عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Sep-2018

معروف الرصافي والزمن الجميل في العراق

 القدس العربي-زيد خلدون جميل

مثلت شخصية وشعر الشاعر العراقي العربي معروف عبدالغني محمود الجباري، الملقب بالرصافي جميع الاتجاهات الفكرية التي عصفت بالمجتمع العراقي في عهده، ولم يكن الرصافي الشاعر الأبرز في الشعر السياسي وحسب، بل مثقفا ولغويا متبحرا وكاتبا للرواية ومناضلا سياسيا، ومن كبار المنادين بالإصلاح الاجتماعي، والتمسك بالعلم في كل أوجه الحياة، والدفاع عن الضعفاء والمساواة في الحقوق والاستقلال، فلا عجب أنه يعتبر خير من يمثل الثقافة العراقية بشكل خاص، والعربية بشكل عام، بكل جوانبهما في النصف الأول من القرن العشرين. 
ولد شاعرنا لأسرة غاية في الفقر في محلة «القره غول» في بغداد عام 1875 لأب كان يعمل عريفا في الجيش العثماني، وأم لم يكن لها في الحياة سوى هذا الطفل الذي كان بالكاد يعرف والده الكثير التغيب، وهذه العلاقة القوية بأمه الأمية الفقيرة، جعلته مدافعا صلبا عن المرأة، وكونه الطفل الوحيد لأبويه جعله يقاتل معاركه طوال حياته بمفرده، فلم ينضم يوما إلى أي تنظيم سياسي ولم يطلب من أي أحد أن يتبعه.
وقد اهتمت الأم بتعليم ابنها، الذي انتقل من مدرسة إلى أخرى حتى انتهى به المطاف في مدرسة أشهر أعلام الثقافة العراقية آنذاك محمود شكري الآلوسي، الذي لاحظ تميز تلميذه. وكان ظنه في محله، فقد برع الرصافي في الشعر مبكرا، وبرز بصورة خاصة في الأدب العربي، وبعد انهائه الدراسة عين مدرسا في المدرسة الإعدادية الرسمية. ولكن شهرة الرصافي بدأت عندما أخذ ينشر قصائده في أشهر الصحف الأدبية آنذاك مثل «المقتبس» و»المؤيد» و»المقتطف» فجذب إليه الأنظار في العالم العربي، واعتقد بعض مشاهير الأدب العربي حينها، مثل بشارة الخوري (الأخطل الصغير) ونعوم لبكي (والد الشاعر صلاح لبكي) أن الرصافي في الواقع اسما مستعارا لأديب عربي كبير وليس لشاب يافع من بغداد.
وكانت إعادة العمل بالدستور في الدولة العثمانية عام 1908 نقطة تحول في حياة الرصافي، فقد سيطرت جمعية الاتحاد والترقي على الحكم في الدولة العثمانية، وحاولت كسب تأييد العرب في الإمبراطورية. وكان من أساليبها الدعائية إصدار جريدة عربية في بغداد ترأس تحريرها الرصافي نفسه، وهو الذي لم يكن فقط من مشاهير دعاة التحرر الثقافي، بل أول من طالب بإزاحة النظام العثماني الملكي، واستبداله بالنظام الجمهوري حيث قال:
يا أمة رقدت فطال رقادها هبي وفي أمر الملوك تأملي 
إن الحكومة وهي جمهورية
كشفت عماية قلب كل مضلل
نشر الرصافي أول ديوان له في بيروت عام 1910 بنجاح كبير في العالم العربي، ثم انتقل إلى إسطنبول لتولي رئاسة تحرير صحيفة «سبيل الرشاد»، التي ضمت العراقيين جميل صدقي الزهاوي وفهمي المدرس، وهما من كبار المثقفين العرب، كما عمل في مجال تدريس اللغة العربية في أبرز المراكز الأكاديمية في عصره، وتربع على عرش الأدب العربي في إسطنبول، وقد نشرت محاضراته هناك كاملة. واستمر بروزه حتى رشح بنجاح لمجلس المبعوثان (البرلمان) عام 1912 إلى جانب جميل الزهاوي وفهمي المدرس وعبدالمحسن السعدون وفيصل بن الحسين (ملك العراق لاحقا). إلا أن شهر العسل لم يدم طويلا، فعندما أظهر الاتحاديون عداءهم للعرب انتفض الرصافي ضدهم بكل شجاعة وأظهر عداءه لهم. 
وبعد خسارة الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) واحتلال العراق من قبل بريطانيا، انتقل الرصافي إلى بلده ليتغير محط اهتمامه نحو العراق، ويدخل في مواجهة جديدة، وهي اختيار ملك للعراق، وتبنى فكرة «العراق للعراقيين» ما أكسبه هذا عداء فيصل بن الحسين، الذي كان حجازيا واصبح أول ملك على العراق تحت اسم فيصل الأول، ولكن على الرغم من ذلك فإن الرصافي اعترف بالأمر الواقع لاحقا، ورحب بفيصل ملكا على العراق بعد توليه العرش، إلا أن فيصل الأول لم ينس موقف الرصافي بسهولة، وناصبه العداء. وعندما اشتدت أزمة الرصافي المالية واضطر إلى أن يلجأ إلى الوظيفة الحكومية عينته الحكومة العراقية نائبا لرئيس لجنة الترجمة والتعريب في وزارة المعارف، على الرغم من عدم وجود رئيس لهذه اللجنة، متجاهلة مكانته الأدبية. ولم يستطع الرصافي المكوث فيها طويلا، فحاول دخول انتخابات المجلس التأسيسي، ٳلا أنه فشل في مسعاه. ونلاحظ هنا الطريقة العراقية التقليدية في التعامل مع الأعداء السياسيين آنذاك، فعلى الرغم من معاداة الطبقة الحاكمة العراقية للرصافي، فكل ما فعلته كان ازعاجه ماليا وسياسيا، ولم تعتقله أو تغتاله. وفي الوقت نفسه لم يكن الرصافي داعيا للعنف أو المؤامرات السرية، فكل طرف كان يحترم حدوده ويتبع التقاليد العراقية. 
لم تكن نتيجة إزعاجات الحكومة العراقية له سوى زيادة في غضبه نحوها، فعندما زار الكاتب والأديب والسياسي اللبناني امين الريحاني بغداد وهو صديق مقرب للرصافي، ألقى الأخير قصيدة اعتبرت الأروع في الشعر السياسي العربي الحديث عندما قال:
أأمين جئت إلى العراق لكي ترى
ما فيه من غرر العلي وحجوله
عفوا فذاك النجم أصبح آفلا
والقوم محتربون بعد أفوله 
أحس الرصافي بشدة عداء الملك فيصل له، وكان على فيصل الأول أن يكون أعلى من هذا الخلاف، وهو ملك البلاد. وقد ذكر الرصافي هذا بوضوح في رسالة إلى فيصل، خاصة أن الخلاف كان قد أصبح شخصيا، وأن يستفيد من الرصافي ويعطيه حقه في العمل الحكومي، وهو أكثر كفاءة وأعلى شأنا من الكثير من وزراء فيصل، ثقافة وتاريخا ولكن على غير طائل. وشعر الرصافي بالغبن وهاجم فيصل في عدة مناسبات.
ولم ينج نوري السعيد الشخصية الوطنية بدوره من هجاء الرصافي الذي قال فيه:
إن نوري السعيد قد كان قبلا
آدميا فصار بالمسخ قردا
المفاجاة هنا أن الملك فيصل الأول غير رأيه تجاه الرصافي بعد وساطة من رئيس الوزراء آنذاك عبد المحسن السعدون ودعم ترشيحه لمجلس النواب، وكان هذا عام 1928 فدخله وبقي في المجلس حتى 1939.
وعندما زار السياسي السوري عادل أرسلان بغداد عام 1930 وقرر رئيس الوزراء آنذاك ياسين الهاشمي إقامة حفل له في سينما «رويال» إلا أن الرصافي لم يستلم أي دعوة لحضور الحفل، وحدث أثناء جلوسه مع الشاعر الشعبي عبود الكرخي وبديوي الحاج رحومي في منزله أن دخل شفيق نوري السعيدي، وسلم وجلس، وكلم الرصافي والكرخي قائلا «ٳن ياسين الهاشمي يعتذر لعدم إيصال بطاقتي الدعوة لكما، وهو يدعوكما للحضور الآن»، فرفض الرصافي وسكت الكرخي، فعندها كرر شفيق الكلام والتمس من الرصافي تلبية الدعوة فرفض ثانية وبإصرار. فعاد شفيق من حيث أتى. وبعد نصف ساعة أتى ياسين الهاشمي بنفسه وهو رئيس الحكومة، ومعه عدد من الأشخاص إلى دار الرصافي ودعاهما لحضور الحفلة معتذرا عن عدم وصول الدعوتين. وعند ذلك وافقا على الحضور ولما وصل الرصافي والكرخي وبديوي، ٳلى مكان الحفلة وجدوا القاعة مليئة بالمدعوين بدون أن يكون هناك مقعد شاغر، فأحضرت لهم الكراسي وصُفت بالقرب من الشاشة وألقى الرصافي في تلك المناسبة قصيدة ارتجالية رائعة، إلا أنه لم يستطع كتم غضبه بسبب عدم استلامه بطاقة الدعوة فأنهاها بقوله:
يا عادلا كاسمه لا تنسَ مظلمتي عندي خصوم وما عندي لهم حكم 
فدوى التصفيق زهاء ربع ساعة، وهو يشير بهذا البيت ٳلى رئيس الوزراء ياسين الهاشمي وينحي عليه باللائمة، لعدم توجيه الدعوة له مسبقا ليكون مستعدا أكثر ولو أنه لم يقصر وٳن كان قد حضر متأخرا. 
ولم تكن السياسة سوى أحد اهتمامات الرصافي، فقد أهتم كثيرا باحوال الطبقات الفقيرة، بل إن أشهر قصائده كانت عنهم مثل «اليتيم في العيد» وكان تصويره لفقراء العراق نابضا بالحياة ودقيق الوصف وكم طالب بدعم الفقراء وتخفيف معاناتهم، وكان مطلع قصيدة «اليتيم في العيد»:
لقيتها ليتني ما كنت ألقاها
تمشي وقد أثقل الٳملاق ممشاها
أثوابها رثة والرجل حافية
والدمع تذرفه في الخد عيناها
وكان الرصافي من أوائل المنادين بحرية المرأة. وعلى الرغم من أن الشاعر جميل صدقي الزهاوي كان قد سبقه في هذا المضمار، إلا أن الزهاوي انسحب من هذا النقاش عند مواجهته لمعارضة شديدة، فلم يكن الزهاوي رجل مواجهات، على عكس الرصافي الذي كان من بدأ معركة في هذا المضمار واستمر فيها.
أما في مجال تشجيع دراسة العلوم الحديثة، فقد دعا إليها بكل قواه وهاجم المحافظين الرجعيين الذين كانوا ضد التقدم العلمي، حيث قال فيهم في إحدى قصائده عام 1922:
ألم ترهم أمسوا عبيدا لأنهم
على الذل شبّوا في جحور ٳماء
وقال في قصيدة أخرى في مناسبة ثانية كان مطلعها:
ابنو المدارس واستقصوا بها الأملا
حتى نطاول في بنيانها زحلا
وكبقية الشعراء العرب فقد كان للرصافي غزل ومنه ما يقول فيه:
هي غمازة اللحاظ لعوب
ذات دل ظريفة لحانها
وقد هاجم الرصافي التقاليد العشائرية بقسوة معتبرا إياها رموزا للتخلف، وانتقد قانون العشائر الذي كان معمولا به آنذاك بالإضافة إلى الخرافات الشعبية الكثيرة، فقد كان من أنصار التفسير العلمي للحياة ولم يخفِ هذا. وكدليل على ثقافته الواسعة وعمله الدؤوب فإن له تسعة عشر كتابا في الشعر واللغة والتاريخ، كان لبعضها شهرة واسعة ومن يدرس أعماله يكتشف أنها دراسات متعمقة في التاريخ والمجتمع العراقي بشكل أدبي ساحر. كما ترك عددا كبيرا من الرسائل الشخصية الممتعة. وأود أن أخص بالذكر ٳحداها وكانت موجهة ٳلى الصحافي والرحالة العراقي يونس بحري، الذي لقب الرصافي بأمير الشعراء في جريدته «العقاب». وقد رفض الرصافي اللقب محتجا بشدة ولم يقبل بأي لقب، واعتبر منح القابا من هذا النوع عادة مصرية لم يكن يستحبها.
ومما هو جدير بالذكر أن الرصافي نتاج المجتمع العراقي المؤمن بتقاليد عريقة تطورت على مدى قرون عديدة لتميز الشخصية العراقية الخجولة والمؤدبة، التي تحترم العلم والسن، وأنتجت الثقافة العراقية التي كانت سائدة في العراق في نهاية القرن التاسع عشر والتي كان الرصافي آخر معالمها تاركا فراغا ثقافيا هائلا، حيث تغيرت الثقافة العراقية بعده وفقدت الكثير من خصوصيتها وتحولت إلى نموذج ممل لا طعم له. 
كانت متعة الرصافي الاختلاط بالأصدقاء وتبادل النكات معهم، وذكره الجميع خيرا إلا أن هذا لا يخفي واقعه المرير، حيث قضى سنواته الأخيرة مريضا في فقر مدقع ليموت عام 1945 في بيت وضيع وهكذا يموت الأسود عندنا.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات