عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-May-2018

حساب كلف سياسة ترامب تجاه إيران

 الغد-آنا بلاثيو

مدريد- أعلن الرئيس دونالد ترامب، أن الولايات المتحدة ستعيد فرض العقوبات ضد إيران. وبذلك، يكون الاتفاق النووي الإيراني للعام 2015 -المعروف رسمياً باسم خطة العمل المشتركة الشاملة- قد دخل مرحلة جديدة وخطيرة للغاية.
يعتقد ترامب أن قرار الانسحاب من خطة العمل المشتركة الشاملة سيزيد من الضغط على إيران للاتفاق على صفقة جديدة أكثر شمولاً، والتي لا تغطي البرنامج النووي للبلاد فحسب، بل وأيضاً اختبارات الصواريخ الباليستية والسلوك الإقليمي الاستفزازي وانتهاكات حقوق الإنسان. ويعتقد شركاء أميركا وحلفاؤها أن هذه مناورة شديدة الخطورة -وهي تتناقض مع المنطق الأساسي للصفقة.
إن قرار الانسحاب من خطة العمل المشتركة الشاملة -على الرغم من امتثال إيران لجميع أحكامها- قد يجعل من معالجة برنامج إيران النووي مسألة صعبة للغاية، لأنه سيعزز موقف المتشددين في البلاد. وعلى نطاق أوسع، فإنه يهدد بحرمان العالم من نهج جديد ومبتكر للحوكمة العالمية والدبلوماسية المتعددة الأطراف، في وقت تشتد فيه الحاجة لهذه النهج.
وعلاوة على ذلك، يدعي ترامب أن خطة العمل المشتركة الشاملة لم تحقق أي نجاح، وذلك بسبب عدد كبير من القضايا غير النووية التي أهملتها. وقد وصفها بأنها "من أسوأ الصفقات وأكثرها انحيازاً" بالنسبة للولايات المتحدة.
وقد عزز مؤيدو خطة العمل المشتركة الشاملة هذا الرأي عن غير قصد. فعلى سبيل المثال، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مؤخراً، إلى تعزيز الاتفاقية باتفاقيات تكميلية تغطي مجالات أخرى. ونظراً إلى أن الصفقة لم تكن مكتملة إلى حد ما، فإن المؤيدين والمعارضين على حد سواء أسهموا في فشلها.
الحقيقة هي أن خطة العمل المشتركة الشاملة لم يكن من المفترض أبداً أن تكون "صفقة" لمرة واحدة. وبدلاً من ذلك، كانت بمثابة خطوة أولى في عملية مفاوضات طويلة. ويشير مصطلح "الشاملة" إلى إلغاء العقوبات المتعلقة بالأسلحة النووية وتدابير التحقق لضمان الامتثال. لكنه لم يشر إلى أن الصفقة ترقى إلى حل شامل لجميع خلافات المجتمع الدولي مع إيران.
كان الهدف من هذه الخطة هو إبعاد قضية معقدة وعاجلة بشكل خاص -قدرة إيران المتنامية على التخصيب النووي- عن طاولة المفاوضات لفترة من الزمن، وذلك لإتاحة التقدم في مجالات أخرى. ولو تم التفاوض على كل القضايا دفعة واحدة، لما تم التوصل إلى اتفاق في الوقت المناسب. فبعد كل شيء، باءت محاولات سابقة للتفاوض مع إيران بالفشل -لا سيما في عهد إدارة الرئيس بيل كلينتون- لأنها سعت إلى تأمين الكثير. وكان هناك الكثير من المفسدين المحتملين.
كانت خطة العمل المشتركة الشاملة تطالب باتفاقيات أخرى. إن ما يسمى ببنود غروب الشمس التي تنص على تواريخ انتهاء الصلاحية لمختلف القيود المفروضة على برنامج إيران النووي -وهي بنود أثارت سخرية ترامب وغيره من المعارضين للصفقة- كانت ضرورية لأنها كانت تتطلب المزيد من المفاوضات.
بفضل إلغاء العقوبات في إطار خطة العمل المشتركة الشاملة، سيتم إجراء هذا التفاوض في ظل تحسن مستمر في الأوضاع الاقتصادية، الأمر الذي من شأنه أن يقنع الجمهور الإيراني بالفوائد الملموسة لنهج معتدل وتعاوني. وهذا بدوره سيعزز عزم الحكومة على عقد صفقات حول قضايا خلافية أخرى -بعكس التأثير المحتمل لانسحاب ترامب الأحادي الجانب من خطة العمل المشتركة الشاملة.     
كانت خطة العمل المشتركة الشاملة بمثابة حجر الأساس لحل أكثر شمولاً. وليس من المستغرب أن يفضل ترامب مقاربة شمولية. وقد أثبت الوعي المنهجي أنه "فنان الصفقة" لم يكن على علم بخبايا الأشياء، ويمكن تلخيص نظرته العالمية في كلمة واحدة: المقايضة. إلا أن الوعي بنظرة ترامب العالمية لا يجعل الأمر أقل خطورة.
إن المخاطر التي تنطوي عليها نظرة ترامب للعالم حادة بشكل خاص في عالم سريع التغير. فمن ناحية، تحولت السلطة وأصبحت أكثر انتشاراً، في حين أن سوء تدبير -وتحريف- العولمة قد تسبب في مزيد من عدم اليقين. ومن ناحية أخرى، فإن أكبر التحديات التي يواجهها العالم -بدءاً من الإرهاب العابر للحدود إلى تغير المناخ- لا يمكن التصدي لها من جانب أي بلد بمفرده، وبالتالي تتطلب حلولاً تعاونية.
الآن، من الواضح أننا لم نعد قادرين على الاعتماد حصرياً على الهياكل التي يسيطر عليها الغرب والتي عززت النظام العالمي القائم على القواعد طوال السنوات السبعين الماضية. ومع أنه لا ينبغي لنا الاستغناء عن تلك الهياكل، ناهيك عن النظام القائم على القواعد، فإننا يجب أن نطور أدوات جديدة تكميلية لتعزيز التماسك وتهيئة الظروف اللازمة للتعاون الفعال.
غالباً ما تكون مثل هذه الإجراءات مخصصة ومرنة، بدلاً من الصفقات التقليدية الملزمة، ولن تكون شاملة على الإطلاق. وسوف تكون مصممة ومركزة نسبياً لوضع الأساس لمزيد من التقدم. وبذلك، ستكون عبارة عن مكونات منفصلة لعملية أوسع. ويمكن أن تسمى بـ"الحوكمة المستوحاة من مارشال مكلوهان": الوسيط (أو الأداة) هي الرسالة.
يشكل اتفاق باريس بشأن المناخ للعام 2015 -الذي سحب ترامب الولايات المتحدة منه العام الماضي- مثالاً على ذلك. لا أحد يعتقد أن الالتزامات الطوعية والناعمة التي قدمها الموقعون ستكون كافية للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى "أقل بكثير من درجتين مئوية" (3.6 درجة فهرنهايت) فوق مستويات ما قبل الصناعة. ومع ذلك، فإن الصفقة تظل قيّمة: فهي تحفز العمل الآن، بينما تعمل كمنصة لمزيد من الالتزامات مستقبلاً.
كان من المفترض أن يكون لخطة العمل المشتركة الشاملة تأثير مماثل، مما يسهل -ويطالب- بمعالجة الخلافات العديدة الأخرى بين إيران وبقية المجتمع الدولي. وكانت الولايات المتحدة جزءاً أساسياً من هذه العملية. إن فشل ترامب في فهم هذا النهج المبتكر هو بمثابة خبر سيئ بالنسبة لإيران والعالم ومستقبل الحكم العالمي.
 
*وزيرة سابقة للخارجية الأسبانية ونائب سابقة لرئيس البنك الدولي، وعضو مجلس الدولة الإسباني. وهي محاضر زائر في جامعة جورجتاون.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات