عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Apr-2017

مكفوفون يرون الحياة بحواسهم متجاوزين هاجس العتمة

 

ربى الرياحي
عمان-الغد-  يعتقد الكثيرون، خصوصا ممن يجهلون عالم المكفوفين أن افتقادهم لحاسة البصر يفرض عليهم فكرة البقاء على الهامش، او الانزواء التام عن المجتمع الذي ينبغي أن يكون ملاذا لهم ونقطة انطلاق لأحلامهم الممتدة. 
منهم من لا يدرك أن الكفيف قادر على أن يعوض فقدانه للنظر من خلال حواسه الأخرى حتى لو كان التعويض جزئيا، فيسمح له برؤية الأشياء من منظار خاص بدون أن ينكر أهمية حاسة البصر ودورها في إثراء مخزونه المعرفي. 
السمع اللمس الشم التذوق كلها أدوات يستخدمها المكفوفون للتمكن من تشكيل صور تبقى في ذاكرتهم، وهذا تماما ما تؤكده المعلمة الكفيفة سلمى محمود التي ترى أنها تستطيع فعلا التعرف على الأشياء من حولها بواسطة حواسها الأربع. وتضيف أنها تعتمد عليها اعتمادا كاملا منذ أن كانت صغيرة في تخيل الوجوه والأمكنة، واكتشاف أدق التفاصيل المحيطة بها. 
وتقول أن أكثر حاسة تستخدمها هي حاسة السمع فمن خلالها تتعرف على أصوات طلابها وزملائها وحتى أولئك الأشخاص الذين قد تصادفهم لمرة واحدة. 
وترجع سبب ذلك إلى قدرتها الكبيرة في حفظ الأصوات، كونها تساعدها في تحديد الغائب سواء من طلبتها أو حتى زملائها، مؤكدة أيضا أن حاسة اللمس تعينها كثيرا في توصيل المعلومة لطلبتها فهي تسعى دائما لتطويرها والعمل على إبقائها نشطة عن طريق صنع المجسمات التي تحاكي تضاريس الطبيعة وأشكال الحيوانات وإطلاعهم عليها حتى يتمكنوا من تكوين صورة ذهنية عن كل ما يصعب عليهم لمسه بشكل مباشر، الأمر الذي يجعلهم أقدر على رؤية الحياة كغيرهم والتغلب على تلك العتمة التي تلازمهم. 
 ولا تنسى فضل حاسة الشم في مساعدتها على التمييز بين الأماكن من خلال روائحها المختلفة التي غالبا ما تكون مرتبطة بالأشجار والورود العطرية، فالحواس بالنسبة لها همزة وصل تربطها  بمجتمعها وتعوضها عن نعمة البصر التي افتقدتها. 
تقول “أحرص على تنميتها باستمرار لأبقى قادرة على التأقلم مع إعاقتي وأيضا مع محيطي الخارجي”.
 أما الطالبة الجامعية إيمان صالح والتي فقدت بصرها في السنة الثامنة من عمرها فترى أن إعاقتها لم تمنعها من التمتع بالحياة. وأن هناك بدائل أخرى بإمكانها أن تستغلها لتظل على اتصال مع من حولها ولتثبت لهم أيضا أنها مدركة لكل شيء، وليست على الهامش كما يعتقد البعض.
وذلك، بحسب قولها، يأتي من قدرتها على توظيف حواسها والاستفادة منها قدر الإمكان في التوصل للمعلومة. 
وتبين أن البصر حاسة مهمة وضرورية يصعب الاستغناء عنها، لكن ذلك لا يلغي دور الحواس الأخرى وخاصة السمع الذي يعتبر بالنسبة لها سبيلا للغوص داخل أعماق الشخصية التي تتعامل معها، ومعرفة ما إذا كانت شخصية طيبة أم شخصية خبيثة حاقدة كارهة.
وتعتمد في ذلك على الصوت الذي ترى أنه يكشف معادن الناس، ويزيل الغموض عن بعض الملامح الداخلية للشخص أيا كان، بالإضافة إلى أنها تستطيع أيضا أن تتخيل أشكال من تتعامل معهم وتعطيهم وصفا يتطابق غالبا مع الواقع. هي أيضا تستطيع أن تميز ملابسها عن طريق حاسة اللمس التي تعينها كثيرا على اختيار ما تريده منها والقدرة على التفريق بينها من حيث الشكل ونوعية الأقمشة. تقول كل ذلك يجعلني أحفظ ألوانها حتى أشعر بأنني مستقلة كغيري. 
 وتبين الكفيفة أم كرم وهي ربة بيت أن اعتمادها الكامل على حواسها يعوضها ولو جزئيا عن فقدانها للبصر، ويجعلها أقدر على كسر هاجس العتمة والتسلل إلى داخل الحياة بثقة تمكنها من اجتياز العوائق وتوسيع قاعدتها المعرفية. 
 تقول انها كغيرها من المكفوفين تستخدم حاسة السمع في التمييز بين الليل والنهار. موضحة أن لكل منهما علامات فارقة من شأنها أن تبرز ذلك الاختلاف فمثلا النهار عندها يرتبط ارتباطا وثيقا بأصوات العصافير وتزايد حركة السيارات تماما على عكس الليل الذي يسوده الهدوء.
 كما أنها تلجأ لحاسة الشم في تحضيرها للطعام ومعرفة ما إذا كان قد وصل مرحلة الاستواء أم لا  وترى نفسها أيضا قادرة على التمييز بين أنواع البهارات كونها تتمتع بحاسة شم قوية. 
وتضيف ان ادراكها للأشياء وسعيها الدائم لتطوير حواسها يمكنها حتما من إعطاء صورة مغايرة نوعا ما عن  تلك الصورة النمطية العالقة في أذهان الناس عن الكفيف، وذلك من خلال إطلاعهم على جانب مهم من حياتها بعفوية مطلقة، وكيف أن استغلالها لحواسها يجعل الآخرين أكثر تقبلا لها وخاصة عندما يكتشفون أن بمقدورها التعرف على الشخص من طريقة مشيته. 
بدورها تشير اختصاصية علم النفس الخبيرة في شؤون المكفوفين الدكتورة فريال الصبيحي أن المكفوفين أكثر الأشخاص استخداما لحواسهم عن طريق السمع، الذوق واللمس، معتمدين هذه الطريقة في التعرف على الأشياء التي يستخدمونها كوسيلة للتوصل لأي معلومة عن الجسم الذي يرغبون بمعرفة شيء عنه.
ويميز المكفوفون كل ما حولهم بحسب الصبيحي إما عن طريق الأصوات أو الشم، حيث يميزون الأفراد من خلال العطر، الرائحة، مسخرين جميع حواسهم باستثناء البصر، فيتكيفون مع العوامل المحيطة بهم للتمييز والتعرف على الآخرين.
وتبين الصبيحي أن البصر بالعادة يأخذ طاقة كبيرة من الجسم حتى يتمكن الشخص من الإبصار ورؤية كل شيء فيعتمد الإنسان على بصره في كل شيء، ولا يستخدم جميع الجزيئات الموجودة في الدماغ، في حين أن الأشخاص الفاقدين للبصر يوفرون طاقة كبيرة من الجسم ويشغلون جزيئات كبيرة من الدماغ، فيشغل دماغه أكثر فالطاقة التي يعطيها المبصر للنظر يعطيها الكفيف للدماغ.
وتشير الى أن الشخص الكفيف أكثر قدرة على الحفظ من الطالب المبصر، لأنه يستخدم كل طاقته في الحفظ وهو مهيأ لالتقاط الأشياء وتحليلها أكثر من المبصر، فيصبح لهم معلومات أكثر ومهارة أكثر.
ويشير اختصاصي علم النفس د. موسى مطارنة الى أن الشخص الكفيف لديه طاقة هائلة ليشغل حواسه الاخرى، ويرى ببصيرته كل الاشياء ويتعود عليها ويستطيع ان يدركها.
ويضيف ان الكفيف يتذكر بشكل ممتاز بل هائل ( ارقام. اسماء. اماكن.)، وهناك ذبذبات تخرج اثناء المشي واثناء المرور تلامس الحواجز والحواف، لذلك نراه يبعد عنها شيئا فشيئا من خلال تدريب هذه الحاسة.
ويضيف ان الكفيف يتعامل مع لغة بريل بشكل رائع، يكتب ويقرأ ويعدل من خلال اللمس، فهو استطاع باللمس الوصول الى ما يمكن ان تراه العين.
ويذهب الى ان الكفيف لديه مخزون كبير من الطاقة العالية، في القدرة على التحليل، البحث حتى في احتياجاته اليومية والدراسة والتفوق والعمل، مبينا ان هناك العديد منهم تزوجوا وانجبوا وربوا اطفالا واستطاعوا ان يقوموا بكل الواجبات المنزلية. وهذا نتيجة ما لديهم من قدرات هائلة في حواسهم الاخرى.
ويؤكد الخبير الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي على ضرورة احترام القدرات الخاصة التي يتمتع بها ذوو الإعاقة والتي تمكنهم من الاندماج في المجتمع بصورة فعالة.
ويشير إلى أن ذوي الإعاقة يتمتعون بمهارات وخبرات وذكاء يجعلهم يوظفون حواسهم كافة لمواجهة صعوبآت قد تواجههم في ميادين الحياه المتعددة.
ويشدد على أن ذوي الإعاقة يستثمرون قدراتهم وحواسهم ويستفيدون منها ويحققون أحلامهم وطموحاتهم في مواجهة أعباء الحياة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات