عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Jan-2013

الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى بعد ديوانه 'رعاة الدفلى':ليأت كل بفكرته دون أن يسدد المسدس إلى رأسي؟

القدس العربي - باسم سليمان - الوطن حلم يفضي إلى أبديتك. ثمة ربيع شعري قادم. النص المبدع تخليد لصاحبه. ما سبق هو نوافذ من الحوار مع الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى وعادة ما يجبّ الشعر شاعره وهذا ما يأمله كلّ شاعر وفي هذا الحوار محاولة للموازنة بين صوت الشعر وصوت الشاعر.
1- اغترب تتجدد هكذا قال الشاعر العربي يوماً؛ ما الفرق بين الشاعر المقيم في وطنه والشاعر المغترب وخاصة أنّ الغربة كانت في الكثير من أحوالها هروبا من الوطن!؟.
طالما الشعر في حالة طلاق مع الثبات، ورفض الانتماء إلا لماء الكتابة، فلا ينبغي للشاعر أن يكتفي بالتورط بالتعلق بالوطن بوصفه مكانا ً جسداً، لا فكرة روحاً. فالوطن ليس جغرافيا، بل حلم يفضي بك إلى غد مفتوح على أبديتك. لا عَلَماً، لا يكفي الهواء تحته كي تتنفس بحرية، أو أرضاً تحرثها بأصابعك كي يختلس آخرون زرعك. قلت مذ بدأت الحياة بالشعر وللشعر : وطني أنا مادمت أخلقه بماء كلمتي فكرة روحاً، جسداً مكانا ً على الورق أقيم فيه. حلماً يفضي إلى عالم يكسر صورة رب جند العهد القديم. وطني رواية الإنساني في مواجهة أسطورة القتل والمحو التي يقوم عليها الإسرائيلي، وأنا وطني : بملامحي التي لا تشبه سواي إلا من يتآخى معي على فكرة الوطن ذاته، وبانكساراتي التي أحملها على ظهري متفرداً بها بين سواي لتدل ّ علي ّ، وبحبي الكبير الذي أنتصر به على الموت المعدّ مسبقاً على هيأتي كما شاء قاتلي.
ومنذ لهجت بالشعر كنت ُ أنا الفلسطيني وفلسطين معي نهرب من خطاب القصيدة تلك التي جعلت الفلسطيني سوبرمانا ً خلق ليُقتل ويمنح ألقابا ً وأوصافاً لا تنتمي للحياة إلا بما شاءت الرؤية السياسية، وجعلت فلسطين مفردة، أو نون نسوة يستدرجها الشاعر إلى حظيرة كلمات مثقلة برمز التراب والبرتقال والحاكورة..الخ، وكانت تلك القصيدة في جلها رديئة فنياً أساءت لفلسطين كقضية جمالية.
ولأن فلسطين هناك كانت مغتصبة ممن نصبوا أنفسهم أوصياء عليها، وأكلوا لأنفسهم الألقاب والأوصاف الكاملة، وسطوا باسمها على حريتي في الكتابة عنها إذ أكتب عني : فأنا هي، وهي أنا، هربت بعبء حريتي إلى هنا لأدرأ عنها أثقال التباسهم بهوائها ومائها وسمائها وأسمائها. هنا علوت بصوتي : فلسطين سيدتي، وأنا سيدها : نحن العاشقين العارفين بدروب الحب والآلام معا ً، أما هم فظلوا أسرى خطابهم الثابت بما يدعو للريبة، والملتبس على نفسه كونه أول نفسه الأوحد العارف - المطلق : إذ جعلوا من فلسطين جغرافيا متنازع عليها، وقدموا دم الشهداء الذين دقّوهم نياشين وألقاب على صدورهم الخاوية أنخاباً على طاولات التفاوض.
أنا اللاجئ، المولود في مخيم ببيلا، المتروك منهم على رصيف الوقت، لم يكن لي وطناً هناك غير تلك السِيَر الجارحات في ذاكرات آلي و ذوي ّ وصحبي و التي لم أشأ أن أحتفظ بها كغيري في صناديق السلالة، حملته، كما الحلزون، على ظهري في المطاردات، والأقبية، ومطارات المدن الكبرى، والنقاشات حتى مع أعداء فلسطين ومحتليها فيما بعد، لأذكّر إن نفعت الذكرى : الوطن لاجئ بي مثلي يا سادة، ولن يعود إلي ّ إلا بعودتي إليه.
إذن لم يكن لي وطن لأهرب منه. أنا الهارب إليه، وهو الهارب إلي ّ من المجازر والحروب الصديقة والعدوة علي ّ وعليه.
الوطن في المنفى لا يلتبس عليك إلا بك. يصبح هواء واسعا ً كسرير عاشقين، لا أنفاساً تعلو وتهبط كما يقتضيه الخطاب. يغدو ماء حياة، لا مجرى لنهر يجف ّ ويرتاده السياح وحاملي زجاجات الماء لتقديم مساعدات إنسانية لك. هو كل شيء حين يريدونك أن تقبض على اللاشيء منه.
وهنا في المنافي، يصبح وطنك وثيقة السفر الفلسطينية التي تدل عليك ويدقق فيها شرطي عابر أو ماكث بانتظارك في مطار ما، لكنك تدل عليه بأنك ما زلت حيا ً تغيظ أحداً ما، كونك تكتب الوطن في كلامك، وتتنفسه آناء المنافي وبلاد السلالة التي تتغرب فيها كلما أصبحت فلسطين سيرة غرباء فيها تشير عليهم مقابرهم ومخيماتهم في المدن أو الصحارى، وكذا فروع الأمن والسجون التي تشي بك وبها.
رواية الوطن كلها تختلط بروايتك كونك وريثها الشرعي، تماما ً كما تتجلى روايتك الخصوصية عنصراً متحركاً في علاقة أبطال رواية الوطن به، وبعالمهم وعالمه المحيط معاً. تصبح أنت والوطن كلمة واحدة تبحث عن وطن لها في القصيدة، تصبح فيما بعد القصيدة الوطن..
2- ما الجديد الذي يمكن للشعر أن يقوله وهل لشعراء الزمن الحالي هروب من متردم الشعر!؟.
بل قل ماذا قيل في الشعر وله. بالشعر يصبح العالم محكوماً بالحب ّوالجمال. لكننا أمّة، وإن اعتبرت ذاتها سيدة الشعر في العالم وهذا ما أشك فيه أصلاً طالما أن شعر الأمم الأخرى هو السائد والأجمل إن لم يقل ّ جمالاً وقابلية، لا تقرأ الشعر بل تحتفي به للإنشاد والخطابة. أمة لم تقرأ المعري بالقدر الذي حاكمته على زندقته، فيما لا تزال تنشد الخيل والليل ، مثالاٌ لا حصراً. فأين الشعر بين هذين ؟ وهي ذاتها ما تزال تقارن إعجاز القرآن بالشعر الجاهلي. فكيف يمكن الاتكاء على مقاربة اللغة الإلهية القادمة من السماء بالوحي، بلغة بشر يتغزلون بالخمر والنساء ويعلون شأن القتل القبلي ّ ؟ وهل من اللائق أن نربط الزمن الإلهي المطلق بزمن جاهلي جاء القرآن لينقطع عنه ؟ ثم، كيف يجوز تعليق أمر أول كتاب عربي قدم رؤية جديدة للإنسان والعالم، وابتدأ بأن : اقرأ، بشأن شعر قائم على الخطابة وهو جزء من ثقافة شفوية قائمة على الصوت الإنشاء، لا على التأمل المجاز ؟
إذن، أمتنا تنتصر للخطابة والبيان مقابل الكتابة والمجاز، أبداً، طالما نعلي من شأن الشعر القديم ربطاً بقدسية القرآن.
وتلك حالتنا اليوم. وإلا لماذا الحروب الفقهية والتكفيرية ضد المبدع الجديد ؟ ولم اتهام قصيدة النثر وشعرائها بالارتباط بثقافة الآخر العدو مذ أعلنت انخلاعها عن عرجون القصيدة العربية ؟ وهل تقرأ هذه الأمة نزار قباني أو محمود درويش أم تحفظ إنشادهما في الكاسيتات أو اليوتوب، مثالاً لا حصراً؟.
الشعراء السائدون، في أغلبهم، نتاج ثقافة سائدة. معظمهم كالموضة والسياسيين العرب، منهم من يصبح بفعل التجدد هباء منثورا ً، ومنهم من يذهب عصفاً مأكولاً بفعل ثورة الحداثة كسياسيينا الذين مضوا بالخلع أو العجز. ثمة ربيع شعري قادم لاشك. فحرب الجمال وداحس والغبراء لم، ولن تنتصر على الحداثة ممثلاً في الفيس بوك نموذجاً. والحداثة الشعرية لا يمكن أن تكون نبتة شيطانية في واد غير زرع، الأمر الذي يقتضي أن تحفر ذاتها لذاتها في مجرى السياق الحداثوي الشامل بإعلان القطيعة عن الثابت المألوف غير المتحرك في النسق الثقافي والإنساني ، تماماً كما لا يمكنها الانفصال عن حركة الحداثة الشعرية العالمية. ولا بد سيقود هذا إلى تجاوز السائد الشعري بخلق شعر حداثي ّ يدعو للقراءة والتأمل بصمت، لا للإنشاد والخطابة بالصراخ والتصفيق. وطالما الحداثة الشعرية نص يتحرك في المستقبل بتحولاته غير منتم ٍ للأنماط المنجزة الثابتة بالشكل والتعبير الشعريين المألوفين المقدّمين، فلزام عليك الاتفاق معي أن ما كتب من الشعر فقليله، ومبدعه أقل ّ. لدينا شعراء كثيرون، لكن الشعر قليل.

3- فلسطين ما الذي يتبقى منها لشاعرها بعد محمود درويش وأنت القائل: محمود درويش يتكئ على السماء وينظر للأعلى!؟.
قولي هذا صار متنا ً لعلاقتي بدرويش منذ منتصف الثمانينات في القرن الماضي، حين استدرجت دمشق بعد سقوط بيروت، وقد أملت أن ترثها كعاصمة ثقافية عربية، شعراء ومثقفين وأشباهم بأجناس وألسنة مختلفة ليكيلوا الهجاء لمحمود درويش بأمر من ساداتهم ومموليهم. ذهبوا هباء وبقي درويش وقولي الذي ارتبط به ! وأعدت ذلك القول بأشكال مختلفة في كتاباتي، سيما في كتابي الكلمة والروح في الشعرية العربية مقدمة في علم جمال شعري عربي، خلل استقراء التحولات الخصوصية التي خلقها درويش في النص الشعري خاصة في تسعينات القرن الماضي وما تلاها، وكذلك في محاضراتي في جامعات عديدة. ولم أتجنّ على الممارستين الشعرية والتنظيرية حين قدمت أن درويش أحد أهم شعراء القرن العشرين في العالم، سيما في كتاباته الأخيرة..
لكن السماء التي يتكئ، ما يزال، عليها درويش لا تحجب أفلاك التأمل، بل هي كِسرة سماء خاصة تؤسّس لفضاء عليك البحث فيه عن ماء كتابة خصوصية. سماء درويش هذه أُؤِّلُها اليوم بأنه كتب سقف قصيدة تظلل بها الشعراء المنشدون وممتهنو الاحتفالات، وظلوا يحاكون ظلالها العاليات. لكن هناك نصاَ جمالياً متحركاً إلى مستقبل إبداعي خصوصي، فلسطيني، لم يقع في رقعة الرؤية ' في عصر درويش، طالما توقف النقاد والجمهور عند الحدود الشعرية التي سطا عليها درويش بعبقريته الاستثنائية وبالاحتفائية غير المعهودة في التاريخ الثقافي العربي بمنجزه الشعري ّ. طغيان القصيدة الدرويشية ظلم النص المبدع، لكنه حرض على خلق نص آخر، لا يتورط بفلسطين التي خلقها درويش في كلامه وطناً له , فيما تعسف علينا، كشعراء فلسطينيين جايلنا درويش، النقد والجمهور العربيين معاً، حين استقدم شاعريتنا ليراها في المرايا ذاتها التي تطاولت فيها قامة درويش، ولم نكن ظلاً له ملتبساً على الجسد المكان الذي خلقناه كلاماً على الورق، أو العالم الذي قدمناه رؤيا جديدة لفلسطين التي هي نحن أنفسنا ملامحاً وحلما ً وانكسارات وحالات عشق وخيبة وأمل..الخ. وأذكُر، وهنا أذكّر عل الذكرى تنفع أن شعراء كبار كممدوح عدوان وعلي الجندي وفايز خضور وسواهم رأوا في نصي الشعري، نهاية سبعينات القرن الماضي وعمري 19 عاماً في إحدى المهرجانات الشعرية، جمالية تفترق عن النص الفلسطيني الآخر، لكنهم قارنوها بمدى ابتعادها عن النص الدرويشي، وطالما كتب آنذاك حسان عزت مقالة في تشرين عن انزياح نصي هذا عمن سواه، كتب عبد الإله الرحيل في الجريدة ذاتها مقارنة بيني وبين درويش. يالتعاسة النقد والنقاد بعده !.
هكذا، كنا محكومين برحمة مثل هذه النظرة القاتلة. وما أن دخلت حرم المؤسسة الثقافية الفلسطينية عاملاً فيها، مذ مطلع الثمانينات، حتى صرتُ كغيري، وإن لم يكن بقرار من أولي أمر هذه المؤسسة، أغرى بكتابة نص فلسطيني جماهيري يجعلني نجماً شعريا ً. أي شاعر ' فترينة ' أو ' شباك تذاكر '، وهذا ما لم ولن أفعله. فأنا مع نص التأمل، لا قصيدة الصراخ.
وربما يكون هذا سر ّ هروبي إلى المنفى بفلسطين سعيا ً لخلق علاقة نصية جديدة أنجزها بماء الكتابة الجديدة.
لم يمت الشعر الفلسطيني، وما كان له ذلك، بعد أن توقف قلب درويش، فهناك قصيدة جديدة تكتب بإيقاعات جمالية أخاذة، عليكم البحث عنها وقراءة فضاءاتها لاستقراء الحدود الجديدة التي تخترقها.. أو عليكم أن تنتظروا فتهاجمكم بجمالياتها وأنتم تكتبون نصوصكم..
4- تكتب بحس صاعق, كيف تصلبك القصيدة وتقيمك في اليوم الثالث!؟.
نعم. نصي أشبه بقيامتي بعد صلبي بدرب آلامي وتاج شوكي. وهذا ما أصّل أصلاً لاتكائي على إيحاءات رواية المسيح، ليس بوصفها نقيضا ً للرواية الإسرائيلية القائمة على محوي بعد صلبي، بل لأن المسيح نفسه أورثني ذاته لدى تصديّ لفعل الكتابة. فصلبه جاء كتابة لعهد جديد. وأنا مثله أخرج من مملكة الكلام الشعري ّ الجسد إلى ملكوت العالم المقدّم رؤيا الروح. تماما ً في المسافة الفاصلة بين ' يا إلهي ! لماذا تركتني وحدي ' معاتبا ً الربّ حال الصلب، وبين ' دعهم. إنهم لا يعلمون ما يفعلون ' حال الحلول في الملكوت. فكما أن الحب ّ يطهرني ممن أحب ّ، يطهرني نصّي من ماضي ذاتي. يخلقني بعالم أراه حين يكتبني. يصبح رؤياي. فلا وجود لنص لا يُرى طالما يكتفي لذاته باستدراج حاسة السمع. أو نص ّ لا يَرى طالما يسير على خبط إيقاعات الإبل الفراهيدية أو يعلو على تصفيق جمهور لا يقرأ ليَرى.. كل نص يجب أن يكون عالماً جديداً، أي موقفاً رؤيوياً خاصا ً لا ماضي له طالما لا يستند على ماضي سواه ويدخل مستقبله مدخل صدق ليظل متحركاً فيه بلا حدود.. وهنا يغدو الزمن الشعري لا نهائيا ً، تماما ً كولوج ملكوت ما بعد الصلب. فلا يكفي في النص أن تقيم انزياحات في ماضي التعبير الشعري، بل في طرائق التفكير التي أنتجته معلنا ً الانفصال عنها، ليصبح ماضي نصك الذي أنتجته للتو ّ في حركية الشعر رؤيا تكتسب دلالتها من عناقها لحركية مستقبلها القائمة على وحدة عناصره الدالة وكلية التجربة الإنسانية التي يتقدّم بها.. هنا تصبح الكلمة لغة، والإشارة صورة، والرمز أسطورة..الخ. والحداثة تجاوزاً أبدياً بالضرورة، حتى لما أنتجته..
هكذا تقوم قيامة أزلية في النص بعد صلب ٍمكاني ٍّ. أليس النص المبدع تخليداً لصاحبه ؟ ألا يقيم بيننا عباقرة الإنسانية بعد ميتاتهم الطويلة بقيامتهم الأبدية ؟
5- درست في معهد مكسيم غوركي للإبداع وأنجزت دراسة بعنوان' الكلمة والروح في الشعرية العربية' نلت عليها الدكتورة وحازت اهتماماً كبيراً من الوسط الروسي.. كيف ترى الروح والكلمة في الشعرية الروسية وما تأثيرها على شعريتك!؟.
لا شبيه لمعهد مكسيم غوركي للإبداع في العالم. مخلوق لكي يتمرن فيه الشعراء والكتاب والنقاد على القراءة المتأملة ، منذ وجد النص الإنساني الأول حتى آخر منجز إبداعي، والكتابة المبدعة حتى أقصى طاقاتها بتقنيات تخلقها بذاتها لذاتها. قرأنا فيه كل شيء بتأمل استثنائي، ولا رحمة لنا فيما نكتب إن لم يكن استثنائيا ً. لكن ما أدهشني أن شاعراً عربيا ً، ونحن الذين نفتخر بزعمنا أن العالم شهد لنا بأننا أمة الشعر الأولى والأكثر مجدا فيه، أو كاتباً أو ناقداً واحداً لم يكن يدرَّس بين عباقرة العالم، أو يستقدم لإلقاء أمسية أو محاضرة أسوة بهم. الأمر نفسه صادفته حين تقصّيت ُعن شأن الموسيقى العربية في معهد الموسيقى، وكذا المسرح.. حتى بعد أن تخرجت من معهد مكسيم غوركي، مدافعا ً عن كتابي الشعري ' هزيع ' بالروسية حاصلاً على جائزة ' ماستر أوف أرتز ' ، ظل ديواني هو الكتاب الشعري الوحيد في حاضر المعهد العريق هذا. لا أحد إلا مستشرقين قلائل هنا يعرف عن شعرنا الكثير. وهذا ما عاينته في مهرجانات دولية كثيرة، وجامعات مختصة أيضاً بالأدب العالمي.
أما رسالة الدكتوراه فقد دافعت عنها في معهد آداب آسيا وإفريقيا التابع لجامعة موسكو المركزية. وأهميتها مكوكبة في أنها أصلاُ تقرأ بمنهج استقرائي تحولات القصيدة الجديدة في النصف الثاني من القرن العشرين في بعض نماذجها لدى السياب وأدونيس ودرويش ومحمد بنيس في نسق التجربة الشعرية الكلية الإنسانية. ( أقول بعض نماذج، فليس كل شعر هؤلاء ينطبق عليه متن المنهج ). فالممارسة الشعرية للقصيدة الجديدة هنا خلقت تحولاتها الخصوصية، بدء من الانتقال من شاعرية البيت الشعري إلى شعرية القصيدة كمكان جسد يقيم فيه الشاعر، ومن شعرية التفعيلة إلى شاعرية الإيقاع، ومن شعرية الكلمة إلى شاعرية اللغة، ومن شعرية الواقع إلى شاعرية الأسطورة ( أو جعل هذا الواقع أسطورة )، وكذا من شعرية التجريدي إلى شاعرية الحياتي، و من شعرية الماضي إلى شاعرية اختراق الزمن، وكذلك من شعرية الثابت المقدس إلى شاعرية التاريخي المتحرك..الخ. فيما كتابي النقدي ' الكلمة والروح في الشعرية العربية مقدمة في علم جمال شعري عربي '، والذي ضمنته رسالة الدكتوراه، فقد عالجت فيه انزياحات القصيدة عن النموذج الشعري القديم في قراءة الكلمة روحاً والروح كلمة. فالكلام ميت في المعاجم بالضرورة، والروح خاص جمالي حين يحييها النص. وتأويل النص لا يبنى إلا بإيقاعات متنه كلمة وروحاً. هنا يصبح مقارنة القرآن بالشعر الجاهلي ( وهو صنيعة إسلامية تنكص إلى الجاهلية ) كارثة منهجية، أشبه بتطبيق تجليات الحداثة الشعرية الإنسانية على نص يحاكي النموذج الشعري المألوف وإن كان حديثا ً. وتغدو معايير النقدية العربية الكلاسيكية، من نمط أعذب الشعر أكذبه وسواها، قبضاً على قالب شعري يقدم الصراع بين القديم والجديد، أي بين الأصل والمحدث بتعبيرات القديم، ارتباطاً بالزمن الشعري الأول الجاهلي. أي بمدلوله الشكلاني لا الرؤيوي. من هنا اعتبرت الكلاسيكية الجديدة التي مثلّها شوقي بأفضل نماذجها إحياء لهذا النموذج بمحاكاة أفضل نماذجه القديمة. فأمير الشعراء هذا مقلد بامتياز ( لم يكتب عن حادثة دنشواي إلا بعد سنة حتى لا يغضب أسياده، وسمي حافظ إبراهيم شاعر النيل ولم يكتب قصيدة واحدة في النيل..الخ. ناهيك عن الجواهري الذي أخطأه التاريخ ولم يولد في الجاهلية، ومدائحه للأباطرة شاهدة عليه، والأمثلة كثيرة ). حتى المدارس الشعرية كالديوان وجماعة أبوللو والرابطة القديمة، باستثناء العظيم جبران خليل جبران، جُسدت بما سمي فعلاً تجديدياً شعرياً بإنجاز شعر قورن بمدى اقترابه أو ابتعاده عن النموذج القديم. فيما ظل التعاطي مع الشعر الحر، عموماً بصورة احتفالية، كفعل تجديدي بانحيازه عن شكل النموذج القديم لا بحيازته لنفسه على نص رؤيوي يكسر صورة النموذج القديم والعالم الذي أنتجته كطرائق تعبير وتفكير معا ً. فالقصيدة الجديدة التي أنتهجها لا ترتبط بحدها الزماني، بل بالجديد المتحرك الذي تقدمه في مستقبل الشعر الإنساني عامة. فهل الجديد في قصيدة الكوليرا لنازك الملائكة أم في أنشودة مطر السياب / فيما لا يزال النقد العربي منشغلاً بأسبقية الكوليرا على ' هل كان حباً ' للسياب تأريخاً للشعر الحر ( على أية حال أكدت بالدلاثل أن الأسبقية التاريخية والتجديدية للسياب لا للملائكة في هذه لدراسة ). وإذا كان نموذج الشعر العربي القديم قائم على روح إعلاء شأن لذات أو القبيلة مدحاً أو ذم سواها، فما الفرق بين الشعر الجاهلي والإسلامي حين صار شعراء الإسلام يمدحون النبي أو الخلفاء ويهجون أعداء الإسلام ؟ وتبعاً، فما الفرق بينه وبين القصائد التي تتغنى اليوم بالذات أو القبيلة العربية وتهجو أعداء العرب ؟ الخ..وما الجديد الذي قدمه شعراء الغزل والمرأة المعاصرين وكذلك المديح وسواها للتجربة الشعرية الإنسانية ؟ فنزار قباني ما يزال في ظن كثيرين أشعر العرب، وقاموسه الشعري لا يتجاوز المئتي كلمة، والجواهري شاعر العرب الأكبر لأنه أعاد للنموذج القديم الحياة بعد موت طويل تماما ً كما تم الاحتفاء بالكلاسيكية الجديدة مطلع القرن العشرين ؟ الخ..
وللسخرية أضيف أن ألقاباً جديدة تطلق على شعراء لم يقدموا إبداعا ً جديراً كأمير شعراء فضائية خليجية، أو شاعر العام كما يطلقه تجمع في الانترنت حتى رئيسه لم يقدم شيئاً لائقاً بالشعر، وعلى الفيس بوك يلقب من يشاء نفسه بما شاء.. في عصر أدونيس ودرويش ثمة من أصبح أمير شعراء العرب ! يا للفاجعة.
وإذ أعود إلى كتابي النقدي أبشرّك أنه منع، بما في ذلك من اتحاد الكتاب العرب في سوريا، وفي حوزتي صورة عن قرار المنع مخزية تدل على أن قراءه كانوا يتعاملون معه بحس أمني، تقديسي لهذا القديم السائد الذي أتحدث عنه، ومن أبشع ما قرأت أن أحد الكتبة ممن طلب منعه كونه يخالف ما كرسته المؤسسة التقليدية من تمجيد للشعر العربي وبعض رموزه، لم يكن يعرف الفرق بين جبران خليل جبران وشاعر القطرين خليل مطران. لا حاجة لي أن أكمل حتى لا أغيظ القارئ بوضاعة القائمين على الفعل الثقافي..
أما ما خص تأثير الشعر الروسي علي ّ، فلا شك ّ أنه كغيره من الشعر العالمي المبدع عمق في ّ حاسة التأمل وحساسية التصدي للنص، سيما في أسمائه الكبرى مثل باسترناك وأخماتوفا وسواهما. هناك شعر مبدع يتواصل ولا ينقطع في روسيا. وكنت قد نشرت في مجلة الشعراء الفلسطينية ' موسوعة الشعر الروسي المعاصر ' سعياً لاقتناص المتحرك المبدع فيه وتقديمه للقارئ العربي...

6- بعد عدة دواوين كان آخرها' رعاة السماء رعاة الدفلى' ماذا قلت في كتابك النقدي ' رؤيا'!؟.
نشر الكتاب في دمشق 1996، وفي الرباط 1998، ونفذ سريعا ً. في ' رؤيا : أعرّض نفسي لمشقة إمكانية التصور الطبيعي لثنائية الصوت والصدى ومحاولة إسقاطها بتردداتها وانعكاساتها على النص الشعري. فعلاقة الصوت والصدى تختلف من حيث الماهية والشكل عن علاقة القامة بالظل أو علاقة المرآة والصورة مثلاً، كاتساع مساحاتها الحركية الناجمة عن ضرورات طبيعية، يمكن أن يكون الانعكاس الزمني أبرزها من ناحية، ومن أخرى حجم تغير إيقاعاتها انسجاما ً لتبدلات يستلزمها العالم. فالظل يتغير تبعا لعلاقة القامة بالضوء والعتمة، وقد يتحول إلى سواه كما في حال ارتطامه بجدار مثلاً، أو يتلاشى كما في حال حلوله بالعتمة ، فيما الصدى يحتفظ لذاته بأهلية خصوصية بفرادة الصوت ذاته. وهنا لا أتعاطى مع علاقة الصوت والصدى كوقفات أو إيقاعات صوتية في النص بل معنوية أساساً طالما يفسّر الصوت كمحاكاة أو تقليد للإيقاع الطبيعي، كما في فلسفة الأقدمين، حيث ردّوا الصوت كتعبير عن حالة انفعال تختلف درجته بمدى وطأة الأثر، وإن توصلوا إلى جوهر العملية الشعرية باعتبارها تهذيبا ً لحجم وقع الانفعال بإيقاعات موسيقية والالتذاذ بعناصر محاكاته كما في فن الشعر لدى أرسطو اليوناني وابن سينا لدينا مثالاُ.
والإيقاع الشعري يضمن، تبعاً، حركة الصوت الشعري ّ، وتبلور انفعالاته وامتداداته وربما انكساراته، عبر ضبط هذا الانفعال والتعبير عنه بشرط شكلي ينتظم بعلاقته مع الزمن، وكلمات تحشد بدلالاتها وتفاعلاتها امتدادا ً لزمن التأثر بهذا الانفعال وانعكاسا ً لتأثيرها من خلال صداها على ذات الآخر، وهنا يحقق شرطي الالتذاذ بالمحاكاة ( رسالة الشاعر ) واللذة بها ( استجابة المتلقي ).
انطلاقا ً من توطئة كهذه، وجدتني أنحو لمنهج يقرأ الممارسة الشعرية بوصفها مستقلة بذاتها ككل ّ عن عناصرها كأجزاء في العملية الشعرية. فلو كان الدال الصوتي في النص، مثالاً، يوجد مستقلاً عن الدال المعنوي، لكان هناك شعر 'بجمال موسيقي عظيم لا معنى له ' ، كما يرى إليوت في كتابه ' في الشعر والشعراء '. ثم تأسيسا ً أعثر على مفهوم ' الفن الكامل ' الذي يعنى بإطلاق عناصره جميعاً بطاقاتها القصوى، تتداخل فيه الذوات والعوالم والأدوات تعبيرا ً وتفكيراً، وفضاءات المبدع الإنساني ّ بكافة أشكاله..

7- يدور الآن صراع بين المنتصرين للرواية والقائلين أن الحكم للشعر, هنا, بعيدا عن شهادتك المجروحة كشاعر, كيف ترى مآل الأمور!؟.
لا شأن للشعر بما ينظّر له هؤلاء. لقد انتصروا للمسرح في ذروة تسيّده للمشهد الثقافي الإغريقي، وكذا في عهد شكسبير. لكن الشعر انتصر لذاته بذاته. إنه كالفلسفة التي تبقى أم العلوم، باق كأبي الفنون جميعا ً. كانوا يرثون عصر الشعر باكتشاف أزمته، حين التفت نقاد عاطلون عن التقاط حساسية الراهن الثقافي الشامل للقصة، ثم مع اكتشافهم لفن السرد الروائي نعوا فن القصة، وما بين هذا كله ثمة نواح في كواليس المسرح تنشج أزمته.. كل هذا صدى لتلوينات في الهامش الثقافي الأوربي يستجلبه متسكعو اقتناص صدى الفعل الثقافي على أرصفة مدن العالم الثقافية الكبرى. ثمة أزمة في بدئنا الثقافي الذي لم يكتمل بعد، ولن نجد له نهايات قط طالما الأمر كذلك. فثقافتنا مثلنا هامش تتعيش على منجزات ثقافة المركز الأوربي أو العالمي. وهي في أساسها العام شفوية لا تزال كعهد جاهليتها الأولى حين رويت سيرة الهلالي وحروب داحس والغبراء، وإلا لماذا نتراجع عن جل دول العالم الثالث في القراءة، بتقديرات اليونسكو، هذا قبل تفشي سلطة الدراما التلفزيونية وملاحم موسيقية عجزت قرائح مبدعي العالم عنها، ينجزها لك سلطان الطرب وفنان العرب وفارس الأغنية..الخ. ألقاب كألقاب الزعماء والشعراء في الفضائيات والانترنت..الخ.
هاهم روائيون يمتهنون كتابة المسلسلات، وشعراء يكتشفون ذواتهم روائيين..الخ. لكن ثمة شعراء ظلوا مخلصين للشعر كسواهم للفنون التي يبدعون فيها.
الشعر حاستنا الأولى طالما يجتاحنا حين نحب ّ. العشاق كلهم كالعصافير يغنون القصيدة ذاتها بأصوات وألسنة وأرواح مختلفة. ولهذا يجدون الشعر ينقر زجاج صباحاتهم، ويستلقي على حافة السرير الذي يتسع للعالم كله بأجسادهم التي تمحو المسافات بين الأعضاء والأنفاس. فلا يخشى عليه إلا من الشعراء السيئين، تماما ً كما لا يخشى على الحب إلا من العشاق الفاشلين. فيما الروائيون ، أو جلهم، فشلوا في أن يكونوا شعراء جيدين. كل الروائيين، أو أغلبهم، يزعمون أن الشعر لا يكفي للتعبير عما يتفاعل في دواخلهم. أليس من الممكن أن تكون الريح مخلوقة من آهاتنا ؟ أنتصر للشعر لأني أعيش في النص الذي أكتبه ويكتبني، لكني عشت مع زوربا وأحدب نوتردام وراسكولنيكوف ودكتور جيفاغو وسدهارتا ومعلم مارغريتا وسواهم الكثيرين ممن أثروا عالمي الداخلي والإبداعي معا ً.
8- شاعر الأمس شاعر صائت وشاعر اليوم صامت !؟ هل برأيك الكتابة كانت سجناً غير متوقع للشعر, من حيث أن الكتابة وتوأمها القراءة فعل فردي بحت وعليه ماذا يبقى من الجماهيرية للشاعر!؟.
لا شأن لفن الشعر بالخطابة التي تستدرج الصراخ والضجيج بالضرورة، طالما اتفقنا أن هذا الفن لا يصف العالم أو يفسره بل يخلقه مقترحاً رؤيوياً. ما يعني أن الشعر الذي أعنيه لا يتعاطى مع الماضي الشعري والعالم الذي أنتجه بوصفهما متناً مقدساً للممارسة الشعرية، بل بوصفهما هامشاً تراثياً ، أسوة بكل التراث الثقافي، يُخلق فيما يُخلق إن اقتضت عملية الفعل الإبداعي ذاتها. وطالما نهض نص الكتابة الجديدة على أطلال نص الخطابة القديمة ( التي يحاكيها شعراء يتشابهون مع مقتضياتها في نصوصهم ، حتى وإن استدرجت أشكالاً شعرية جديدة، إلا أنها ظلت تدور في فلك طرائق التعبير والتفكير القديمين )، فإن رسالة الكتابة التي تفرض التأمل والقراءة في عمليتي الرسالة التلقي بين الشاعر والقارئ بالضرورة تنفي خطاب الخطابة الذي يعلو في جوهره على استدراج الصوت على وقع الرسالة المباشرة والتلقي بحاسة السمع والتصفيق. وهنا تتجلى الذات المبدعة أصلاً في فعل الكتابة، بينما الآخر/ العام القِبلي ّ الوطني القومي..إلخ معيار الشاعرية في النموذج القديم القائم على الإنشاد والخطابة. ويصبح العالم فكرة وجسداً نتاج النص في فعل الكتابة ، بينما الفكرة هي التي تنتج الشعر في الخطابة. والجمهور في أصله مقترح مائع حاضر لدى التصدي لكتابة الشعر الذي يعنى بالوصول إلى النجومية، ما يعني أن هذا الشعر يعيد صياغة المنتج الشعري المألوف بتوقيعاته الصوتية والمعنوية ، فهو شعر تراكمي بالمحصلة، خلافا ً لنص الكتابة الذي يخترق لغة لم يفض بكارتها أحد من قبل، وأشكالاً شعرية لم يمتطيها أحد، وعالماً لم يصل إليه شاعر قط على وقع خبط الإبل أو رنين دراهم أصحاب الفضائيات..إلخ. عالم لم يسكنه شاعر من قبل.. كل الأصوات تصبح صدى، فيما في البدء كانت الكلمة.
9- يتحرك الشارع العربي الآن وأول تجلياته التي أفرزها هو وصول الإسلاميين وطروحاتهم الكلاسية وكأن الزمن يعود للوراء؛ فهل الحديث عن نهضة عربية في أوائل القرن المنصرم وما تبعها من استيراد الحداثة الغربية لا يتجاوز الشكل ولم يحرك ساكنا في المضمون!؟.
عن أية نهضة أو حداثة نتحدث، ونحن نوقظ المعتم من يوميات الجاهلية الأولى في زمننا ؟. لقد شكلت حرب الإبل على الفيس بوك في ميدان التحرير المصري إيذانا ً بالنكوص إلى ماض معتم تنتصر به نظرة الثابت القديم على فكرة الجديد المتحرك، وإلا ما الذي جعل أصحاب اللحى السلفية ، ومنهم من يدعو علنا ً لهدم الأهرامات وأبي الهول وتوديع الزوجة الميتة بنكحة الوداع، والإفتاء بحكم ارتداء القبطيات اللباس الشرعي حتى لا يظهرن فتنة للناظرين..إلخ، ( ومنهم من تخلف عن موجات الثورة المصرية الخلاقة تحت فتوى عدم الخروج على أولي الأمر ورفض الفتنة التي يلعن موقظها..إلخ ) يختطفون هذه الثورة، ويمحون فكرة انتصار الحداثة ممثلة بثورة شباب الفيس بوك الداعية إلى كسر صورة العالم القديم، ممثلاً أصلاً بالنظام البائد القائم على إلغاء الآخر ومحوه وكبت الحريات ونهب الثروات.إلخ. مثالاُ لا حصراً في روزنامة الثورات العربية التي انطلقت أصلاً مؤصلة على فكرة الحداثة القائمة على المواطنة والشراكة وإطلاق الحريات وسواها من مضامين أنجزها العالم المتحضر الذي قدّم لنا، أصلاً، أدوات الحداثة في ذروتها في عصر العولمة. الحداثي والسلفي يستخدمان أشكال الحداثة المتطورة كالفيس بوك واليوتوب والفضائيات وسواها، لكن انتصار جهة العودة إلى الماضي بصورته المعتمة أربكت اتجاهات الفعل الثوري الحداثي، لكنها لم تسر به إلى أقصى زاويتها.وغدت أداة العصر هذه بوقاً للتحريض على إلغاء ومحو الآخر أيضاً، تماما ً كالسلاح المتطور الذي يقبض على أرواح آمنة مطمئنة. فالحداثة أصلاً قائمة على ثورة الفكر الذي يتجاوز أبداً ما أُنتج، وهي مؤصلة أساساً على مبدأ الشراكة والتعايش والحريات. فأين مكان هذه الحداثة في تنطيراتنا وممارساتنا طالما يجري فعل الإلغاء والمحو ، أو التحريض عليه، على أساس المذهب والطائفة والجنس بعد آلاف السنين من السلام والتعايش الأهليين ؟ وكيف تؤخذ نساء الآخر المختلف في الفكرة أو الهوية الإنسانية سبايا ؟ وكيف يصبح قتل الإنسان، بل المئات من البشر، وجهة نظر، وتدمير الوطن بتفتيت نسيجه الاجتماعي أولاُ قبل إفساده بالدمار والدم الجاري في الطرقات موقفا ً سياسياً ؟ والطامة الكبرى أن يصبح المثقف نفسه أشبه بأداة لعملية المحو والإلغاء هذه، والتحريض أو الوشاية كمخبر بائس للإجهاز على مثقف يختلف معه. ألم يقل قاتل نجيب محفوظ: لم أقرأ له، لكنهم قالوا لي أنه كافر.
فليأت كل ّ بفكرته، دون أن يسدّد المسدس على رأسي.
10- أل التعريف كالهوية كيف تقول عن عبد الله عيسى دونها!؟.
أنا المعرّف بي. بفكرتي التي يتأملها سواي َ لتدلّه علي ّ فيما تخلق بي وبما، وبمن، حولي. لا شأن لي بالألقاب فهي لا تسند صورة فكرتي ولا ترفع شأن ظلي بين أقراني. أنا لا أريد أرضاً أموت لأجلها، بل وطنا ً أعيش فيه بكرامة ما أشتهي لا بوضاعة ما يفرض علي ّ. ولأنني، كغيري من مبدعي فلسطين، أخرجت سيرتها وحكاية سلالتي من صندوق العائلة، كان لزاماً علي ّ أن أحملها كالصليب وأصعد بها إلى أعلى لأنظر إلى سماء أعلى لا مكان فيها لدخان الطائرات التي تعد لي قبراً على هيأتي. وأن أقدّم بالجميل من النص متن روايتي الفلسطينية كمشروع جمالي مناقض لسردية الإسرائيلي القائمة على القتل والإرهاب. ولا تصبح روايتي الصرخة الكبرى إلا باختلاطها بروايات من هو مثلي، فتغدو هي المتعدد والمتسّع في مواجهة القتلة على اختلاف أجناسهم وألسنتهم. بالحب ننتصر على الموت، وبالجمال على القبح..
11- كيف تبتدئ بدلا من كيف تختم!؟.
الكلمة كي تقرأ. ألم يبدأ الإنجيل بجملة ' وفي البدء كانت الكلمة '، فيما القرآن بدأ بكلمة ' اقرأ '.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات