عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Sep-2018

الشعراء النقاد

 القدس العربي-سلمان الحساني

لم تكن ظاهرة الشعراء النقاد وليدة اليوم، ولا وليدة الثقافة العربية فقط؛ بل عرف تاريخ الأدب الإنساني هذه الظاهرة التي يمتزج فيها العقلي بالعاطفي، والوعي باللاوعي. فمنذ العصر الجاهلي، والشعراء النقاد يهتمون بالقصيدة وينظرون في خصائصها ومواطن الجمال والقبح فيها، حتى سماهم الأصمعي بعبيد الشعر كما هو مشهور عند عموم الباحثين. وعند الغرب برز الكثير من الأسماء التي زاوجت بين النقد والإبداع بمختلف النوايا والأهداف.
ومن الواضح أن عمل الشاعر قول الشعر، وعمل الناقد مواكبة الإبداع بالسؤال والتحليل، ولذلك ينحصر الشاعر في خلق عمل فني مجسد، وقد لا يعرف صياغة ما يريد بمصطلحات فكرية، وقد لا يستطيع تأدية وظيفة الناقد التقويمية المتمثلة في إطلاق الأحكام على غيره من الشعراء المبدعين. وبناء على ذلك، يأتي دور العقل في عملية الخلق أو الصراع بين الإلهام والصنعة عند الشعراء النقاد، وقد سميت في ما بعد بالصراع بين اللاوعي والمعالجة الفنية الواعية، أي التنظير بالنقد والإبداع بالشعر. 
ويذهب باحثون آخرون إلى أن «التنظير النقدي لا يأتي من أفكار مجردة فقط، وإنما نتيجة تعامل مجسد مع نصوص أدبية تستنبط منها أحكاما نظرية»، إذ لا نتوقع وجود ناقد يؤسس نظريات جديدة بدون احتكاكه بأعمال إبداعية.
ولعل المتأمل في ثنائية «الناقد/الشاعر»، يرى أن المبدع ناقد بالقوة، لأنه يمتلك حاسة نقدية وثقافة واسعة في النقد، إذ تسمح له هذه الأخيرة بتطوير أدبه. ومن جهة أخرى فإن الناقد مبدع بالقوة – أيضاً- لأنه يتذوق الأدب فيعرف مواطن الجمال فيه بفضل ذائقته المصقولة بالثقافة. ومن هنا تأتي ميزة اجتماع الشاعر مع الناقد، حيث يعمل هذا الأخير على التعريف ببعض مظاهر التجديد، فتمتزج النظرية بالتطبيق، أي أن الشاعر الناقد يقوم بدور المجدد في جنسه الأدبي، ولذلك، كان لزاماً عليه أن يبدع نصوصاً أدبية تستجيب لمعايير التجديد في جوانب معينة، كما دعا إليها في نقده. وأحيانا «يضطر المبدع إلى الكتابة النقدية كي يدافع عن ممارسته الأدبية، خاصة حين يكون مجددا، فيبرر وجهة نظره ويؤسس في الوقت نفسه لدعوته التجديدية». 
ويمكن تقسيم الشعراء النقاد إلى نوعين: نوع يمارس النقد على أدبه فقط، بغية تحسينه وتطويره؛ وهذا النوع يكون ضيق الرؤية غير مجدد في الشعر. ونوع منتج للنقد، أي أنه يمارس النشاط الإبداعي إلى جانب النشاط النقدي. وغالبا ما يكون هذا النوع مجددا في الأدب. ومنه، فإن «النقد الحقيقي الأصيل هو نقد الشاعر الناقد الذي ينتقد الشعر من أجل أن يخلق الشعر»، إنه «النقد الولادي» كما سماه رينيه ويليك . وقد «قلل ت. س. إليوت من أهمية نقده هو، باعتباره مجرد نتاج جانبي لنشاطه الخلاق، وباعتباره كتب ضمن سياق الأدب الذي ظهر فيه فترة كتابته»، كما يصر هذا الأخير باستمرار على «الحكم على نقده باعتباره محكوما بالمناسبات، كُتب لفائدته هو ولفائدة غيره من الشعراء، ولا يكاد يعترف بأن النقد قد كتب لغير الشعراء في الغالب الأعم»، ومن هنا نُدخل ت.س. إليوت في خانة النوع الأول من الشعراء النقاد، على الرغم من عُلوِّ هامته في حقل الأدب الإنكليزي.
ويضم الأدب العربي الحديث عدة نماذج من النوع الأول، وهي ليست موضوع بحثنا. كما يضم عدة نماذج من النوع الثاني، وهي موضوع اشتغالنا في هذا البحث.
والمتتبع لمسار ظاهرة الشعراء النقاد يجد أمثلة كثيرة في الأدب العربي القديم، كدعبل الخزاعي (ت 220 هـ) وابن المعتز (ت 296 هـ) وابن رشيق القيرواني (ت 456 هـ) وابن حزم (ت 456 هـ) وابن خفاجة (ت 533 هـ) وحازم القرطاجني (ت 684 هـ) وغيرهم. وفي الأدب العربي الحديث نجد هذه الظاهرة لدى مدرسة الديوان وتيار الرابطة القلمية ومدرسة أبوللو، وأبو القاسم الشابي ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وعلي أحمد سعيد(أدونيس) وأحمد المجاطي ومحمد بنيس وغيرهم، وفي الأدب الغربي برزت أمثلة باهرة من الشعراء النقاد، ومنهم دانتي وغوته وإليوت وغيرهم. وقد اعتبر رينيه ويليك أن دراين ووردزورث وكولردج من أعظم الشعراء النقاد الإنكليز، فقد استطاع هؤلاء بشكل ما أن يتقلبوا بين الشعر والنقد، لكن يجب ادعاء أنهم أمثلة ناجحة لاتحاد الشاعر والناقد فيهم، وذلك بدون أن تمزقهم الصراعات الداخلية بين العاطفة والعقل.
ولعل أقدم غزوٍ نقدي للشعر، أو أقدم تحالف بين الشعر والنقد في الأدب العربي، تتمثل في نظم العلوم، مثل «ألفية النحو والصرف» و«لامية الأفعال» لابن مالك الأندلسي (ت 672 هـ) والمنظومة البلاغية الموسومة بـ«الجوهر المكنون» لعبد الرحمن الأخضري (ت 953 هـ) و«منظومة الشبراوي في النحو» للشبراوي (ت 1171 هـ) و«منظومة العطار في النحو» للعطار (ت 1180 هـ)، وكان العلماء ينظمون العلوم لسهولة حفظها من لدن طلبة العلم.
وفي الأدب الغربي، بدأ تحالف النقد والشعر عند هوراس في منظومته «فن الشعر» وفيدا في «البويطيقا» وبوالو في «فن الشعر» وبوب في «مقالة في النقد» وغير ذلك، وكان هذا النوع الأدبي صيغة من صيغ الشعر التعليمي الذي نظم في الفلسفة وعلم الفلك وغيرهما، ثم عاد ليظهر بشكل جديد في القرن العشرين. 
إن «اتحاد الناقد والشاعر اتحاد قلق لا يعرف الاستقرار»، ولم يسلم هذا التحالف من العدوانية، حيث اعتبر شايبر أن النقد ينتعش عندما يفشل الأدب، كما اعتبر – أيضا- أنه من الواجب على الشاعر والناقد الافتراق لا الاجتماع والائتلاف. واعتبر راندال شارل أن النقد يأتي بعد الأعمال الفنية، ولا يوجد الناقد إلا للمساعدة على فهم الأعمال الفنية. وقد اعتبر البلاغي محمد مشبال أن الناقد مستقل عن الأديب، نظرا لاستقلال وظيفة النقد عن وظيفة الأدب، حينما قال: «إن وظيفة النقد الأدبي هي قدرته على ترسيخ وعي نقدي وإرساء معايير للقيمة الأدبية، ولذلك يستقل النقد عن الإبداع الأدبي».
وقد وصلت العدوانية بين الأدباء والنقاد إلى حد بعيد، حتى قال رينيه ويليك: «وما يجعل الإنسان حَكماً مناسباً على شيء ما هو عجزه عن خلقه»، وهذا يذكرنا بالقولة العربية الشهيرة: «الناقد أديب/ مبدع فاشل»، وقد علق عليها الناقد نجيب العوفي بقوله إن «النقد ضرب آخر من الإبداع، ومن عيار ثقيل». وسواءٌ اختلف أو اتفق المهتمون بهذه الظاهرة (الشعراء النقاد) وما تثيره من إشكالات، فإننا نعتبرها عنصراً تكميلياً وقطيعةً إبستيمولوجيةً بين إبداع ضعيف ونقد ضيق، خاصة أنها تُسهم في تطوير الديناميتين معاً: النقدية والإبداعية.
 
٭ طالب باحث من المغرب
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات