عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Aug-2017

رحلة الاندلس اولها طَرطُوشَة Tartosa

 

د. محمد عبده حتاملة
الراي - مدينة، يلفظ اسمها بالفتح ثم السكون ثم طاء أخرى مضمومة، وواو ساكنة، وشين معجمة. تقع في الثغر الأعلى شرقي بلنسية، بالقرب من ساحل البحر الأبيض المتوسط عند مصب نهر الأبرو، وهي خلف هذا النهر على بعد عشرة فراسخ من الساحل، وتشرف على النهر.
 
تبعد طرطوشة أربعة وثمانين كيلومتراً جنوب مدينة طرْكونة Tarragons، وعن مكناسة خمسين ميلاً، وعن بلنسية مائة وعشرين ميلاً (مسيرة أربعة أيام). وأحوازها متصلة بأحواز بلنسية وأحواز برشلونة.
 
وطرطوشة في سفح جبل، ولها سور حصين، وفيها أسواق وعمارات متقنة، ولها أيضاً ولاية واسعة وبلاد كثيرة تعدّ في جملتها، "تحلّها التجار وتسافر منها إلى سائر الأمصار"، "وقصبتها على صخرة عظيمة" تقع المدينة في غربيها وشماليها. وإلى الشرق من القصبة جبل سماه الحميري: جبل الكهف، وذكر أنه جبل أجرد.
 
وسور المدينة صخري بناه الأمويون على آثار سور قديم، «ولها أربعة أبواب، وأبوابها كلها ملبّسة بالحديد». وفيها دار صناعة ضخمة بناها الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر سنة 333هـ/945م. ولذلك كثر فيها الصُنّاع والعمال. وبنى الناصر فيها أيضاً مسجداً جامعاً كبيراً سنة 345هـ/956م. وهذا الجامع «من خمس بلاطات، وله رحبة واسعة»، وفي طرطوشة أربعة حمامات، وتزخر أسواقها بالصناعات والمتاجر، وأما قصبتها فمنيعة شاهقة، وقد وصف عبد الملك بن إدريس المعروف بالجزيريّ جبل الكهف الأجرد الذي أقيم عليه سجن كان المنصور محمد بن أبي عامر قد سجنه فيه، وصفه الجزيري بقوله:
 
في رأس أجرد شاهقٍ على الذُّرى يأوي إليه كل أعور ناعقٍ ويكاد من يرقى إليه مرّةً
 
ما بعده لمؤمّلٍ من ممصرٍ وتهبُّ فيه كل ريح صرصرِ من عمره يشكو انقطاع الأبهر
 
وذكر المقري – نقلاً عن المطمح- أن هذا السجن إنما هو معتقل كان في برج من أبراج طرطوشة، ووصفه بأنه «نائي المنتهى، كأنما يناجي السُّها قد بعد ساكنه عن الأنيس، وقعد من النجم بمنزلة الجليس، تمرّ الطيور دونه ولا تجوزه، ويُرى منه الثرى لا يكاد يحوزه».
 
وتكثر في طرطوشة الثمار والفواكه، ويكثر في جبالها شجر الصنوبر الذي يتميز بجودة خشبه، ويشتد الإقبال عليه من صانعي المراكب والبنّائين، فهو «لا يوجد له نظير في الطول والغلظ، ومنه تتخذ الصّواري... وهو خشب أحمر، صافي البشرة، دسم، لا يتغير سريعاً، ولا يفعل فيه السوس ما يفعله مع غيره».
 
ولعل توافر هذا النوع من الخشب في طرطوشة هو الذي شجع الناصر على بناء دار للصناعة فيها، وجعل أهلها مهرة يتقنون كل تحدثٍ، وكل آلة حسنة، كما يذكر الزهري.
 
وهناك نوع آخر من الشجر الذي تشتهر به طرطوشة هو شجر يسميه الحميري: البَقس «ومنها يفترق إلى النواحي». وأما أشهر معادن طرطوشة فهو معدن الكحل المشبه بالأصبهاني الذي يستخرج من نواحيها، ويصدر منها إلى مختلف الأقطار.
 
لم تذكر المصادر فاتح طرطوشة أو تاريخ فتحها، باستثناء الزركلي الذي أشار إلى أن طارق بن زياد فتحها بعد دخوله الأندلس سنة 92هـ/710م. ولكن المرجح أن فاتحها هو موسى بن نصير بعد التقائه بطارق، والأغلب أن فتحها على يديه كان سنة 94هـ/712م بعد فتح لاردة وطركونة التي تعتبر طرطوشة من أعمالها.
 
ولم يقع في طرطوشة في أوائل عهدها بالإسلام أحداث تذكر إلا ما كان في عهد الأمير الأموي هشام الأول (المرتضى) (172-180هـ/788-796م)، فقد استولى عليها في عهده سعيد بن الحسين بن يحيى بن سعد بن عُباده الأنصاري، الذي كان أبوه قد ثار على الأمير عبد الرحمن الداخل (138-172هـ/755-788م) في سرقسطة، وأخمد ثورته سنة 165هـ/781م. وقد تمكن موسى بن فرتون، حاكم الثغر الأعلى الذي كان قد بايع هشاماً من مقتل سعيد، وإنهاء ثورته.
 
واستولى على طرطوشة في عهد الأمير الأموي الحكم بن هشام (180-206هـ/796-822م) بهلول بن مرزوق المعروف بأبي الحجاج وذلك سنة 185هـ/801م، «ثم رماه الله بخلف بن راشد فقتله».
 
وتعرضت طرطوشة سنة 193هـ/808م لحصار ضربه حولها النصارى بقيادة لويس بن شارلمان الذي يدعوه ابن عذاري «رذريق صاحب إفرنجة». إلا أن الأمير الحكم وجه إليه جيشاً بقيادة ابنه الأمير عبد الرحم انتصر على النصارى، وصدهم عن طرطوشة.
 
فقد «تقدم عبد الرحمن بالجنود، وتوافدت عليه الحشود، وحفت به المطوّعة، فألفوا الطاغية خارجاً إلى بلاد المسلمين. ودارت بينهم حروب شديدة، ثبت الله فيها أقدام المسلمين، فانهزم المشركون، وكانت فيهم مقتلة عظيمة، ففني أكثرهم». ولم يعد النصارى يتعرضون لطرطوشة في عهد الأمويين في الأندلس، إلا أن أهلها شكوا إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر (300-350هـ/912-361م) كثرة مغارمهم «مع مكانهم من الدنوّ إلى العدو الشديد الشوكة، ومقاساة معرّتهم، وسألوه النظر لهم» فأسقط عنهم الزكوات والصدقات وذلك سنة 329هـ/940م.
 
وعندما اضطرمت القتنة في أعقاب سقوط الخلافة الأموية في الأندلس نزح الفتيان العامريون: مجاهد وواضح وخيران وزهير إلى شرقي الأندلس، وتملك مجاهد العامري طرطوشة سنة 400هـ/1010م. ثم ولي طرطوشة من الفتيان العامريين أحد فتيانهم، واسمه «لبيب» وكان قد ضبطها لنفسه، وساس أموره بها مع رعيته، ومع من يجاوره من الأمراء». ثم آلت المدينة إلى المقتدر بالله بن هود (438-474هـ/1046-1081م)، وذلك سنة 452هـ/1060م.
 
وتوفي المقتدر بن هود سنة 474هـ/1081م بعد أن قسم مملكته سرقسطة بي ولديه المؤتم والمنذر، وكانت طرطوشة من نصيب المنذر الذي تحالف ضد أخيه مع ملك أرغون، بيما تحالف أخوه المؤتمن ضده مع ملك قشتالة. وقد دارت بين الأخوين معركة قرب طرطوشة انهزم فيها المنذر وحليفه ملك أرغون، واستولى أحد قادة ملك قشتالة، وهو القمبيطور على ما في معسكرهما من متاع ورجال.
 
وتبعت طرطوشة المرابطين في الأندلس سنة 487هـ/1094م، وشارك أميرها في الحملة التي أعدوها لإنقاذ بلنسية من أيدي النصارى في تلك السنة. وقد ولي طرطوشة للمرابطين: محمد بن الحاج، ثم وليها: أبو بكر بن أبي يحيى إبراهيم المعروف بابن تيفلويت.
 
ولم تلبث طرطوشة أن سقطت في يد قومس برشلونة راميو برنجر الرابع (Ramio Berenguter IV) الذي هاجمها بمساندة فرسان الداوية وغيرهم من جند أرغون ونبرة وجنوة. وكان سقوطها سنة 543هـ/1148م. وقد ذكر ابن الأثير أن النصارى في تلك السنة ملكوها وملكوا جميع قلاعها.
 
*قسم التاريخ/ الجامعة الأردنية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات