أجرى كول اتصالات مع معارف له في الكويت اقتنع بوجهة نظري وأعطاني مائد دولار أخرى كمصروف جيب. وعدت في اليوم التالي إلى الكويت واستأنفت الدوام في الوكالة كعادتي. وعندما اندلعت مشكلة الصواريخ(سيلكوورم) التي كانت إيران تطلقها على ناقلات النفط الكويتية ما اضطر السلطات الكويتية إلى رفع العلم الأميركي ، حسبما أذكر،  على الناقلات الكويتسة اتصلت بي الزميلة سميرة قعوار وابلعتني أنها ستأتي إلى الكويت وستمكث في فندق هيلتون الكويت  فزرتها أنا وزوجتي في الفندق واستضفناها في منزلنا على الغداء. وتابعت التعاون مع السيد كول في تزويده بأخبار عن الكويت والحرب العراقية الإيرانية وبقعة النفط الخليجية. لكنه لم يتواصل معي لسباب أجهلها كما إن الزميلة سميرة أنقطعت أخبارها بعد أن جمد الردن نشاطها الصحفي في إثر نشرها تقريراً عن الأردن اعتبرته عمان ضاراً بالمصلحة الوطنية.
بقي أن أقول إن أحد ركاب الطائرة العراقية كان نائب رئيس الوزراء الأردني في حينه السيد سليمان عرار  الذي نجا من الحادث. وتجدر الإشارة إلى إن حوادث خطف الطائرات العراقية حدثت في حينها عدة مرات في جزء من نشاط حزب الدعوة العراقي الذي كان في صفوف المعارضة العراقية أنذاك.
وعندما التقيت الأخ عبد الله سعد في مركز طلحة ففوجئت فيه وتفاجأ بي وقلت له " جبل على جبل لا يلتقيان لكن إنسان على إنسان يلتقيان" وسألته عن السبب في عدم تنفيذه للاتفاق وعدم سفره إلى عمان ومعه الشريط المصور قال " لقد خفت أن يذبحني العراقيون". ولم يفصل مما يوحي أنه من أصل عراقي لكنه في الحرس الوطني الكويتي.


ومع العودة إلى عمان حيث الأهل والأقارب والأحبة والمعارف، أحببت أن اقضي بعض الوقت في الراحة والاستجمام والمراجعات الطبية. وبالفعل تقدمت بطلب للديوان الملكي الأردني مرفوعاً إلى صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين فجاءت الموافقة السامية عليه فدخلت إلى قسم القلب في المدينة الطبية حيث أجريت لي عملية قسطرة وأعطيت العلاج اللازم وتعرفت على مدير الخدمات الطبية الملكية في حينه اللواء يوسف القسوس والدكتور معن خيطان اللذين اولياني كل العناية والاهتمام.وكتبت مقالاً في صحيفة " العرب اليوم" الغراء بعد خروجي من المستشفى بعنوان "الصرح الشامخ" أتحدث فيه عن المستوى الرائع من العناية الطبية في المدينة الطبية. فبعث لي الدكتور القسوس برسالة شكر بواسطة الجريدة المذكورة التي كان يرئس التحرير فيها الزميل عزام يونس . وذهبت بعد ذلك بأيام لزيارة الدكتور القسوس في المدينة الطبية شاكراً وممتناً.
وانطلاقاً من رغبتي في الابتعاد عن مهنة الصحافة والترجمة وخوض المجال التجاري، أحببت أن أدخل في شراكة مع أخي "حسين" الذي رحب بالفكرة لكنه أبدى فكرة واقعية بأنني لست مهيأ للعمل في الحقل التجاري. ومع ذلك ، وتحت إصراري وافق أخي على مشاركتي واستهللنا بأن فتحنا محلاً للأدوات المنزلية في شارع مكة في عمان.لكن المحل لم ينجح واضطررنا في نهاية المطاف إلى إقفاله. ثم فتحت مع أخي الآخر سعود مكتباً عقارياً في منطقة العبدلي بمساعدة عديل أخي، السيد أحمد المساعيد، لكن المكتب فشل أيضاً وأغلق.  فقررت عندها العودة للعمل في مجال تخصصي كصحفي ومترجم وقدمت عدة طلبات لجهات مختلفة منها قناة الجزيرة الفضائية التي تبث من قطر وتقدمت لامتحان كفاءة في السفارة القطرية في عمان.وأبلغوني بعده بأنني أجتزت الامتحان وفق الموظف في الجزيرة عبد الله الطاهر. لكن السيد الطاهر اتصل بي بعد أيام مستفسراً عن المكان الذي قضيت فيه السنوات بين العامين 1991 و1999 فقلت له "في بيت خالتي في الكويت" أي في السجن الكويتي ولم أسمع منه أي شيء منذ ذلك الوقت كما لم أتلقى أي شيء من "الجزيرة" فتذكرت أن السلطات الكويتية كانت عندما أدخلتنا السجن في العام 1991 قد بصّمتنا ست نسخ فيما فسر أن لكل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي نسخة. لكن الأمر لم يزعجني وواصلت السعي عن عمل في المجال الصحفي مع مواصلة الصلات مع زملائي ومعارفي من أيام الكويت وإلى أن وفقت في العمل في قسم الترجمة في جريدة الغد الغراء في الشهر الخامس من العام 2004 وكنت ممن ساهم في إصدار عددها الأول في الشهر الثامن من ذلك العام.
وما أزال أعمل في هذه الجريدة التي أجد فيها جو العمل المناسب لي وخاصة في قسم الترجمة ، حيث أعمل، وحيث يتسنى لي في كل يوم زيادة معلوماتي اللغوية العربية والإنكليزية على حد سواء كما والثقافية والبقاء على اتصال تام بالتطورات العالمية والعربية وافقليمية. ويكفيني أنني اتناول ترجمة ما يكتبه كبار الكتاب في الصحف والمجلات الأجنبية مثل مجلة تايم ومجلة الايكونوميست وفورين أفيرز والفايننشال تايمز والغارديان وذا نيشن ودير شبيغل ولوموند
 والديلي ستار ولوفيغارو ورونغز ووتش وميدل إيست اونلاين وغيرها من الصحف والمواقع الألكترونية. وقد كنت حاولت الانضمام إلى قسم التحرير في الجريدة لدى تقدمي بطلب العمل في الجريدة لكن لم يكن هناك شواغر فانضممت لقسم الترجمة بعد أن تقدمت لامتحان كفاءة بإشراف الزميل المرحوم صلاح حزين الذي تولى من بعده مسئولية القسم الزميل علاء الدين أبو زينة الذي أعتبره أستاذاً لي في المهنة وإن كنت أكبره سناً. ومن واجبي أن أذكر في هذا المقام أنني لا أجد غضاضة أبداً في الاستفادة منه والتعلم منه فالإنسان يتعلم دائما وأبداً . وأحمد الله سبحانه وتعالى أن كان اختياري للعمل في قسم الترجمة لا في قسم التحرير وخاصة في هذه السن وبعد ما كنت قد خبرته من متاعب تلحق بالمحررين على كافة الأصعدة. وهذا لا يعني أنني أهرب من العمل في التحرير ، فقد أجدته وأجيده لكن يكفي القول أن الخيرة فيما اختاره الله ووفقني إليه. وأتولى بين الفينة والأخرى كتابة المقالات والخواطر وغير ذلك.
بقي أن أشير إلى إن ما اعتبره عملاً انفردت شخصياً في القيام به وبجهد شخصي مني أعانني الله، الواحد الأحد، عليه
وأفتخر في أنني استطت إنجازه وإخراجه للعالم العربي على الأقل بإمكانيات متواضعة وبسيطة ومن دون سابق علم وتجربة في هذا الحقل.
ونبعت الفكرة التي كانت وراء هذا الإنجاز نتيجة اختلاطي في الجالية الفلسطينية في الكويت. وكان أبرز ما سأله جيل الشباب من أبناء الجالية ، خاصة بعد أن عرفوا أنني كنت ما أزال أحمل هوية القدس التي أتردد عليها كل ستة أشهر لزيارة الوالدين (رحمهما الله) والأهل هناك ولمواصلة الاتصال مع المعارف في المدينة المقدسة والضفة الغربية وللمحافظة على هويتي المقدسية وتجديد التصريح الإسرائيلي الذي يخولني الدخول إلى الأراضي المحتلة منذ العام 1967، كيف شكل القدس وكيف يبدو المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة المشرفة وكنيسة القيامة وسور القدس وبوابات العامود والساهرة والاسباط والباب الذهبي وباب الخليل (أو بوابة يافا)  وباب المغاربة وشوارع القدس القديمة التي غنت عنها "فيروز". كما كانوا يسألون عن مدن الضفة كنابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية وأريحا وبيت لحم والخليل وبيت جالا وبيت ساحور والبحر الميت وغزة وخانيونس ورفح وكل القرى الفلسطينية في الضفة والقطاع اللتين احتلتهما إسرائيل في حرب حزيران "يونيو" من العام 1967.
واختمرت تساؤلات الجيل الفلسطيني الذي سمع عن المدن الفلسطينية من أهله وكبار السن المحيطين فيه  متسائلين عن  هذه المدن والقرى والسهول والجبال وما تتناقله الأخبار العالمية عنها تبعاً للتطورات التي كانت تشهدها من مصادمات  بين المواطنين الفلسطينيين وبين قوات الإحتلال الإسرائيلي، اختمرت في مخيلتي وتبلورت عندي فكرة القيام بمغامرة، اعتز فيها على مدى الدهر، مستفيداً من توفر فرصة دخولي إلى الأراضي التي احتلت من جانب إسرائيل في العام 1967. وبالفعل شرعت في التخطيط لتنفيذ الفكرة معتمداً على الله وتقدمت بطلب إجازة من العمل في وكالة الأنباء الكويتية لمدة شهر وتوجهت إلى القدس التي وصلت إليها بعد يومين من مكوثي في عمان لقضاء بعض الأمور الشخصية والعائلية. وبعد سلامي على الوالدين والأهل في القدس وفقت لتكوين فريق عمل صغيراً بأدوات بسيطة ككاميرا فيديو وسيارة أجرة. وبدأنا العمل في التوجه في اليوم الأول إلى غزة مرورا ببيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا والخليل حيث كان ذلك في الربيع. وعندما وصلنا إلى غزة وبدأنا في التصوير وأثناء سيرنا في السيارة في أحد الشوارع الرئيسة في المدينة التي لم تكن القوات الإسرائيلية قد انسحبت منها ، أوقفتنا دورية تابعة للجيش الإسرائيلي فأوجسنا خيفة لكن الله سلم. فقد كان توقيفنا يهدف إلى تشكيل درع وقائي للدورية خشية من هجوم فدائي مباغت. والسبب، كما تبين لاحقاً، أن أحد المستوطنين اليهود تعرض للطعن من قبل مواطن فلسطيني. وبعد فترة بسيطة من الوقت وبعد أن دقق الجنود في هوياتنا وسألونا عن سبب وجودنا في غزة
فقلنا السياحة تركونا وشأننا فذهبنا للاستراحة في الحديقة العامة لبلدية غزة حيث باشرنا تصوير معالم المدينة وسوقها التجاري وانتقلنا من ثم إلى خانيونس التي التقطنا فيها بعض الصور قبل أن نعود أدراجنا إلى القدس .
وفي اليوم التالي توجهنا إلى مدينة بيت لحم التي تحتضن كنيسة المهد حيث يفد إليها الحجاج المسيحيون من شتى أنحاء العالم فصورنا فيها الكنيسة من الخارج والمسجد المجاورة لكنيسة المهد والتقطنا بعض المناظر للمدينة ثم عرجنا على بيت جالا المشهورة ببساتين الزيتون فبيت ساحور المعروفة بالفقوس. وانتقلنا في اليوم التالي إلى مدينة الخليل والتقطنا مناظر لكرومها وبساتينها وللحرم الإبراهيمي من الخارج. وكان بعض المواطنين في الخليل قد استغربوا عملية التصوير في السوق حيث كانت توجد بسطات الخضار والبطيخ والفواكه فأشرنا إلى أننا نقوم بمشروع دراسي. وانتقلنا في اليوم التالي إلى منطقة البحر الميت (أخفض بقعة في العالم) والتقطنا بعض المناظر ثم مررنا بمدينة أريحا التي تعتبر أقدم مدينة في العالم والتقطنا بعض المناظر لها ولبيارات البرتقال والليمون  وجبل قرنطل. وفي اليوم التالي توجهنا إلى مدن رام الله والبيرة  ومررنا على بعض المخيمات التي تأوي لاجئين فلسطينيين منذ العام 1948 مثل مخيم قلنديا بين القدس ورام الله ومخيم الأمعري على مشارف رام الله والتقطنا بعض المناظر في مدينتي رام الله والبيرة المتجاورتين كاللد والرملة . وانتقلنا في اليوم التالي إلى مدينة نابلس التي تعتبر العاصمة التجارية والاقتصادية للضفة الغربية المحتلة والتقطنا بعض المشاهد فيها ثم واصلنا السير إلى مدن طولكرم وقلقيلية وجنين في شمالي الضفة  فالتقطنا بعض المناظر في هذه المدن والقرى التابعة لها قبل العودة إلى القدس التي فرغنا لها قسطا وافراً من الوقت للتصوير . واستهللنا التصوير في القدس بالتقاط مناظر لبوابات السور( باب العامود وباب الساهرة وباب الإسباط وباب الخليل والباب الذهبي (المقفل والذي ذكر إن الخليفة عمر بن الخطاب دخل منه إلى القدس عند فتحها وتوقيع العهدة العمرية) ثم التقطنا في اليوم التالي لتصوير بعض الشوارع في القدس وجبل الزيتون الذي يعرف أيضاً بجبل الطور حيث توجد مستشفى المقاصد الإسلامية قبل أن ننتقل إلى جبل المكبر الذي كان يأوي المقر الرئيسي لقوات الطواريء الدولية التابعة للأمم المتحدة والذي يكشف مدينة القدس من الجهة الجنوبية . وفي اليوم التالي توجهنا إلى الحرم القدسي الشريف حيث المسجد الأقصى المبارك ومسجد قبة الصخرة المشرفة وساحة الحرم القدسي الشريف.
وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى استطعنا التقاط مناظر للمسجدين من الخارج دون أن يضايقنا أي أحد على الإطلاق. وفي اليوم التالي غطينا بعض المناظر من داخل باب العامود وباب خان الزيت قبل التوجه إلى كنيسة القيامة والتقاط صور لها. ولا أستطيع إلا القول أن توفيق الله وحده هو الذي مكننا من القيام بهذه المهمة بالرغم من حساسية عملية التصوير وخاصة في القدس.
وعند عودتي إلى الكويت واستئنافي العمل بوظيفة محرر أول في وكالة الأنباء الكويتية بعد انقضاء الإجازة، باشرت في منتجة الفيلم الذي صورته للأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران من العام 1967 . فبدأت بكتابة السيناريو وقد ساعدتني فيه زوجتي مشكورة ثم انتقلت إلى مرحلة المونتاج مستعيناً بخبرة المهندس إبراهيم عرسان الذي كان يعمل أيضاً في التلفزيون الكويتي الرسمي. وبعد إعداد الفيلم في صيغته النهائية قدمته للترخيص لدى وزارة الإعلام الكويتية بواسطة شركة غرناطة للإنتاج الفني  ومديرها العام الاستاذ فائق عبد الجليل، الشاعر الغنائي الذي كان قد كتب عدة أغنيات للفنان والمغني السعودي الشهير محمد عبده.
وما تجدر الإشارة إليه فيهذا المقام أنني صادفت أثناء تصوير
مشروع فيلمي الوثائقي في القدس فرقاً تلفزيونية أوروبية وكندية واسكندنافية تقوم بتصوير" الأراضي الإسرائيلية التي طهرها جيش الدفاع الإسرائيلي من الغزاة الفلسطينيين في حرب الأيام الستة من العام 1967"
ويوم 21 من شهر كانون الأول (ديسمبر) ومع إعلان دولة الكويت الوقوف دقيقة حداد تضامناً مع شهداء وجرحى الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة أطفال الحجارة) التي هزت العالم من أقصاه إلى أدناه، اتصلت بمدير عام تلفزيون الكويت في حينه الاستاذ فهد الأحمد وعرضت عليه عرض الفيلم على شاشة التلفزيون الكويتي فرحب بالفكرة وأصدر تعليماته بتجهيز الشريط حيث تم بثه في الساعة الواحدة والنصف من بعد منتصف ليلة الاثنين على الثلاثاء بتاريخ 21/22 – 12- 1987 .
كما سبق وأن ذكرت، كان الهدف الأعلى من القيام بتصوير هذا الفيلم الوثائقي تعريف الفلسطينيين في الشتات بالمدن والقرى والسهول والجبال الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في الحرب في حزيران(يونيو) من العام  1967. وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى استطعت أن أنجز هذا العمل في زمن قياسي  ومن دون أن اتعرض لأي صعوبات في وقت أزعم أن السلطات الإسرائيلية كانت تحظر فيه تصوير مثل هذه الصور الحية عن الأراضي الفلسطينية. ولقد شاهد الفيلم عدد كبير من الفلسطينيين في الكويت ودول الخليج العربية الأخرى ليكون وثيقة مصورة للأراضي الفلسطينية التي تقول إسرائيل إنها جزء من "إسرائيل الكبرى". وأعتقد بأن الشريط ينطوي على تدحيض للمزاعم الإسرائيلية بأن الأراضي التي ما تفتأ تقيم المستوطنات اليهودية عليها في القدس بالدرجة الأولى وفي غيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة هي أراض ليس لها من يمتلكها أو أنها أراض خلاء.
وكنت أتمنى لو إن مؤسسة فلسطينية ما أو عربية حاولت استغلال هذا الشريط الذي كان جاهزاً ومعداً للبث في شهر كانون الأول(ديسمبر) من العام 1987 لما يضفي عليه لمسات فنية أو مسحات أخرى يعرفها أهل التخصص أكثر مني. لكنني اجتهدت وقدمت عملاً لا أتطلع إلى ثواب عليه من أي أحد والله خير الرازقين وهو نعم المولى ونعم النصير. وإنني أشعر بسعادة غامرة واعتزاز كبير في أن وفقني الله في إنجاز هذا العمل الذي اعتقد بأنه يحتاج إلى فريق كامل بكامل المعدات الفنية لإخراجه إلى حيز الوجود. ورجو أن لا ألام حين أضع هذا العمل الصحفي في سيرتي الذاتية في خانة الإنجازات التي حققتها في حياتي العملية إلى جانب نقاط أخرى.
ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله. ومن هنا أجد لزاماً علي أن أشكر تلفزيون الكويت الرسمي ممثلاً بمديره العام في حينه السيد فهد الأحمد  الذي رحب بفكرة بث الفيلم على شاشة التلفزيون الكويتي كما سبق أن أسلفت.
ويطيب لي اليوم الذي يصادف الذكرى السنوية الرابعة عشر لعودتي إلى عمان بعد أن كنت صحافياً سجين أزمة أن أسترعي انتباه نقابة الصحافيين الأردنيين إلى مقالة كنت قد كتبتها غداة عودتي من الكويت ونشرتها صحيفة العرب اليوم الغراء. ولقد تساءلت في المقالة عن الدور الذي تقوم فيه النقابة حيال الصحافيين الأردنيين الذين يتعرضون لأزمة مثل الأزمة التي تعرضت لها. ولم أتلق جواباً عملياً على تساءلي حتى الساعة. وصراحة لا أريد الانضمام للنقابة لا تقدر الخبرة الصحفية التي اكتسبها المواطن الأردني مثلي في الكويت وغيرها لأقول لهذه النقابة... شكرا على بيروقراطيتك التي أرجو أن تنعمي فيها. ويكفيني فخراً أن جهات دولية أعلى منك شأناً ومكانة اعترفت بي كصحافي : ولك أن تسألي البنك الدولي ممثلاً برئيس الدائرة الإعلامية فيه فرانك فوغل ومن بعده مؤتمر قمة عدم الانحياز في الهند في آذار من العام  1983 ومؤتمر القمة الإسلامية في الكويت في العام  1987 وقبل ذلك المؤتمر الوزاري لمنظمة البلدان المصدرة للبترول "اوبيك" في أبو ظبي في العام  1978 بالإضافة إلى الكثير من المؤتمرات الصحفية التي غطيتها في الكويت لمسئولين أجانب كانوا يزورون الكويت وكلهم كانوا يتحدثون باللغة الإنكليزية. وبالمناسبة هل تشترط جمعية الصحافيين الأردنيين أن يكون العضو فيها على معرفة باللغة الإنكليزية أم لا حتى يعرف ما يقال أمامه حين تغطية مؤتمر صحافي لمسئول أجنبي يتحدث بالانكليزية؟ ناهيك عن عملي على مكتب التحرير في وكالة الأنباء الكويتية منذ العام 1978 وحتى العام 1990 وتحريري للأخبار التي كانت تنهمر على مكتب التحرير في تلك الحقبة الزمنية التي شهدت تطورات بارزة منها الغزو الإسرائيلي للبنان مرتين والحرب الأهلية اللبنانية وما رافقها من تطورات ثم الحرب العراقية الإيرانية التي طالت ثمانية أعوام. كل تلك التطورات أكسبتني خبرة صحافية أفتخر فيها
ولي في كل خبر أو تغطية كانت تنقلها الصحف الأردنية عن وكالة كونا بالنص الحرفي مع تعديل " اليوم" إلى "أمس" ما يشهد لي بأنني صحافي محترف  وكفى.وللعلم فإنني لم أتقدم بطلب للانضمام للنقابة الأردنية  لأنني علمت بأنها لا تعترف بسنوات الخبرة التي يكتسبها الصحفي الأردني في الخارج.
 

التعليقات 

1 - داود سليمان القرنة

 

 

يا عبد الرحمن

لقد أثرت أشجاننا وأوجاعنا. أغبطك كثيرًا على ذاكرتك القوية التي مكنتك من استعادة تلك الأيام السوداء التي حكمت فيها علينا  "عدالة" عرجاء بعد توجيه تهمة إفتراضية إلينا . هي "محكمة الفريج" كما يسمّونها في الخليج. أنت ولا شك تعرف أسباب الغزو، لكن النتائج هي المهمة وأنظر حولك لترى ما نعيشه الآن حيث أطلت كل جيوش الشر برؤوسها لتنفيذ المخططات المرسومة في مراكز التجسس الغربية والصهيونية بدعم من جهات عربية كثيرة. لكن ما أدهشني في الذي كتبت هو مساحة المغفرة التي تكنّها لأهل الكويت.  لقد تعلمنا في مدرسة التسامح أن نغفر لمن أساؤا إلينا، وهذا نبل لا يقدر عليه كثيرون. ومع أن المتسامحين يغفرون لأنهم يرجون مغفرة الله، إلا أنني لا أستطيع أن أتصور كيف يمكن أن تغفر لكل إنسان أبلغ عنك، ووشى بك، وشهد ضدك زورًا، ولفّق إليك تهمة، وأصدر عليك حكمًا، وأهان كرامتك الإنسانية كأنما كنا عبيد حرب له، وأودعك السجن مع القتلة والمغتصبين ومهربي المخدرات، وشرّد عائلتك، وقتل المئات من أبناء شعبك، وطرد عشرات الألوف الذين قضوا معظم شبابهم في بلد النفط الأسود كسواد قلوبهم، ثم كانوا يقولون لنا " لحم كتافك من خير الكويت". أنت تعرف أننا كنا ضحايا لعبة سياسية ليس إلا، وكان خطؤنا أننا بقينا لنكون شهداء على تلك الفترة ولم نهرب لأننا كنا طيبّي القلوب ولم نعرف أن كل ذلك الحقد سيفيض بهذه الصورة الإنتقامية. عليك أن تقرأ غسان كنفاني و "رجال في الشمس" حيث بعث لنا قبل استشهاده برسالة عن موت ثلاثة أجيال في الكويت، ولكننا لم نقرأ الرسالة جيدًا. لقد ظلمونا وأنت تعرف ذلك، والسبب أنهم كنا يبحثون عن كبش فداء ليخدعوا "شعبهم" المخدوع وعن ورقة توت تغطي سوءة جرائمهم وتواطئهم لقد مرت تلك السنوات، وفقدنا الكثير، ولا يزال بعضنا ينعم بالحياة، لكن المجرم الحقيقي لا يزال طليقًا ولم يفلت من العقاب. والسؤال هو: إذا كان الأحياء سيغفرون، فكيف سيغفر الشهداء والقتلى الذين تدرّب "أشاوس" الكويت كيف يطلقون النار عليهم في الصحراء القاحلة. أتمنى لو كتب الآخرون ما علق في ذاكرتهم عن تلك الأيام حتى لا ننسى.

داود سليمان القرنة


 

 
التعليقات - أضف تعليق
02-Jan-2015 3:56:07 PM علم الدين 1
أشكرك على هذا المقال الذي أضاف إلي معلومات وتفاصيل لم أعتقد أنني سأطلع عليها عقب وفاة والدي رحمه الله .. لقد أرجعتني بالزمن إلى فترة عثرة لم ولن تنسى ما حيينا، بالتوفيق سيد داود .