عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Nov-2018

النخب والأزمات العربية: رهانات المستقبل

 الراي- حسين دعسه

«لا يمكن إنجاز التنمية من دون رعاية الإنسان».!
 
.هي العبارة-المقالة ؛لب تفكير المثقف العلامة السياسي العربي المغربي محمد بن عيسى - 1937- المولود في مدينة أصيلة التي تنعم به عمدة و أميناً لمؤسسة منتدى أصيلة العريق.
 
.. في مطلق الاحوال ،عرفناه من خلال مآلات ونجاحات « منتدى اصيلة» ، ومن وعي شخصيته كوزير للثقافة و-ايضا- للخارجية في المملكة المغربية .
 
ما زلت اذكر اعتزازه الذاتي في حكمته التي اعلنها في عمان من خلال ندوته - في مندى شومان- قبل اكثر من 18 عاما وحينئذ قال:ان الفائدة في تجربته في مؤسسة من المجتمع المدني، أكثر وأكبر من تجربته في الوزارة - ويقصد الثقافة- .
 
مثلما ان التجربة الاولى مكنته من الاحتكاك المباشر، ومن معرفة مشاكل القطاع الثقافي الآنية والموروثة، في شموليتها وتعقيداتها، وفي مقدمتها رسوخ تلك النظرة التقليدية البيروقراطية، الجامدة، في التعاطي مع الشأن الثقافي.بينما بين له العمل الحكومي الحدود التي لا ينبغي أن تتجاوزها أية سياسة ثقافية تطمح إلى تسييرِ،وبدون مخاطر، قطاع الثقافة، وفق منظور حديث.
 
..وعلى ذات المنصة تجلى «ابن عيسى»في عرض خصوصية وعيه وتجربته ومسارات وتنبيهات الوقائع العربية العالمية حول :»النخب والأزمات العربية: رهانات المستقبل»**.
 
رجل مولع بالجمال واصالة الشرق و بالثقافة وعوالم الاتصال والاعلام والدبلوماسية ..وهو ما كان في السادسة عشرة من عمره ،فقرر ان يسافر إلى مصر لدراسة الصحافة عام 1961، وحاز على منحة لمتابعة دراسته في أميركا على شهادة بكالوريوس في الصحافة من جامعة مينيسوتا.،هناك بدأ عمله كملحق إعلامي في البعثة المغربية الدائمة إلى الأمم المتحدة. ثم تطورت مهنته بسرعة على مر السنوات، فضمن مهمته كمبعوث إلى الأمم المتحدة، قام بدراسات حول مناطق مختلفة في أفريقيا لتقييم ظروفها التنموية والبيئية .
 
ساهم في البحث والتقصي عن حلول طويلة الأمد لتحسين الظروف المعيشية في هذه القارة عام 1976، ثم عاد إلى المغرب وترأس إدارة جريدة تصدر باللغتين العربية والفرنسية، وأصبح عضو المجلس البلدي، ثم تم انتخابه كنائب في البرلمان المغربي ممثلاً مدينته أصيله. وقد كان هذا الترشيح الخطوة الأولى في مهنة سياسية ذات وزن ثقيل. عام 1977، تم انتخابه كنائب في البرلمان، وعام 1983، انتُخِبَ كعمدة أصيلة وحافظ على هذا المنصب لمدة 27 عاماً حتى تاريخه. بين عامي 1985 و1992 تولى منصب وزير الثقافة.
 
تم تعيينه من طرف العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني كسفير للمملكة المغربية لدى الولايات المتحدة الأمريكية من 1993 حتى 1999.
 
جدد أعضاء مؤسسة منتدى أصيلة الثقة في محمد بن عيسى وزير خارجية المغرب الأسبق وعمدة مدينة أصيلة، أميناً عاماً للمؤسسة خلال اجتماع جمعيتها العمومية .
 
الى ذلك لفت رئيس الوزراء الاسبق طاهر المصري خلال تجليات تقديمه لمحمد بن عيسى ، ان : "بن عيسى هو نتاج قوميتين يتميز بهما المغرب: العربية والامازغية، وأيضا هو نتاج منتديات فقهيه وثقافية تعج بها مدن المغرب مثل فاس والرباط ومراكش"؛ذلك أن مغرب العرب يمتاز عن مشرقه في أوجه عدة، من حيث أنه يتشارك مع أوروبا بالبحر المتوسط مناصفة وهو أكثر قبولا للآخر وإنفتاحا على الحضارات الأخرى، كما أنه أكثر إنحيازا وتوظيفا للعقل من المشرق العربي.
 
الامر ال1ي جعل المصري ينحاز لما عليه السياسي المجبول بالفن والثقافة والفكر القومي.
 
وأشار بن عيسى إلى الخلفية الفكرية والنظرية التي ينطلق منها عمل مؤسسة منتدى أصيلة. وقال «لا يمكن إنجاز التنمية من دون رعاية الإنسان»، مشيراً الى ان الهدف الاستراتيجي لمؤسسة منتدى أصيلة سيظل هو التنمية الفاعلة للعنصر البشري والمساهمة في إبراز إنجازات المغرب، وعلى رأسها الحق في الحرية والاختلاف والنمو والأمن والاستقرار في إطار جهود المجتمع المدني التي تصب في التوجهات العامة للمغرب السائرة على درب الاصلاحات.
 
حدثنا محمد بن عيسى عن ما ستعيشه اصيلة الصيف المقبل ابان انطلاق الدورة الـ 40 لموسمها الثقافي الدولي، وهي عقود شهدت التحولات الكبرى في العالم وفي المغرب وكل البلاد العربية.
 
النخب والأزمات العربية: رهانات المستقبل
 
محمد بن عيسى
 
موضوع النخب والأزمات العربية موضوع أثاره كثيرون في مختلف الندوات والمؤتمرات، خاصة بعد أزمات ما يسمى بالربيع العربي. ولكن الموضوع أصبح دي راهنية الآن بسبب تفاقم الأزمات في أغلبية الدول العربية، وتفاقم حدتها واتساع تداعياتها.
 
وحتى نحدد معالم ما أعنيه بالأزمات التي يعيشها عالمنا العربي، اسمحوا لي أن أتوقف ببعض التفصيل عند خمس أزمات كبرى.
 
وأبدأ بالأزمة الأولى وهي تتعلق بانهيار الدولة الوطنية التي اختفت في بعض الساحات العربية، وتعرضت لانتكاسة قوية في ساحات أخرى، وأصبح من المطروح اليوم الحديث عن مستقبلها وإمكانات إصلاحها وإنقاذها من الانهيار.
 
أما الأزمة الثانية، فتتصل بالوضع المسدود الذي وصل إليه النظام الإقليمي العربي الذي ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين، وكان هدفه ومبتغاه هو توحيد الأمة العربية وتحقيق مقومات الاندماج بين بلدانها.
 
وتتعلق الأزمة الثالثة بالمأزق الذي وصلت إليه العلاقات بمنطقة الجوار الجغرافي ونعني هنا على الأخص القوتين الإسلاميتين اللتين تنتميان إلى منظومة الشرق الأوسط بمفهومه الواسع أي إيران وتركيا.
 
بالنسبة للأزمة الرابعة، فتتعلق بتوقف مسار التسوية السلمية للصراع الفلسطيني العربي- الإسرائيلي الذي شكل طيلة سبعين سنة الماضية الإطار الناظم للدبلوماسية العربية ومحور الاهتمام الفكري والسياسي العربي.
 
أما الأزمة الخامسة فتتصل بالمسالة الدينية، أي بما يشهده عالمنا العربي من تصاعد موجة التطرف الديني العنيف ومدى تأثيرها على تكريس الكراهية والغلو والتشدد، وعلى ما تقود إليه من تدمير المجتمعات وتقويض علاقة المسلمين بالعالم.
 
السؤال الذي أود طرحه هنا له بعدان مختلفان، يحيل أحدهما إلى دور النخب في ما وصل إليه عالمنا العربي من أزمات عصية، أشرنا إلى عدد من أخطرها. ويحيل البعد الآخر إلى ما لهذه النخب من دور مفترض في انتشال الشعوب العربية من محنها الحالية.
 
لا بد هنا من تحديد ماذا نعني بعبارة نخبة. وليس من همي في هذا الحيِّز اللجوءُ إلى التعريفات المدرسية الأكاديمية الكثيرة التي شغل بها المختصون في العلوم الإنسانية. بل سأكتفي بمنهج التعريف الإجرائي الوصفي الذي يحدد دلالة النخب بالقيادة الفاعلة في المجتمع التي تعبر فكريا عن هويته وتطلعاته وتجسد وعيه بذاته، وتتولى تمثيله سياسيا واجتماعيا وتدير شؤونه العامة.
 
النخب إذن، وفق تصورنا هنا، تشمل الزعامات السياسية والصفوة المثقفة، والقوى المدنية الفاعلة. ومن هنا أهمية تناول أدوارها ومسؤولياتها في معالجة الوضع العربي الراهن.
 
وبالرجوع السريع إلى الأدبيات الفكرية العربية المعاصرة، يتجلى أنها نظرت إلى دور النخب في عملية الإصلاح والتغيير والبناء الوطني من زاويتين:
 
زاوية أولى عبرت عنها مفاهيم وقيم الالتزام بدلالته الأيديولوجية المستمدة من المعجم الماركسي، أي ما تترجمه مقولة «المثقف العضوي»، التي بلورها الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، ويعني بها المثقف المنحاز إلى قضايا طبقته ومجتمعه، الذي يمارس العمل النضالي من خلال الفكر والثقافة والإبداع الأدبي والفني. ولقد نفَذَت هذه الأطروحة بصفة واسعة إلى الثقافة العربية المعاصرة، وشكلت الإطار المرجعي لنخب الحركة الوطنية التي قاومت الاستعمار، والنخب التي قادت عمليةَ بناء الدولة الوطنية وتحديث المجتمع.
 
أما الزاوية الثانية فترتبط بديناميكية الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي، التي استقطبت اهتمام النخب العربية في العقدين الأخيرين. لقد استقر في هذه المرحلة الشعور بأن دور النخب يجب أن يكون الدفاع عن قيم الحرية والتعددية السياسية وحقوق الإنسان، من أجل إصلاح الدولة الوطنية المتداعية ودفع التنمية المتعطلة وتحديث المجتمعات الراكدة.
 
وغني عن البيان أن ما عرف بحركية الربيع العربي قد كرَّس بقوة هذا المنظور الاحتجاجي لدور النخب العربية، الذي سنخصص له بعض الملاحظات الوصفية والاستشرافية.
 
وهكذا يبدو لنا من الضروري، بعد هذه التحديدات النظرية المقتضبة، التساؤل حول مسؤوليات وأدوار النخب العربية في الواقع الراهن الذي بدأنا بضبط مظاهر احتقانه وتأزمه.
 
ولنبدأ بالأزمة الأولى المتعلقة بانهيار الدولة الوطنية العربية التي أطلقت عليها النخب القومية عبارة «الدولة القطرية» واعتبرتها عديمة الشرعية مسدودة الأفق والمستقبل، كما أطلقت عليها «دولة التجزئة» وراهنت على اختفائها وانحسارها في الدولة العربية الموحدة المنشودة.
 
والواقع أن الخطاب السياسي للنخب العربية لم يسع في الغالب للتفكير الجدي الموضوعي في الدولة الوطنية التي هي الصيغة التاريخية الحديثة للتجمع السياسي المنظم، وهي من محددات وخصوصيات الحداثة، في مقابل الأشكال السابقة من الدولة التي عرفتها مجتمعاتنا العربية الإسلامية كغيرها من المجتمعات الإنسانية، كالدولة الإمبراطورية الوسيطة.
 
ففي حين ذهب بعض علماء الاجتماع والسياسة إلى التركيز على العوائق البنيوية التي تحول دون تشكل الدولة المركزية وتجذرها من هياكل عصبية وطائفية وإثنية، وقيل الكثير وكتب حول البنية الأبوية للمجتمع العربي، المانعة لقيام نموذج الدولة الوطنية السيادية، اتجه كتاب ومفكرون إلى الحديث عن تعارض الأمة والدولة في السياق العربي متأثرين بالتجارب الأوروبية التي عبرت فيها الدولة عن الأمة وجسدتها عمليا.
 
لا يتسع المقام هنا لمناقشة هذه الأطروحات، ولا نرى فائدة للإحالة إلى الإعلام والمراجع المعروفة في هذا الباب، وإنما سنكتفي بتقديم ملاحظات ثلاث أساسية:
 
أولا: أن الدولة الوطنية السيادية المركزية لا تتعارض ضرورة مع البنيات الاجتماعية العصبية والطائفية والإثنية التي لا تكاد بلاد في العالم تخلو منها. والحال أن الدولة الوطنية هي الضمانة الحقيقية لضبط هذه التناقضات والتصدعات من أجل تأمين المجتمع من الفتنة والتصادم، بما تقوم عليه من هياكل إدارية بيروقراطية ومؤسسات قانونية محايدة.
 
ثانيا: أن التجربة الأوروبية تثبت لنا أن الدولة الوطنية هي التي وحدت المجتمعات والبلدان ومنحتها هوية قومية مشتركة، وليس من الصحيح أن الوحدة القومية، بمعنى التجانس والتماثل، هي الشرط الموضوعي لقيام دولة وطنية صلبة. كما أن التجارب الكثيرة في العالم بينت لنا أن الأمة الواحدة قد تتوزع إلى كيانات سياسية متعددة، كما أن أغلب دول العالم متعددة ثقافيا وقوميا رغم تجذر هوياتها الوطنية.
 
ثالثا: ليس من الصحيح أن العالم العربي كان موحدا قبل أن تمزقه مخططات الاستعمار، واتفاقيات القوى الدولية المحتلة. فتجزؤ المحيط العربي ليس جديدا. وبعض الدول القائمة حافظت منذ قرون على استقلاليتها، وهويتها الوطنية، بل وحتى على نظامها السياسي كما هو شأن المغرب مثلا.ما نخلص إليه من هذه الملاحظات السريعة، هو أن على النخب العربية أن تراجع تصوراتها ومقارباتها للدولة الوطنية العربية التي أصبحت اليوم المثال الأقصى المنشود في مواجهة حركية التفكك والتآكل التي تعرفها بلدان عديدة.
 
ولا شك أن المصالحة التاريخية مع الدولة الوطنية لا تتعارض مع المطلب الاندماجي الوحدوي الذي سنبادر بالتعرض له في سياق حديثنا عن الأزمة الثانية من أزمات العالم العربي الراهن.
 
الأزمة الثانية إذن هي أزمة النظام الإقليمي العربي، الذي قام في أربعينيات القرن الماضي على دعائم ثلاث هي: مفهوم الأمة القومية، المستند لوحدة الماضي والمصير؛ ومفهوم الأمن القومي، المكرس لتضامن وائتلاف مكونات المنظومة العربية؛ ومركزية الصراع العربي – الإسرائيلي من حيث هو صراع وجود وهوية.
 
وإذا كان هذا النظام الإقليمي قد أفضى إلى تأسيس عدد كبير من مؤسسات العمل المشترك في مختلف المجالات في إطار جامعة الدول العربية، إلا أن الحصيلة العملية كانت دون المقصد والطموح. فلا تزال عشرات الاتفاقيات الموقعة بدون تنفيذ. ولم يزل المسار الاندماجي في تعثر. ولم تستطع مؤسسات العمل العربي المشترك تجنيب العرب أزمات الصراع، وتصادم المصالح، بل الحروب والقطيعة. كما أن النظام الإقليمي العربي أخفق في إدارة الصراع مع إسرائيل كما سنبين بعد حين.
 
إلا أن الواقع الماثل للعيان اليوم، هو أن النظام الإقليمي العربي نفسه قد دخل في مرحلة الانحسار، ولم يعد له أثر نوعي في الوجود العربي العيني والموضوعي.
 
لقد بدا من الجلي أن رهان النخب العربية على المسار الوحدوي العربي قد فشل. لا لأن فكرة العروبة كانت خطأ، ولا لأن هدف اندماج العرب وتوحدهم ليس مشروعا بل هو ضروري وملح، ولكن لأن مقاربة هذه النخب لوحدة العرب واندماجهم اتسمت غالبا بالغنائية الحالمة، وغابت عنها النزعة العقلانية والواقعية الموضوعية.
 
إن مفهوم الوحدة، كما تصَّورَتْه النخب القومية العروبية، قد قام، من وجهة نظــري، على تصـورين مغلوطين هما: دور الزعـامـة - القائدة والإقليم - القاعدة في خلق ديناميكية اندماجية جارفة تلتف حولها الشعوب العربية تلقائيا، وفهمُ الوحدة في شكل الكيان الاندماجي المتجانس الذي لا حدود فيه ولا حواجز.
 
التصور الأول هو الذي بلوره الفكر القومي العربي منذ ساطع الحصري وكرسته التجربة الناصرية في الخمسينيات والستينيات. والتصور الثاني هو الذي هيمن على خطاب النخب السياسية العربية الحاكمة أو المؤثرة في العديد من الدول العربية.
 
ما أثبتته الأزمة الحالية هو أن مشروع الوحدة العربية لا يمكن أن يتحقق بالقوة ولا بالتوسع والهيمنة. كما أن فكرة الوحدة الاندماجية ليست سوى طموح طوبائي غير قابل للتحقق. لذلك فإن مراجعة هذه الفكرة ضرورية حاليا لاستعادة النظام الإقليمي على أسس جديدة، وفق حقائق المرحلة وتجارب العالم الناجحة في الاندماج.
 
أما الأزمة الثالثة المتعلقة بالعلاقة بدول الجوار الجغرافي، فلا يمكن التعرض لها دون التنبيه إلى أن القوتين الإسلاميتين المجاورتين، أي إيران وتركيا، لم تعودا حاليا في موقع الجوار الجغرافي، بل تحولتا إلى طرفين فاعلين من داخل المنظومة الإقليمية العربية.
 
صحيح أن فكرة النظام الإقليمي العربي نفسها قد تصادمت منذ الخمسينيات مع مفهوم الشرق الأوسط الموسع، الذي يشمل تركيا وإيران. إلا أن ما نعنيه هنا ليس هذا المفهوم، الذي أعادت له إدارة الرئيس الأمريكي بوش الإبن الحياة ووسعته ليمتد إلى أفغانستان وباكستان. وإنما نقصد هنا أمرين مترابطين هما: تغير المرجعية الإستراتيجية لإيران وتركيا في اتجاه المنظور الإسلامي سواء بدلالته الطائفية الثورية (إيران) أو دلالته الجيوسياسية الأيديولوجية، أي العثمانية الجديدة في غطاء الإسلام السياسي (تركيا).
 
ماذا نقول إذن إذا كانت إيران أصبحت مسيطرة على قلب المشرق العربي في العراق وسوريا، في حين أصبحت تركيا - كما يراها كثيرون - المظلة الحامية لانشقاقات العالم العربي والقوة الفاعلة في تدبير أزماته؟
 
إن هذا التحدي العصي يطرح على النخب العربية سؤالا جوهريا يتعلق بالجغرافية السياسية للمنطقة بأنظمتها الإقليمية، وتأثير العوامل الطائفية والإثنية التي خلقت عمليا واقعا موضوعيا جديدا في ما وراء التقسيمات السابقة بين مناطق قومية متمايزة هي العالم العربي والعالم الفارسي الإيراني والعالم التركي الوريث للسلطنة العثمانية.
 
أما رابع الأزمات العربية فتتصل بالموضوع الفلسطيني، الذي لم يُعَالج في خطاب النخب العربية بصفته موضوع استعمار استيطاني صرف، بل اعتُبر بؤرةَ صراع قومي بين العروبة والصهيونية وصراعٍ حضاري مع الغرب، ومن هنا تعقدت إدارته وتضخمت مكانته في الاهتمامات العربية.
 
ليس من همنا التعرض لمراحل هذا الصراع المعروفة للجميع، وإنما حسبنا الإشارة إلى أن الموقف العربي الرسمي قد انتقل منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي من منطق الحرب والصراع المسلح إلى منطق السلام والتفاوض، بما عكسه مؤتمر مدريد في نهاية 1991 واتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993.
 
الجديد في الموضوع هو أمورٌ ثلاثة أساسية هي: نهاية مسار مدريد - أوسلو بكل مقتضياته ومستلزماته، والمبادرات المتفرعة عنه، بما يعيد القضية إلى نقطة الصفر وفق شروطٍ وموازينَ مغايرة عن حقبة التسعينيات؛ ونهاية شكل العمل السياسي الفلسطيني المتمحور حول منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني لدى العرب والعالم بما تدل عليه حقائق الوضع الفلسطيني من انقسام وتشتت وجمود؛ وتراجع الموضوع الفلسطيني في سلم الاهتمامات العربية والدولية.
 
تلك حقائق مريرة لا بد من الإقرار بها. ولا شك أن وقعها مأساوي على وعي وشعور النخب العربية التي عاصرت حركية العمل السياسي الفلسطيني والحروب العربية الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة، والتقليدية وغير التقليدية، وما حققه العرب من مكاسب دبلوماسية داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني إلى حد مصادقة الأغلبية المطلقة من دول العالم على قرار للأمم المتحدة يُصَنِّف الصهيونية دعوة عنصرية، وقد تراجعت الأمم المتحدة عن القرار في الأعوام الأخيرة.
 
وهكذا يظهر أن التحدي الكبير المطروح على النخب العربية اليوم هو إعادة تصور الموضوع الفلسطيني، وتحديد أدوات وآليات إدارته، بعد أن أدت المعادلة العملية التي كرسها الاحتلال إلى استحالة قيام دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة. بما يعني في الآن نفسه استفحالَ وضع التمييز العنصري داخل الكيان الإسرائيلي الموسع، وبروزَ أوراق جديدة في التعبئة والنضال السياسي من أجل استمالة الرأي العام الدولي لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني المحتل.
 
أما خامس الأزمات فتتعلق بالمسالة الدينية، وهي أزمة خطيرة ومتفاقمة، لها أبعاد ثلاثة متمايزة هي: العنف الراديكالي، الذي يستهدف المجتمعات والدول عبر الجماعات التكفيرية المتشددة التي تمارس الإرهاب الدموي؛ وتصديرُ الإرهاب إلى الدول الغربية باسم الجهاد ومنطق الشهادة بما حول الإسلام إلى مشكل
 
للعالم رغم براءته من سوء عمل هذه الجماعات المتطرفة؛ وبروز مشاريع حكم وبناء سياسي لدى المجموعات الراديكالية التي استفادت من انهيار الدول وتصاعد الصراعات الطائفية فيها بما هو جلي في النماذج الطالبانية والداعشية التي كثر الحديث عنها في السنوات الأخيرة.
 
إن النخب العربية تحتاج اليوم إلى وقفة حقيقية لمعالجة هذه الأزمة المتعلقة بالموضوع الديني، لتصحيح أخطاء نظرية وعملية عديدة طغت على الوعي والخطاب في العقود الماضية، مثل القول بأن الإسلام دين ودولة، في حين أنه ديانة لها بنيتها العقدية، ومنظورها القيمي، وأحكامها التشريعية، وليست نظاما أيديولوجيا للتعبئة واقتناص الحكم.
 
ومن بين هذه التصورات المغلوطة مفهوم الجهاد نفسه الذي تم تحويله من دلالة الحرب الدفاعية إلى مفهوم الحرب المقدسة الذي ساد في العصور الوسيطة في الأدبيات المسيحية.
 
صحيح أن بعض النخب تبنت في السنوات الأخيرة مفهوم الإصلاح الديني، المستند لفكرة الاجتهاد الحر، والقراءة النقدية التاريخية للنص. إلا أن هذه الجهود لا تزال محدودة، وقد زاد من وهنِها واقع المؤسسة الدينية الضعيفة، وطغيان الحركات الأيديولوجية التي سيطرت على الحقل الديني.
 
إن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن المأزق الكبير، الذي تعاني منه النخب العربية، هو الماضوية الجامدة التي تتدثر بغطاء الشرعية الدينية لنفي المستقبل والقعود عن دفع استحقاقاته. في حين المطلوب هو التسلح بالنظرة الاستشرافية الحية التي تصنع التاريخ وتكرس فاعلية الإنسان وإرادته الحرة.
 
*محـــاضـــرة محمد بن عيسى الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة وزير الخارجية والتعاون المغربي سابقا
 
**منتدى عبد الحميد شومان عمان 5 تشرين الثاني 2018
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات