عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jul-2018

الجوهر الفاسد للشعبوية

 الغد-جيمس إيه. غولدستون

 
نيويورك- دفعت الانتصارات الانتخابية الشعبوية في جميع أنحاء العالم في السنوات الأخيرة الكثيرين إلى الاعتقاد بأن الديمقراطية الليبرالية تتعرض للهجوم. لكن اعتقال رئيس الوزراء السابق في ماليزيا مؤخراً بتهمة الفساد شكل إحدى الإشارات العديدة على أن التنبؤات واسعة النطاق بالتراجع العالمي للديمقراطية الليبرالية سابقة لأوانها.
 
المعنى الضمني لهذا التشاؤم هو أن المدافعين عن الديمقراطية الليبرالية لا يمكنهم استعادة الأرضية الأخلاقية العالية إلى أن يعيدوا فحص افتراضاتهم السياسية والاقتصادية الخاصة. ومع ذلك، من الخطأ الاعتقاد بأن صعود الحكام المستبدين هو ظاهرة إيديولوجية بحتة أو تعبير عن الرفض واسع النطاق للديمقراطية أو الليبرالية أو حقوق الإنسان والحقوق المدنية. إن الديماغوجيين المنتخبين اليوم لا يسترشدون بالمبدأ، وإنما بالقوة والطمع -وهم يفعلون ذلك من أجل أنفسهم وأسرهم وأصدقائهم. وتتطلب إعادة التوازن إلى عالمنا غير المنتظم الكشف عن الفساد الكامن في قلب التوجهات الجديدة المعادية لليبرالية.  
 
في هنغاريا، أصبح أصدقاء رئيس الوزراء فيكتور أوربان وأفراد أسرته أغنياء من خلال القروض الحكومية والعقود العامة. وفي فلكشت مدينة أوربان، أشرف أحد أتباعه على بناء ملعب لكرة القدم يستوعب 4000 شخص، على الرغم من أن إجمالي عدد سكان البلدة يبلغ 1600 فقط. في حين أن "الفساد كان قبل العام 2010 كان مجرد خلل في النظام"، وفقاً لمجموعة مراقبة الشفافية الدولية، والآن "أصبح جزءاً من النظام اليوم".
 
في تركيا العام 2014، تورط أشخاص مقربون من الرئيس رجب طيب أردوغان، والعديد من كبار أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم، في عمليات غسيل الأموال لتجاوز العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة على إيران. وأدت تلك الفضيحة إلى استقالة أربعة وزراء، وإلى نشر تسجيلات صوتية لأردوغان يطلب فيها من ابنه التخلص من ملايين الدولارات التي تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة. لكن أردوغان نفى هذه الادعاءات باعتبارها مؤامرة، وقام المدعون العامون الأتراك بإغلاق القضية في نهاية المطاف.
 
وفي ماليزيا، اتهم رئيس الوزراء السابق نجيب رزاق وشركاؤه الآن بنهب أكثر من 4.5 مليار دولار، من صندوق الاستثمار الحكومي. ووفقًا لوزارة العدل الأميركية، فقد تم استخدام الأموال المسروقة لشراء عقارات راقية في مانهاتن، وقصور في لوس أنجيلوس، ولوحات للفنان مونيه وفان جوخ، وطائرة وشركات ويخت ومنتجات فخمة أخرى.          
 
وفي الولايات المتحدة، ما تزال الأسئلة تدور حول المصالح الخاصة للرئيس دونالد ترامب وأسرته، وكيف يمكن أن تؤثر هذه المصالح على سلوكه في المنصب.   
 
من المفارقات أن الغضب من الفساد لعب دوراً حاسماً في الصعود الحالي للمستبدين الشعبويين. ومن أجل الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية، يجب علينا مكافحة الفساد. بالإضافة إلى إعادة توزيع الأصول المسروقة من اللصوص السياسيين والشركات، وأعوانهم القانونيين والماليين، فإن حملات مكافحة الفساد لا تخضع المسؤولين للمسائلة فحسب، بل يمكنها أيضا معالجة عدم المساواة - إلى جانب الإحباط الذي يستغله الشعبويون لمصلحتهم.
 
ومع ذلك، فإن مكافحة الفساد تعني أيضاً تركيز وتجريم أولئك الذين يهددون أو يقتلون أو يعيقون الصحفيين الذين يعملون على كشف سوء استخدام السلطة. إن حرية التعبير وغيرها من الحقوق الأساسية ليست من الكماليات النخبوية كما يدعي المستبدون. فهي ضرورية لحماية المجتمعات الحرة.
 
وعلاوة على ذلك، يمكن للحملة المنسقة لمكافحة الفساد في البلدان ذات الانقسامات السياسية العميقة أن تعمل كقوة موحدة. إن حكومة الأغلبية لا تولي أي اعتبار لمصالح الأقليات، ولذلك فإن الأنظمة الفاسدة تسرق الجميع. ولهذا السبب أثار الفساد احتجاجات جماعية من بوخارست إلى برازيليا في العام الماضي.
 
بطبيعة الحال، يمكن للحكام تحويل حملات مكافحة الفساد إلى أداة سياسية. في الصين، استخدم الرئيس شي جين بينغ ببراعة تدابير مكافحة الفساد للقضاء على المعارضين السياسيين واكتساب قوة مطلقة. ولكن هذا هو أحد الأسباب الأخرى التي تدعو المدافعين عن الديمقراطية الليبرالية إلى تكثيف جهودهم الخاصة لمكافحة انتهاكات الثقة العامة.
 
لحسن الحظ، هذه الجهود لديها بالفعل سجل حافل. وفي الولايات المتحدة، تمكنت أربعة عقود من الملاحقات القضائية الحاسمة بموجب قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة، من الحد من سوء الإدارة في جميع أنحاء العالم واستردت مليارات الدولارات من الأصول المسروقة. وعلى الرغم من أن ترامب انتقد قانون الفساد هذا منذ فترة طويلة، إلا أن آليات الإنفاذ قد نجت حتى الآن (على الرغم من أن ذلك قد يتغير).
 
على نحو مماثل، اتهم المدعون العامون في فرنسا مؤخراً رئيساً سابقاً ورجل أعمال بارز بقضية الفساد المستشري في إفريقيا. وفي المملكة المتحدة، اعتمدت الحكومة مؤخراً بعض القوانين التي تطالب جميع الأقاليم البريطانية في ما وراء البحار -الملاذات سيئة السمعة مقابل المال الغير قانوني- بأن تحدد بشكل علني أصحاب العقارات الحقيقيين للشركات المسجلة بحلول نهاية العام 2020. وفي إسبانيا، خسر الحزب الشعبي الحاكم منذ فترة طويلة مؤخراً تصويتاً بعدم الثقة بعد أن انتهى تحقيق جنائي في الجرائم المالية بالحكم بالسجن على المسؤول المالي الرئيسي للحزب.   
 
ولكن، على الرغم من علامات التقدم هذه، ما تزال هناك حاجة إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات. وما يزال إنفاذ مكافحة الفساد غير متساوٍ عبر سلطات قضائية مختلفة. ولمعالجة المعاملات المالية عبر الحدود، نحتاج إلى بناء شبكات دولية أقوى من المدعين العامين والمحققين.
 
وفي الوقت نفسه، ينبغي على المزيد من الحكومات أن تحذو حذو بريطانيا، وتضع حداً لممارسة "الملكية المفيدة" من قبل أطراف ثالثة سرية. وقد بذل أصحاب بعض أغلى الشقق في مدينة نيويورك جهودًا كبيرة -معظمها قانونية- من أجل إخفاء هوياتهم، وذلك عن طريق التسجيل في شركات الائتمان أو الشركات ذات المسؤولية المحدودة أو الكيانات الأخرى.
 
بشكل أوسع، يجب على المانحين من القطاعين العام والخاص زيادة دعمهم لمنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة. تستطيع هذه المؤسسات إتباع وكشف الفساد، وتوضيح توريط الممثلين السياسيين الأقوياء، وحث الجهات الحكومية على فرض عقوبات على المسؤولين عنها.
 
لن يكون الحد من الفساد سهلاً، بالنظر إلى أن العديد من الاقتصادات تعتمد على تدفقات الاستثمار المرتبطة بالنشاط الإجرامي. لكن عواقب التساهل واضحة للغاية. إن الفساد هو المحرك الرئيسي للشعبوية والتراجع عن القيم الليبرالية. ولذلك، في المرة القادمة إذا سألك شخص عما حدث للديمقراطية الليبرالية، أخبره أن يتعقب التدفقات المالية.
 
 
 
*المدير التنفيذي لمبادرة عدالة المجتمع المفتوح. شغل في الفترة من 2007-2008 منصب منسق الملاحقات القضائية في المحكمة الجنائية الدولية.
 
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات