عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Apr-2018

عصر الحكمة والانهيار الكبير *الدكتور نورالدين ثنيو

 القدس العربي-قوام الحكمة ومضمونها الاعتدال والخيار الإنساني. وفي عصرنا الرهن الآيل إلى الخر وج من الكوارث والأزمات والحروب، البحث عن الحكمة يعني تقصي الخلاص للإنسانية جمعاء والعالم بأسره لترابط أطرافه وتَكَثّف العلاقات بين وحداته ومؤسساته وشعوبه في وحدة صلبة صارت عصية على التلاشي والاضمحلال.

إن شعوب العالم اليوم صارت تتطلع وتترقب عصر الحكمة كملاذ أخير تَخْلد فيه إلى النجاة وتتجنب عبره الانهيار الكبير، وإن كل ما يجري في الزمن الراهن هو التحديق في عصر الإنسان الكامل الذي لم يكُفْ عن اكتشاف نفسه وإبداع ما يناسبه من شروط مادية وبيئية ومعنوية، وإن أفضل مسلك إلى اتمام مهمته في هذه الدنيا هو عصر الحكمة الذي ينبذ التمييز وسوء المعاملة والتفرقة بين الأمم والدول والشعوب التي صارت حقيقة موجودة بفعل التواصل الفوري والتلقائي، يصعب فصم عرى وحدتها. وعليه فإن البحث عن الحكمة كصيغة إجرائية عملية وأخلاقية يجري على خلفية الشعور بالخطر المحدق بالإنسانية جمعاء، وهو الشعور الذي غالبا ما يدفع العلماء والمفكرين والأدباء وقادة السياسة والدين إلى رسم ملامح ومعالم الطريق إلى الخلاص.
اختلال العالم، حقيقة يدركها الجميع، غير أن البحث عن تجاوزها يتم عبر سياسات وطنية وبرامج محلية، بدلا من تقصي صيغ جماعية تهم وتعني الجميع، وعليه، فإن ما ينقصنا في الحقبة الراهنة هو التفكير في عصر الحكمة بصيغة الضمير الجماعي وليس الفردي الذي لم يثبت نجاعته على ما رأينا وعانينا في القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة . 
إن الكائن الأول المكلف بالتحضير لعصر الحكمة والتهيؤ له هو الإنسان الجامع في مفهومه الرجل والمرأة، أي مثنى الإنس، والذي يستأنس ليس بلغة الأرض فحسب بقدر ما يصغي إلى صوت السماء أيضا. والإنسان في المدلول القرآني إمكان إلى أن يصير خليفة الله في الأرض، يتوفر على استعداد حمل الأمانة وتشريف الله في إعمار وإصلاح الأرض بمن فيها وعليها. عند هذه اللحظة بالذات يتم ادراك عصر الحكمة، الذي يأتي في الغالب بعد الوضع المأسوي العام. وأهم مؤشر على عصر الحكمة هو الشعور بالمسؤولية أمام الله والبشر في الآن والمآل معاً. إن خلافة الله في الأرض بإعمارها وإصلاحها يجب أن يكون مسارا ومصيرا لا يقتصر على سيرورة الحاضر بل يتعدى إلى مصير البشرية وتحوّلها في المستقبل بحيث لا تغمط الأجيال حقها في الحياة ونصيبها من الطبيعة والوجود في الدنيا. وهذا مجمل ما ورد في الرسالة البابوية لقداسة البابا فرنسيس، عندما أشار إلى «أن التدمير الذي تتعرض له بيئة الإنسان خطيرٌ جداّ، ليس بسبب أن الله قد عهد الأرض إلى الكائن الإنساني حسب، ولكن لأن حياة الإنسان ذاتها هبة إلهية يجب أن تصان من مختلف أشكال التدهور والانهيار أيضا». وبما إن الإنسان/ خليفة لله فيجب أن يحمل في طياته مهمة إعمار الأرض وإصلاحها، والسعي المتواصل إلى إبعاد شبح الكوارث والدمار المدلهم المقبل.
قوة الحكمة في قوة دلالتها ومعانيها التي تكمن فيها وما تتوفر عليه من تجارب وخبرة تاريخية ومن تطلع إلى المستقبل بقصد الخروج من أوضاع مأساوية وحالات كارثية. فقوة الحكمة تكثف الماضي وما عليه والمستقبل وما يجب أن يكون عليه الوضع الإنساني. تلك هي إذن حقيقة الحكمة وعصرها الذي ننتظره جميعا. إن عصر الحكمة الذي نرنو إليه هو ذلك الذي يكثف النشاط البشري القائم على البذل والعطاء السخي والفعل التلقائي الرامي إلى الخير في ذاته ويقصد به وجه الله، ينتظر صاحبه الاعتبار والمكافأة في هذه الدنيا وفي الآخرة. فالحكمة بما هي مفهوم خالد لا ينقضي تاريخها لأنها مندرجة في التاريخ في بعده الأزلي والأبدي، ترافق المجتمعات الإنسانية في كل أزمانها وأمصارها.
إن خاصية عصر الحكمة القادم يجب أن يتحلى أصحابه بالقدرة الفائقة على البذل والمنح والهبة والسعي الحثيث والمضطرد إلى تعميم خيرات الأرض على الجميع والحرص الفعلي على «البيت المشترك». وبتعبير آخر يفيد المعنى نفسه هو أن عصر الحكمة، كما يجب أن نتصوّره ونسعى إلى تحقيقه، هو ذلك العصر الذي يربط الوعي الإنساني بالماضي وبالمستقبل في اللحظة ذاتها، حيث يتم الحرص الشديد على عدم تفريط حق الأجيال القادمة من تراث ومراث الأرض، فضلا على أن العمل الذي يطلبه الإنسان يجب أن يحرص به أيضا رضا الله إن في الدنيا وفي الآخرة. فالماضي والمستقبل هو الزمن الحقيقي لعصر الحكمة، كما أن البذل السخي ورضا الله ونيل ثوابه في الآخرة هو ما يجب أن يلازم ويرافق النشاط الإنساني في عصر الحكمة.
عندما نشعر بأننا نقف على لحظة الأبدية التي تكثف كل أبعاد التاريخ من ماضي وحاضر ومستقبل، عندئذ، يبدأ عندنا عصر الحكمة، لأننا نكون بصدد اللحظة التي نسجّل بها عصر العمل الخالد الذي لا تضيع آثاره ويهدر ثوابه في هذه الأرض كما في عالم الآخرة. وهكذا فإن الوعي بمقتضى عصر الحكمة من ضرورة إدراج نشاط الإنسان وفكره في الزمن الخالد هو الذي سيضع العلامة الفارقة بين العالم المضطرب وبداية العصر المنظم والمرتب القائم على المعقول والقابلية للفهم.
وإذا وجب علينا أن ننتهي إلى خلاصة، وليس إلى الخلاص بعد، فإننا نقول إن العولمة بما تنطوي عليه من قوة اللحظة فهي الأنسب لمرافقة عصر الحكمة الذي ينطوي بدوره على الزمن الأبدي والأزلي والأقرب إلى مفاهيم التعالي والتجاوز والتنزه والإخلاص للذات والآخر ورضا الله واعتبار الدنيا والآخرة في الآن ذاته. لقد دخلنا عصر العولمة بإطار زمني ومكاني واحد للجميع، يقتضي أن ينفتح الجميع على ما لدى الآخر من حكمة تسعف كوكبنا الأرضي من الوصول إلى برّ وبحر وجو الأمان التي صارت أبعادا مكانية في حراك ونشاط الأمم والدول والشعوب الراهنة.
كاتب جزائري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات