عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Jul-2017

بريطانيا والحل النرويجي

الغد-أناتول كاليتسكي
 
لندن- بعد فترة وجيزة من القرار الذي اتخذته رئيسة وزراء المملكة المتحدة تيريزا ماي بالدعوة إلى عقد انتخابات مبكرة على نحو لم يكن متوقعاً، كتبت أن مؤيدي أوروبا في بريطانيا ربما ينتزعون النصر من فكي الهزيمة. ولكن الإطار الزمني الذي تصورته كان خمس سنوات، وليس خمسة أسابيع.
من المستحيل أن نتنبأ الآن إلى متى قد تبقى تيريزا ماي في منصبها. فمصيرها يتوقف على منازعات شخصية ثأرية وخصومات سياسية معقدة، ليس فقط في لندن، بل وأيضاً في أدنبرة وبلفاست. ولكن، في محاولة استباق نتائج التفاوض على الخروج البريطاني، لم يعد السؤال المهم يتعلق كثيراً ببقاء تيريزا ماي السياسي.
فهل تتحول حسابات بريطانيا البرلمانية والرأي العام لصالح أو ضد "الخروج القاسي" -الحملة الصارمة ضد الهجرة والانسحاب من الاتحاد الجمركي التابع للاتحاد الأوروبي، والسوق المشتركة، والولاية القانونية- الذي خططت له ماي حتى قبل الانتخابات؟ وإذا تحول البريطانيون ضد أجندة ماي، فهل يقدم لهم زعماء الاتحاد الأوروبي تسوية تحفظ لهم كرامتهم على غرار تلك المقدمة للنرويج، التي تظل خارج الهياكل المؤسسية للاتحاد الأوروبي، ولكنها تقبل أغلب الالتزامات والتكاليف التي تفرضها عضوية الاتحاد الأوروبي في مقابل الفوائد التجارية التي تعرضها العضوية في السوق المشتركة؟
إن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي المماثلة لتلك مع النرويج تُعَد النموذج الوحيد الذي ربما يجتذب التأييد العام والسياسي في بريطانيا، من دون تهديد مبادئ الاتحاد الأوروبي أو فرض تكاليف اقتصادية جسيمة على أي من الجانبين. والترتيبات المؤسسية لهذا الخيار قائمة بالفعل، في هيئة المنطقة الاقتصادية الأوروبية، والتي تمثل غرفة انتظار من نوع ما لعضوية الاتحاد الأوروبي الكاملة، والتي تشغلها حاليا ثلاث دول أوروبية صغيرة ولكنها مزدهرة: النرويج، وأيسلندا، وليختنشتاين.
في ثمانينيات القرن العشرين، درست هذه الدول عضوية الاتحاد الأوروبي، ولكنها قررت لأسباب مختلفة عدم الانضمام. وكانت جميعها راغبة في دمج اقتصاداتها وأسواق العمل لديها في أوروبا، وبعد التصويت لصالح الخروج البريطاني، كان من المتوقع على نطاق واسع أن تحاول بريطانيا التفاوض على ترتيبات مع المنطقة الاقتصادية الأوروبية على غرار تلك مع النرويج، بدلا من الانفصال التام الذي تقترحه تيريزا ماي.
في شهر أيلول (سبتمبر)، وبعد ثلاثة أشهر فقط من تولي منصبها رئيسة للوزراء، فاجأت ماي العالَم باستبعاد خيار المنطقة الاقتصادية الأوروبية فعليا، قائلة أمام المؤتمر السنوي لحزب المحافظين إن أولئك الذين يسمون أنفسهم "مواطني العالَم" هم في حقيقة الأمر "مواطنون بلا وطن". وفي كانون الثاني (يناير)، أعلنت رسمياً أن بريطانيا لن تسعى إلى الالتحاق بعضوية السوق المشتركة في الاتحاد الأوروبي، لأن هذا يتطلب حرية الانتقال، وهو الموقف الذي أكده بيان حزب المحافظين الانتخابي.
ولكن، هل يظل نفور تيريزا ماي من المهاجرين مؤثراً في هذا السياق، بعد أن جعلتها انتخابات الثامن من حزيران (يونيو) رئيسة وزراء بلا صلاحيات وبعد أن بات من المنتظر أن تدفع الاصطفافات البرلمانية غير المستقرة والتوازنات المتحولة للرأي العام مفاوضات الخروج البريطاني؟
سوف يكون الرأي العام بشأن الهجرة العامل المحدد الأكثر أهمية في السياسة الأوروبية البريطانية في الأشهر المقبلة. وتشير نتائج الانتخابات غير المتوقعة، والمدعومة بأدلة قوية من عملية الاقتراع، إلى أن المواقف العامة في ما يتصل بحرية انتقال البشر أكثر تنوعا وأقل عدائية مما افترضت خطابة ماي وبيان حزب المحافظين.
الواقع أن الناخبين البريطانيين يؤيدون حرية الانتقال غالبا، إذا لم تقدم باعتبارها فرضا معاديا للديمقراطية من قِبَل بيروقراطيين أجانب، بل بوصفه حقا يتمتع به البريطانيون ومواطنو الاتحاد الأوروبي على نحو متبادل. في أيار (مايو)، أضافت شركة استطلاع الآراء البريطانية "يوجوف"، التي كانت الأقرب إلى توقع نتائج الانتخابات، إلى استطلاع الآراء الأخير قبل الانتخابات والذي شارك فيه 1875 ناخباً السؤال الآتي: "في التفاوض على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هل تعتقد أن حكومتنا ينبغي لها أن تقدم لمواطني الاتحاد الأوروبي حق السفر أو العمل أو الدراسة أو التقاعد في بريطانيا، في مقابل إعطاء دول الاتحاد الأوروبي الحقوق نفسها للمواطنين البريطانيين؟". (لغرض الإفصاح الكامل، اقترحت هذا السؤال منظمة "بست أوف بريطانيا"، التي ساعدت في تأسيسها وأتولى رئاستها).
وقد تحدت الإجابات الرأي التقليدي السائد. فقد فضل الناخبون في هذه العينة المنتقاة بعناية حرية الانتقال بواقع أربعة إلى واحد. فوافق 62 % من المشاركين، في حين رفض 17 %، وأجاب 21 % "لا أدري". وعلاوة على ذلك كانت هناك أغلبيات واضحة لصالح حرية الانتقال في كل مجموعة فرعية من العينة، سواء كانت مصنفة حسب العمر، أو المنطقة، أو الانتماء الحزبي، باستثناء واحد: الأقلية الصغيرة من الناخبين الذين دعموا حزب استقلال المملكة المتحدة المناهض للمهاجرين.
وكانت الخلاصة هي أن علاقة جديدة قائمة على نموذج المنطقة الاقتصادية الأوروبية، وتسمح للبريطانيين بالاحتفاظ بأغلب فوائد الاتحاد الجمركي في الاتحاد الأوروبي والسوق المشتركة إلى جانب حرية انتقال البشر، لن تكون أقل إيلاما من الناحية الاقتصادية فحسب مقارنة بالخروج القاسي؛ بل ستحظى أيضا بدعم أغلبية كبيرة من الناخبين. وسوف تحظى التركيبة التي تتألف من عضوية السوق المشتركة وحرية الانتقال بالشعبية بشكل خاص بين مجموعة كبيرة من الشباب الذين نزلوا للإدلاء بأصواتهم الأسبوع الماضي لأول مرة والذين يعتبرون القدرة على العيش أوالعمل أو الدراسة في أي مكان في أوروبا فائدة أساسية من فوائدعضوية الاتحادالأوروبي، وليست تكلفة.
من منظور السياسة البريطانية، من الممكن أن تصبح عضوية المنطقة الاقتصادية الأوروبية النجم الهادي الذي يرشد مفاوضات الخروج البريطاني في الأشهر المقبلة. ولكن كيف قد يستجيب الاتحاد الأوروبي؟
من منظور دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، ينبغي لمفاوضات الخروج البريطاني القائمة على عضوية المنطقة الاقتصادية الأوروبية أن تكون نتيجة مقبولة تماما، وربما حتى موضع ترحيب. بالطبع، لن ترقى عضوية المنطقة الاقتصادية الأوروبية إلى انتقاء البريطانيين لفوائد الاتحاد الأوروبي على هواهم، وهو ما ترفض قبوله دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، وهو أمر مفهوم.
يرجع هذا إلى أن عضوية المنطقة الاقتصادية الأوروبية، بكل المقاييس تقريباً، أقل كثيراً من عضوية الاتحاد الأوروبي. فبالإضافة إلى قبول حرية انتقال البشر، يتعين على أعضاء المنطقة الاقتصادية الأوروبية أن يتبعوا القواعد التجارية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي وأن يقبلوا القرارات الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية، من دون الاضطلاع بأي دور رسمي في صنع هذه القواعد والقرارات.
ولهذه الأسباب، عندما تأسست المنطقة الاقتصادية الأوروبية في العام 1994، كان المقصود منها أن تعمل كترتيب انتقالي مؤقت فحسب للدول -مثل النمسا، والسويد، وفنلندا، والنرويج- والتي كانت تخطط لاكتساب عضوية الاتحاد الأوروبي، ولكنها لم تكن مستعدة بعد للانضمام إليه. وبالنسبة للنمسا والسويد وفنلندا أتت العضوية الكاملة على النحو المنشود. ولكن في النرويج، رفض الناخبون عضوية الاتحاد الأوروبي في استفتاء وما يزالون يرفضونها. والآن امتدت عضوية النرويج "المؤقتة" في المنطقة الاقتصادية الأوروبية إلى 23 عاماً. فهل تكون هذه سابقة لبريطانيا؟
 
*كبير الاقتصاديين والرئيس المشارك لـ"غافيكال دراغونوميكس". وهو كاتب عمود سابق في صحيفة التايمز في لندن، وصحيفة نيويورك تايمز الدولية، والفاينانشال تايمز، وهو مؤلف "الرأسمالية 4.0، ولادة اقتصاد جديد"، الذي توقع الكثير من التحولات بعد الأزمة في الاقتصاد العالمي. وأصبح كتابه المعنون "تكاليف التخلف عن السداد" الصادر في العام 1985 مؤشراً مؤثراً لحكومات أميركا اللاتينية وآسيا في التفاوض بشأن حالات العجز عن سداد الديون وإعادة الهيكلة مع المصارف وصندوق النقد الدولي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات