عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Sep-2018

شخصية جلجامش في مسرحية للسويدي لآبة لينده

 القدس العربي-صالح الرزوق

في مسرحية «جلجامش» للسويدي آبة ليندة Ebbe Linde اهتمام غير مسبوق بشخصية الطاغية العادل، وليس بالصورة الرمزية لجلجامش، أو بالمبدأ الأساسي الذي كانت الأسطورة تمثله، وهو الخلود. 
كان جلجامش كائنا محتارا وضائعا بين عدة خيارات، وأفرط في التسلط وكان ديكتاتورا لا يأبه بحدود الزمان أو المكان خلال التعبير عن أنانياته الشخصية (كما ورد على لسان المساعد ـ أحد أفراد الكورس). وكان براغماتيا، وبرر فساده وسوء إدارته بتكاسل الإنسان البسيط وفشله في صناعة مستقبله. وبرأيه: «إن القوي يصبح ملكا والضعيف عبدا». وأكد أن «ما يميز سومر عن الشعوب المجاورة هو الإرادة والعمل». وهذا بخلاف الأسطورة التي ترد كل شيء لمشيئة الخالق وللقدر. «فالناس سواسية والقدر هو الذي يحدد المصائر بدون أن يفرق بين عبد وسيد أو ميت ونائم كما ذكر أوتونبشتم في نصيحته لجلجامش» (طه باقر).
وفي السياق نفسه يقول ثوركلد جاكوبسن: إن مركز الوجود ومغزاه عند العراقي القديم عرضة للإرادات الفردية المتنازعة المليئة باحتمالات الفوضى، وهو يجابه قوى فردية جبارة لا تتبع إلا رغباتها، ويتضح ذلك في استعمال آبة ليندة أسلوب بناء المشاهد وتصوير المواقف وليس تطوير الشخصيات لتحريك الدراما وإغنائها. ولذلك يمكن أن تلاحظ عدة فروق مهمة بين المسرحية والأسطورة السومرية. وفي المقدمة أن ليندة لم يكن يألو جهدا للإعراب عن دور التاريخ في تطوير الحبكة. فقد تعامل مع العقل على أساس أنه سطح عاكس، بمعنى أنه مرآة تعكس الأفكار ولا تصنع الأحداث. وكان يعزو للعمل والكد والتعب قيمة إلهية، ويعتقد أن الإنسان لا يفنى من خلال آثاره وليس بوجوده.
وبهذا المعنى يقول: 
أنظروا إلى هذه المشاهد والقباب المزخرفة،
التي ستستمر في البقاء منتصبة، تزلزل الأرض.
يا شعبي! في آثار ساعات الكدّ هذه،
تشيِّد أنت البناء الأشمخ في العالم 
في حين أن الأسطورة كانت خلاصة للحكمة التي وصلت إليها التجربة البشرية، ولذلك كان عنوان الملحمة الرسمي «هو الذي رأى كل شيء» (طه باقر). ويجب الإشارة إلى أن التجربة في الأسطورة كانت خاصة بالنخبة كالملوك والجبابرة والسحرة، حتى أن فض أي نزاع أو حل مشكلة يكون بالاعتماد على القدرات الفردية. وليس للشعب أي دور فاعل إن لم نقل إنه غير موجود، ناهيك عن تغييب أي دور للدولة. لقد اهتمت الأسطورة برأس المجتمع، واختارت أن يكون هجينا، نصفه إنسان ونصفه الآخر إله. ولم تعول إطلاقا على العقل ولا البديهة، ووضعت كل أوراقها في خانة واحدة وهي العضلات، وكانت تتحكم بها الغرائز والإرادة أو الرغبة بالامتلاك. إن أي قراءة للملحمة ستنتبه لدور البطل في صناعة المأساة، باعتبار أن القدرات الخارقة لا يمكنها تبديل القدر المكتوب سلفا. وبهذا المعنى تقول سيدوري: 
لما خلقت الآلهة البشر قدرت الموت على البشرية
واستأثرت هي بالحياة (طه باقر).
ويؤكد جلجامش على هذا المعنى بقوله:
أجل في مضجعي يقيم الموت (طه باقر).
وتتوقف المسرحية مطولا عند النزال بين الأبطال والطبيعة. فقد كانت مقسومة لثلاثة مشاهد، كل منها يرفع الستار عن مواجهة بين طرفين متكافئين. الأول هو صراع جلجامش مع أنكيدو، وهو صراع رمزي، يحمل خلفه رغبة السلطة باستئناس من يهدد امتيازاتها. وغني عن القول إن أنكيدو في المسرحية كان خطرا على خزينة الدولة. والثاني هو صراع أنكيدو مع الحمى وتعرضه للهلاك. وأعتقد أن الموت في هذا المشهد هو سبب وليس نتيجة. لقد كان الموت في مسرحية ليندة مرضا سياسيا، واستسلام أنكيدو لإغراء المرأة الفاتنة يحمل في طياته معنى الهزيمة، أو ما يسميه فرويد الخصاء. ويمكن هنا التذكير بمعادلة فرويد المعروفة: إن ممارسة الحب تفترض خسارة الرجل لعضوه أو خصائه. وفي المسرحية عدة قرائن على هذا المعنى، فأنكيدو في لحظة ضعف وانكشاف يعاتب حبيبته آيلة ويقول لها:
ملعونة روحك التي أطفأت روحي 
ثم يضيف بلهجة حانقة وواضحة:
لقد منحت الدمار، وستكون حياتك دماراً 
ثم يختم عتابه بقوله:
ستحملين ازدراء محبيك.
ولكن لا أحد يربط هذا الموت بالهزيمة والسقوط مثل جلجامش الذي يندب صديقه بقوله:
أنا الآن ملك على الأشباح وفضلات الخيل
وعلى البريق الخادع القصير للحظات المساء.
ثم يتخلى عن تاجه وصولجانه، ويرسم مشهدا لبقايا معركة يمكن أن تجد مثله في أعمال حربية معروفة كـ»الهزيمة» لألكسندر فادييف أو «القوزاق» لتولستوي.
وقد تفاقمت الدراما بعد استسلام أنكيدو لأحضان آيلة باتجاه المأساة، مثلما جرى مع آدم في أعقاب حادثة التفاحة والاستسلام لإغراء حواء. وبالنتيجة هبط أنكيدو لعالم الأرواح وتبعه جلجامش لمملكة الظلام. ومن حسن الحظ أن الظلام لم يكن يدل على الشر والمكائد بقدر ما يشير لفساد وتفكك المجتمع. وبعبارة أوضح لاندحار الأخلاق وندرة الموارد، ولا سيما الموارد الذاتية للعاطفة. وبتعبير أوبارتوتو: لقد فقدنا الخدمات الإنجيلية وتحولنا إلى عبيد لدى مديري المكاتب. 
ويبقى المشهد الثالث والأخير، وهو خاص بتفسير علاقة الإنسان مع عطاء الطبيعة والوعي أو منحة وفوائد المعرفة. ومن الواضح أنها معرفة تاريخية تتحدد بالصراع على الموارد، ولذلك فإن المأساة التي كانت موجودة في الأسطورة يخفت صوتها ليرتفع صوت الكوارث والنزاعات. وتحتدم الحبكة في هذا المشهد لتعبر عن واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ البشر، وهي الحروب التي يقر الملك جلجامش علنا بأنها صراع بين حب السيطرة وغريزة الامتلاك والبقاء. لقد كان تفسير المسرحية للموت والغياب تفسيرا استعماريا، ويحمل صلف الإمبريالية بحب التوسع والتملك. ويدخل في هذا المضمار امتلاك المعرفة ووسائل الإدراك وأدوات تعميم وتدوين الذاكرة. ويمكنك القول: إن هذا المشهد ينتهي بصناعة تاريخ عاطفي للإنسان، وهو تاريخ تحدوه رغبات الأقوياء وشعورهم المتزايد بالرهبة والضعف، ولذلك يقول أرشكيجال:
ليست الآلهة واضعة الشريعة، إنها مصلحة المجمع،
الآلهة نفسها تقف تحت طائلة شريعة المجمع.
وإذا كانت رحلة جلجامش الأخيرة في الظاهر للبحث عن صديق عمره أنكيدو، فهي في الواقع للتعرف على عدوه القوي الذي سلبه الحق بتقرير مصير واحد من رعاياه. وفي هذه الرحلة يخالف ليندة الأسطورة بثلاث نقاط مهمة.
1- يصنف عشتار بين آلهة الهلاك أو الموت مع أنها إلهة للحب والخصوبة عند البابليين. ويواجه الإنسان بهذا الخصوص مشكلة محيرة، لماذا اختارت أسطورة سومرية أصلا اسم عشتار وليس إنانا، كما هو مفروض. وكيف تسنى للأسطورة أن ترسم صورتها في الظلام وبين الأرواح؟
2- ثم إنه يقفز من فوق أسطورة الطوفان. ومن المعروف أن الغمر بالماء سلاح ذو حدين، فهو رمز للتعميد، وهو تعميد وجودي يشمل كامل كوكب الأرض. بمعنى أنه يبارك للأرض بالنشوء والخلق، لكنه أيضا ينذر بكارثة شاملة تهدد حياة كل المخلوقات بدون تمييز بين نبات وحيوان وبشر. وكما يقول جاكوبسن: الماء هو مصدر الفعل والحركة ومصدر الأشياء الجديدة.
3- و«أيضا إنه يؤسس لدولة قومية لها نشاط سياسي، بينما الأسطورة تهتم بدولة المدينة، وهي طبقية بامتياز وتتكون من الغابات والسهول التي تحيط بها ومن الساحات والأسواق التي تحيط بالمعبد حيث تستريح الآلهة وتسخر البشر لخدمتها». بتعبير آخر إن في المسرحية نشاطا سياسيا بينما الأسطورة لا ترى إلا النشاط الاقتصادي. 
4- وأخيرا إنه يوظف الشخصيات التقليدية التي وردت في المسرح الكلاسيكي أو مسرح الحكمة لا الأسطورة مثل الراوي والجوقة والكورس والقيثارة… وأستطيع أن أجد في هذه النقطة إشارة واضحة لمؤثرات من شكسبير ولاسيما «العاصفة». فهي عمل طبقي بامتياز، لا يكتفي بتفسير الصــراع على أســاس الطبــائع، ولكن أيضا على أساس المهنة والــــثروة أو مكانة الإنســان في المجتمع. ويبدو أن ليندة وشكسبير وظفا العنــاصر (مصادر الطبيعة والنفس البشرية) على قدم سواء، للإعراب عن مشكلة الإنسان مع مصيره. ولا أظن أن المقصود هنا هو القدر ولكن الظرف الاجتماعي وقوانين المرحلة أو التاريخ.
 
٭ كاتب سوري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات