عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Aug-2018

صيف أول لمراهقات بافيزِة

 القدس العربي-حسن داوود

مع إنهن ينتظرن الصيف لتتسع لهن الحياة إلا أنهنّ، طيلة أيامه، لم ينزلن إلى شاطئ ولم يخرجن في رحلة إلى متنزّه أو إلى غابة. ومع ذلك يعشن، بعد انقضـــائه، منتظرات عودته من جديد. ذلك من أجل أن يورقن، مثل الأشجار، بعد أن حبسهن الشتاء البارد في بيوتهن. كما من أجل أن ينضجن، حيث أنهن في هذه الرواية الصغيرة* لم يحقّقن بعد ذلك الانتقال إلى أن يصرن مراهقات. ما زلن صغيرات، جينيا وروزا في السادسة عشرة وكبيرتهما إميليا بلغت عمر العشرين. لهذا تراهما يتبعانها باقتفاء ما تقدم عليه، كمثل حال جينيا بطلة الرواية، أو ينصرفن عنها، هاربات، مثلما فعلت روزا وهي تشقّ درب نضجها الخاص. 
الحياة ضيّقة طالما أن المكان، حتى في ذلك الصيف، مقتصر على البيت، ثم المقهى، حيث يلتقين مع الشبان مثل غويدو ورودريغوس اللذين هما، مثل إميليا، في عمر العشرين. أما المكان الثالث فالشقة التي يقيم فيها هذان الاثنان. إنه عالم المراهقة والشباب إذن، حيث لم يظهر في الرواية من الكبار إلا رجلان، أحدهما في عمر الأربعين جرى وصفه بالدناءة والقبح، والآخر طبيب لم يؤت على ذكره إلا مرّة واحدة، لكنه مع ذلك تسبب لأميليا بالإصابة بمرض الزهري.
هكذا تفضّل شخصيات «الصيف الجميل» أن يكون العالم مقتصرا على من هم في تلك الأعمار الصغيرة. ومثل تلك الشخصيات الكاتب تشيزَرِه بافيزِه الذي جعل البنات كلهن من دون أهل. جينيا مثلا تقيم في البيت مع أخيها فيروتشي، متخلّصة هكذا من كل القيود التي كانت ستحدّ من حريتها، فأخوها شاب أيضا، أو مراهق، وهو قد يتحين مجيء صديقة أخته، إميليا، إلى البيت بما يُسقط كل احتمال لأن يلعب دور المسؤول الناصح.
إميليا التي سبقتهن إلى التفتّح كانت قد بدأت ذلك بالعمل عارضة للرسامين، أولئك الذين كان أّولهم ذلك الأربعيني القبيح. «لكن هل تتعرين أمامه»، تسألها جينيا من دون أن تتلقى منها جوابا صريحا. لكن هذه الأخيرة، مع استهوالها الظهور عارية أمام أحد، تظلّ راغبة في التمثل بحياة صديقتها. ذاك لا يقتصر على المراحل الأولى من علاقتهما، فجينيا لا تتوقف عن التخبط بين هذين الخيارين. وسيظل هذان الخياران متعادلين عندها، حتى إن كان كل شيء حولها يشدّها إلى أن تكون مثل إميليا، فكل شيء غامض في الشقة التي يقيم فيها الشابان غويدو ورودريغوس. كلما ذهبت إلى هناك عليها أن تحذر من أن يكون أحد آخر حاضرا مختبئا خلف الستارة. فجأة، بعد نصف ساعة من جلوسها مع غويدو يظهر لها رودريغوس، أو تظهر إميليا، ثم إن كل شيء يبدو مريبا، خصوصا ما يتعلّق بتواجد إميليا هناك، حيث لا تعرف جينيا إن كانت صديقتها تقيم علاقة مع هذا أو مع ذاك، أو مع الاثنين معا. ثم أن أوضاع الاستلقاء والانكشاف ووجود إميليا على الأريكة مع أحدهما ملتصقين مريبة هي أيضا. أبطال رواية بافيزِه الصغار يقفون على عتبات الاحتمالات كلها. لا يحتاج الأمر إلا خطوة، في هذا السبيل أو ذاك، ليسقط أي منهم، أو ليسقطوا جميعهم. هم واقفون على العتبات كلها إذن، إذ الاحتمالات كلها قائمة والدروب كلها مفتوحة مشرعة، ولكي لا ينقص من هذه شيء، تجرّب إميليا مرتين أن تقيم علاقة مع جينيا. في المرة الأولى قبّلتها على الفم، وفي الثانية أفصحت لها عن تعلّقها بها، مع قبلة أخرى مرافقة.
لم يكن ذلك الصيف جميلا إذن، بحسب العنوان الذي أعطي للرواية. في ما يتعلّق بجينيا لم ينقض ذلك الصيف من دون أن يخلّ غويدو بوعده لها البقاء معا. لقد أباحت له جسمها، بعد كثير تردّد، لكن ذلك لم يعدُ، بالنسبة له، أن يكون نزوة من نزوات الصيف. أما هي فوقعت في ما يقع فيه كل المقبلين على عمر الشباب: أن يتخذوا قرارات تتعلق بالحياة كلها في ما لن يحدث لهم، أو لهنّ، إلا ما هو ظرفيّ وعابر. 
لا يفوت قارئ هذه الرواية أن يلاحظ قدرة بافيزِه على وصف المشاعر الدقيقة والمعقدة لبطلاته الصغيرات. في ما خصّ جينيا أرانا كيف يمكن أن تعيش مراهقة في مسارين مختلفين، سواء بالحلم أو بالحقيقة، لكن مع ذلك لم أتوقف عن التساؤل لماذا اختار بافيزِه، وهو المنشغل باشتراكيته ومناهضته للفاشية، كما بأزماته النفسية والشخصية التي دفعته إلى الانتحار وهو في عمر الواحدة والأربعين، أن يكتب هذه الرواية، التي هي واحدة من ثلاث؟ هل ليستعيد ماضٍ مضى؟ هل ليرى إن كان ما يزال ممكنا له أن يستدعي عالم آخرين لم يعد بينهم؟ أو هل كان يمتحن نفسه إن كان قادرا على كتابة ما لا صلة له به؟
*»الصيف الجميل» واحدة من ثلاث روايات صغيرة شاء كاتبها تشيزَرِه بافيزِه أن تشكل ثلاثية، وإن يمكن أن تقرأ كل واحدة منها كعمل خاص مستقل. صدرت عن دار «المتوسط» في ترجمة عن الإيطالية لكاصد محمد، في 143 صفحة.
 
٭ روائي لبناني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات