عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Oct-2017

جمال أبو حمدان: شهادة *زليخة ابو ريشة

 الغد-كنتُ في السنة الجامعيّة الثانية عندما تعرّفتُ إلى تيسير سبول وجمال أبو حمدان وعدد من أدباء الأردن وشعرائه الشباب. كانوا ينهضون بالإذاعة الأردنيّة التي كانت تستقطبُ أفضلهم، ويصنعون لها مكانةً متفرّدةً في المنطقة. وكان مثقفو تلك الفترة يحرصون على القدوم إلى أول جامعةٍ في الأردن والتعرّف إلينا. بل لقد نشأت آنذاك بيني وبين بعضهم صداقةٌ ظلت مع الأيام. غير أنَّ توثّق العُرى مع جمال سينتظرُ أعواماً طويلةً حتى أزوره في بيته في مرج الحمام، وأعقد معه ومع ريما مودّةً عميقةً ستظلُّ حتى الساعةِ. 

غير أنَّ صداقةَ أهلِ الأدب ليست أيَّ صداقة، فقد تكون مِزاجاً من ودٍّ ومعرفةٍ وفكرٍ وجمال؛ وعليه فقد مخرنا عبابَ الحياةِ معاً منذ 1987 تقريباً، نتزاور ونتعازم ونصنعُ صداقاتٍ جديدة ونختلط بقديمة، مَن منهم من هذا البلد ومن زارنا في مؤتمرٍ أو مهرجان. من الفتية الشباب ومن الراسخين في السياسة والكلمة والفن. وصارَ أصحابُ جمال وريما أصحابي، وأصحابي أصحابَهما. كان بيتُه محجّاً لكل مثقفٍ ومثقفةٍ من شُداةِ الينابيعِ الصافية، عرباً وأردنيين. وقد اهتدينا عبرَ نقاشاتٍ لا حصرَ لها إلى ما نحنُ عليه الآن من فكرٍ وتوجّهٍ؛ فبيتُ جمال كان بيتاً لجمالِ المعنى أولاً وحريّته المطلقة، حيثُ هناك في أقصى جنوبِ عمان كانت موائدُ شهيّةٌ للمعرفة تقام مع موائد ريما الطعاميّة. وكان جمال في وسطها مثل زاهدٍ هنديٍّ يتفاعلُ فيها بمقدار ما يسمحُ به مزاجه المزاجيّ.
كان شَعرُ رأس جمال، عندما عرفته، أسودَ، وعيونه الواسعةُ بأهدابها الكثيفة مثلَ سربِ سنونو، وعندما ودّعتُه على الفايبر وهو في كانساس، كان قد أتى عليه المرضُ وتهالكَ جسداً، ولكنّه لم يتداعَ معنىً. فبالإضافة إلى استئناسه الدائم لفكرة الموتِ بالكتابة والحديثِ عنه، فقد بدا كأنه في نزهةٍ بلغَ مداها. فقبل سفره إلى أميركا بعامٍ واحدٍ قال لي إنه بقي له في هذه الحياة عامان، وهو بالتمام ما حدث. كان طبيعيّاً أن نسأل بعضنا: ماذا تقرأ/ تقرأين هذه الأيام؟ أو ماذا تكتب/ تكتبين؟ ولكنّه في الفترة الأخيرة كان يجيبني: لا أقرأ ولا أكتب. خلص... وأظنّ أن ذلك لم يكن صحيحاً، ولكنّه كان قد بلغ من الحياة مبلغَ الاكتفاء للحديثِ عنها بامتلاء. كان يبدو شاحباً، هادئاً زيادة عن اللزوم، ودوداً لكن منسحباً، يدخلُ علينا ريما وأنا وأيِّ ضيفٍ عابرٍ، يشاركنا حفلةَ الكعك بسمسم من مخابز برادايس التي أحضرها معي في طريقي إليهما، مع الزعتر والزيت وحبات الفلافل، ثم يعود إلى غرفته. 
لم يكن جمال في يومٍ من الأيام صاخباً، ولكنّه كان حاضر البديهة ساخراً. أحضرَ يوماً حجراً من البيتِ الذي وُلِدَ فيه في قرية رساس في جبل العرب في سورية، ووضعته ريما في بيتٍ زجاجيٍّ. 
كان بيته بيتَ تعلّةٍ وبحثٍ عن الدفءِ وغيرِ العادي. الأفلام التي شاهدتُها في بيته، والموسيقى التي استمعتُ إليها والأشخاص الذين واللواتي تعرفتُ إلى أو اصطحبتُ، جعلَتْ من هذا البيت كوكباً من كواكبِ هذه المجرة التي اسمها جمال. نمتُ فيه وطعمتُ وشربتُ وانتعشتُ ونعستُ، كأنَّ هذا الكوكبَ بيتي وأعزّ، وهكذا شعرَ كلُّ من دخله ومشى إليه. كأنَّ جمال ليس له فيه سوى المساحة التي تلمِسها قدماه، شَروداً أغلبَ الأحيان، حاضراً كبيتِ شعرٍ، ضاحكاً إذا واتاه المزاج، مستسلماً لحزنٍ دفينٍ.. هكذا بدا لي في أيامه الأخيرة.
عندما علمتُ من ريما بمرضه، أُصبتُ بهلعٍ، ولكني طلبته وتحدّثتُ إليه، وكنت كتبتُ مقالةً عن مرضه، فقال لي: زليخا كتير مؤثّر ما كتبتِ عني.. فأخذتُ أعتذرُ إليه أنني لم أستطع أن أعبّر تماماً عن مشاعري، فسألني: شو يعني؟ كان بدك مرض تاني أهم يصيبني حتى تعبّري؟ فضحكنا، وانكسر الحاجز الذي يقف بيننا وبين من نهشَ السرطانُ جسمَه. طلبته عدة مرات قبل أسبوع من رحيله، وحدثني ضاحكاً أنه أوصى أن يكتبَ على قبره: وُلدَ في رساس، ومات في أركنساس.. فقلتُ له: ليتكَ تذهب وتعود تخبّرنا ما الذي يحدثُ هناك! وضحكنا. كنا نتحدّثُ في الفكر والأديان وداعش والإسلام السياسي. كان متوقّدَ الذهن، يستحضرُ الأحداثَ والتواريخَ. وكان متفائلاً أن داعشاً إلى زوال.
جمال أبو حمدان من المثقفين العرب الذين كان ظاهرهم مثل باطنهم، فلا ازدواجيّة بين الأفكار والسلوك، ولا هرولة نحو السائدِ للحاقِ بموجةٍ مهما كانت. كان ثابتاً في عقله المنفتح كليّاً، وفي الحريّة، له ولسواه. لطيفاً مهذّباً بعيداً قريباً قليلَ الكلام عموماً متوحّداً، كائناً من كتابة، فجميعُ أدوارِ الرجلِ تخلى عنها طائعاً لريما لكي تتولى الجملَ بما حمل، بينما انصرفَ هو إلى دوره الوحيد في الحياة: الكتابة. 
جمال... أيها البعيدُ القريبُ... اشتقنا.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات