عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Dec-2018

في اليمن.. الموسيقى من عُلب الزيت..!*علاء ابو زينة

 الغد-اليمن في الخيال العربي شيء يتصل بالجذور. فإذا فهم العربي أن أصوله الأولى تنحدر من اليمن –والكثيرون يقولون ذلك- فإنه يتيقن من أنه عربي قُحّ. واليمن أول سرديات العرب، ومسرح الحقائق والأساطير. هو بلدُ سيف ابن ذي يزن الذي طرد الأحباش، والذي يُقال إن أمه جنيّة. وهو بلد بلقيس، ملكة سبأ التي ذكرتها الكتب المقدسة؛ في سفر أشعياء في العهد القديم، وفي سورة النمل في القرآن الكريم. وهو بلد سدّ مأرب في بدايات الألفية الأولى قبل الميلاد، والذي يُعتبَر معجزة تاريخ شبه الجزيرة العربية. وهو "البلد السعيد"، كما سمّاه الرومان، الذي استعصى بناسه وتضاريسه على الغزاة. وتقترن الجنة العُلوية الموعودة –اتفاقاً أو قصداً- بشيء من اليمن، "جنة عدن".

واليمن هو البلد الغني بالثروات، ومع ذلك يعيش معظم أهله مع الفقر. وهو بلد التجار البارعين، وبلد القهوة والقات. والممالك والغزوات. وبلد الموسيقى التي لها إيقاعاتها وشجنها وروحها الخاصة. والموسيقى اليمنية متصلة بعمق بآلة العود بالتحديد. ولليمنيين في عزفه تقنيات وأساليب صعبة على غيرهم، حتى من العازفين  في الجزيرة العربية نفسها.
والعود آلة ليست بسيطة التكوين مثل الناي الذي يُؤخذ من القصب ويُثقَب. فللعود صُنّاع ومقاييس وهندسة تُفرق فيها القوالب والمقاييس، ونوع الخشب واستواء الأجزاء، والكثير من التفاصيل. وقد يبلغ ثمن العود الجيد أعالي المئات وأول الألوف. لكن لليمنيين البُسطاء الذين يعشقون هذه الآلة طريقتهم في جعل كل هذه التفاصيل عن صناعة العود وطقوسه وعازفيه فائضة وترَفاً. ببساطة، يقول لك هؤلاء الموسيقيون: التقط وعاء زيتٍ سيارات فارغ من قارعة الطريق، وثبت فيه خشبة (زنداً)، واستعِض عن الملاوي المنحوتة التي تشد الأوتار بمسامير معدنية مطوية في زاوية، وسيصبح لديك عود.
يعرض "يوتيوب" كثيراً من الفيديوهات التي يعزف فيها اليمنيون على هذا العود البسيط. وأقول يعزفون، لأن هذا ليس مثل الآلة التي كنا نصنعها ونحن أطفال بعلبة وسلك معدني وتصدر صوتاً واحداً –إن فعلَت أساساً. فالعازفون اليمنيون على العيدان من أوعية الزيت يدوزنون الأوتار –يدوزنونها حرفياً- ويعزفون موسيقى حقيقية بمقامات كاملة ويصاحبوها بالغناء. ولأن هؤلاء العازفين أطفالا أو رجالا فقراء، كما لا تخفي مظاهرهم ومسارح عزفهم (على قارعة الطريق)، فإنك قد تقارِن أول الأمر بين هؤلاء العازفين وآلاتهم وبين العازف صاحب الأناقة والقيافة على المسرح، ولا تتوقع شيئاً. لكنّ بعد ذلك تسمع موسيقى محترِفة، وكأنما تأتي من اللامكان.
بعض الأعواد المعنيّة جسمه غالون زيت بلاسيتيكي كبير (من سعة 20 أو 25 لتراً)، وبعضها مصنوع من الغالون المعدني الأصغر كثيراً. ويظل هذا العود الذي لا يُعتنى بمظهره محتفظاً بالطلاء وشعارات شركات النفط التي تصنع الزيت. وتجد على وجه العود مثلاً شعار شركة "شِل" النفطية الأميركية، أو MP Oil. وكأن هذه الشعارات ماركات أعواد بديلة غير أعواد "محمد فاضل" أو "نجم عبود". ويصنع اليمنيون من هذه العلب الأجنبية أعواداً عربية، وكأنهم يقولون بذلك شيئاً يمكن الإصغاء إليه لشركات النفط الغربية التي كانت مصالحها سبباً في سرقة السعادة من سكان هذه المنطقة، باستعبادهم ونهب مواردهم.
في الحقيقة، لم أشاهد في أي مكان آخر في العالَم العربي مثل هذا الشغف الأصليّ بالموسيقى والعود، أو هذه القدرة الفطرية على صناعة عودٍ حقيقي من لا شيء، مثلما في اليمن. ولم أشاهد في أي مكان عازفي عود عازفين عن العناية بالمظهر الشخصي أو بمظهر العود نفسه، أو المسرح أو نوعية الجمهور، مثل العازفين المطبوعين الذين يجعلون من علبة زيت نبع موسيقى.
تظل الصور عندنا –نحن الذين لم تُكتب لنا زيارة اليمن عياناً- مختلطة وأقرب إلى الانطباعات. ومع ذلك، يبقى اليمن، بقدر ما هو بلد التناقضات والأخيلة، حقيقياً ومفرط الحضور هذه الأيام، بوجعه وناسه المتعبين الذين يحبون الحياة ويستحقون الحياة. وثمة الكثير الذي يمكن أن يُحكى عن سياسة اليمن وتعقيداته؛ عن التضاريس الصعبة والتوازنات والتاريخ وما يجري وكيف يجري. لكنّ هؤلاء اليمنيين الذين يصنعون الموسيقى من علبة زيت، يقولون لك مجمل الحكاية، ببساطة الآلة التي يُغنّون عليها.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات