عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Jan-2026

"مسارات صعبة" يوثق سيرة صلاح خلف ضمن سلسلة "ذاكرة فلسطين"

 الغد-عزيزة علي

 يقدم الباحثان معين الطاهر ومنى عوض الله، في كتابهما الذي صدر حديثا "مسارات صعبة: الحركة الوطنية الفلسطينية في سيرة صلاح خلف (أبو إياد) 1933-1971"، دراسة معمقة لسيرة الشهيد صلاح خلف، منذ نشأته في يافا وغزة، وصولا إلى دوره المحوري في تأسيس حركة "فتح".  
 
 
الكتاب الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة "ذاكرة فلسطين"، يركز على مسيرته الشخصية والسياسية، مستندا إلى أرشيف غني من الوثائق والتسجيلات التي تسلط الضوء على تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
تشير كلمة الغلاف، إلى أن الكتاب "يتناول سيرة صلاح خلف (أبو إياد) حتى العام 1971، وعلاقاتها وتقاطعها مع مسارات الحركة الوطنية الفلسطينية، وتطورها ضمن سياقاتها المختلفة". 
ويقدم الكتاب سردا شاملا يغطي مرحلة نشأته الأولى في يافا ثم غزة، وانخراطه المبكر في العمل الوطني، مرورا بنشاطه في رابطة الطلاب الفلسطينيين، وصولا إلى دوره المركزي في تأسيس حركة "فتح"، حيث برز كأحد أبرز المؤثرين في بلورة فلسفتها الثورية وخطها السياسي، وشاهدا على تحولاتها في محطات تاريخية فاصلة.
وقد عرف أبو إياد بـ"رجل المهمات السرية"، "كاتم أسرار منظمة التحرير"، بينما وصف هو نفسه بأنه "رجل واقعي"، تمسك بخيار الكفاح المسلح طريقا للتحرير، وآمن بفكرة الدولة الديمقراطية هدفا استراتيجيا للثورة.
يسلط الكتاب الضوء على هذه الجوانب من شخصيته، ويدعو إلى قراءة بحثية موثقة لمسيرته، استنادا إلى الوثائق والتسجيلات الصوتية والمرئية التي حفظها في أرشيفه. كما ينقل شهادته حول الوقائع التي شارك في صناعتها ورسم معالمها، وينفتح على احتمالات تفكيك وإعادة بناء سيرة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
يشير الباحثان، في تمهيدهما للكتاب، إلى أن الشهيد صلاح خلف لم يترك نصا كاملا ليوميات أو مذكرات أو سيرة ذاتية مكتوبة بغرض الحفظ أو النشر، كما يفعل كثير من السياسيين والقادة الوطنيين، لكنه ترك ما قد يكون أهم من ذلك. حين قرر في إحدى ليالي شهر رمضان، صادفت ليلة الثامن من آب (أغسطس) 1979، قرر تسجيل رواية مختصرة بصوته تغطي أربعة وأربعين عاما من حياته، بين العامين 1933 و1977، يوثق فيها أحداثا عاشها في يافا وغزة ومصر والكويت وسورية والأردن ولبنان، متنقلا خلالها من منفى إلى آخر منذ مغادرته بيته اليافي الأول.
يضم أرشيف أبو إياد، المحفوظ في أرشيف ذاكرة فلسطين بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 325 تسجيلا صوتيا تنوعت بين خطب وندوات ومحاضرات واجتماعات حركية، ولقاءات صحفية وبرامج إذاعية. خصص أبو إياد سبعة تسجيلات للجلسات العائلية التي اعتبرها فرصة لتسجيل انطباعاته وأفكاره وروايته عن مراحل حركة "فتح"، مع نيته تدوينها لاحقا، وهو ما لم يتحقق بسبب استشهاده قبل أن يحظى بالفرصة.
يضم الأرشيف إلى جانب التسجيلات، نسخة رقمية لأكثر من 3500 وثيقة كان أبو إياد يحتفظ بها في مكتبه بتونس، ونقلها معه من منزله في الكويت ومكتبه في بيروت إلى بيته في القاهرة. وتشمل هذه الوثائق رسائل وتقارير وبرقيات، ومخططات لعدد من العمليات الخارجية تعود إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي، كتب معظمها بخط يده. إضافة إلى مقالات ومقابلات صحفية ومحاضر اجتماعات علق على حواشيها، وعشرات التسجيلات المرئية. ونشر بعضها في وسائل إعلام مختلفة، فيما لم ينشر الآخر، ويشمل اجتماعات داخلية مع كوادر الثورة الفلسطينية ومؤتمرات حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح".
رغم زخمه وغناه، يبقى هذا الأرشيف غير مكتمل، فكما هو الحال في الذاكرة الفلسطينية التي فقد الجزء الأكبر منها خلال الحروب والتنقل والمنافي، اختفى جزء من أوراق صلاح خلف التي كان يحتفظ بها في منزله بمدينة الحمامات التونسية. وضع الوزير التونسي الطاهر بلخوجة (1931) هذه الأوراق تحت تصرفه، وكان أبو إياد يلجأ إليها أحيانا، ويحتفظ فيها بجزء من وثائقه، وربما اعتكف فيها لتدوين مذكراته التي أشار إليها.
وبعد استشهاده، حاول أبناؤه استعادة هذه الأوراق لأهميتها، إلا أن الوزير أخبرهم بأنه سلمها إلى أحد المرافقين. وعلى الرغم من محاولاتهم المتكررة لمعرفة سر اختفاء هذه الوثائق، ومن أخذها، وإلى أي جهة ذهبت، لم تسفر الجهود عن نتيجة، وما تزال الأسئلة قائمة حتى اليوم.
نفى الباحثان أن يتيح الكتاب مذكرات للشهيد صلاح خلف، فكما أسلفنا، لم يعثر على يوميات أو مذكرات مكتوبة، سواء لدى العائلة أو الباحثين. ومع ذلك، كان الاعتماد الرئيس في هذا العمل على الوثائق والتسجيلات التي تركها أبو إياد. ويمكن القول إن الكتاب يشكل تدوينا لمسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، متزامنة مع سيرة صلاح خلف، استنادا إلى أوراقه الشخصية.
في هذا الإطار، أنجز العمل بحثيا وأكاديميا بمشاركة فريق كامل على مدى خمس سنوات أو أكثر، ليغطي الفترة بين العامين 1933 و1971، من حياة صلاح خلف وعمر الحركة الوطنية الفلسطينية، وسيتبعه جزء ثان لاستكمال باقي السيرة لاحقا.
ويذكر الباحثان أن رحلة إعداد هذا الكتاب بدأت بتفريغ التسجيلات الصوتية المشار إليها سابقا، إضافة إلى 55 تسجيلا أصليا لمقابلات أجراها إريك رولو مع صلاح خلف، حصل الباحثان عليها من عائلة رولو. تولى الزميل علي حامد مهمة تصنيف هذه التسجيلات وفق مضامينها، ثم مقارنة محتواها مع ما ورد في النسخة العربية من كتاب "فلسطيني بلا هوية" (طبعة دار كاظمة)، لرصد الفروقات بينها.
أما الوثائق التي ضمتها مجموعة أبو إياد الأرشيفية، فتم تصنيفها وإعادة ترتيبها ضمن وحدات موضوعية، ثم طباعتها بعد استبعاد المواد الصحفية والوثائق غير الواضحة. وجانب آخر من هذا العمل تمثل في أرشفة هذه المواد ضمن مشروع أرشيف ذاكرة فلسطين.
أسست بنية الكتاب على رواية صلاح خلف الواردة في وثائقه ومواد مجموعته الأرشيفية، خاصة التسجيلات السبعة للجلسة العائلية، بالإضافة إلى تسجيلات إريك رولو. ولم يلجأ الباحثان إلى نص "فلسطيني بلا هوية" إلا لتغطية مادة أحد التسجيلات المفقودة من مجموعة رولو أو لاستكمال معلومات محدودة لم ترد في التسجيلات.
ثم استكمل النص بمراجعة الأدبيات والوثائق المتعلقة بالحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وعدد من المقابلات الشخصية مع رفاق الشهيد، إضافة إلى الاستفادة من مراجع وكتب يوميات ومذكرات ودراسات وبحوث تناولت المرحلة التي عاشها صلاح خلف وشارك في صنع أحداثها.
وسعى الباحثان إلى توثيق جميع ما ورد في المتن باستخدام الهوامش، مع مقارنته بما جاءت به روايات أخرى، سواء لتأكيد رواية أبو إياد، أو معارضتها، أو توضيحها، أو التوسع فيها. فالقارئ يدرك أنه لا توجد رواية واحدة حول نشأة حركة فتح، ولا تقييم موحد لمؤسسيها وأدوارهم، كما تتباين التفسيرات حول مجريات الحوادث والتحولات التي شهدتها الحركة. ومع ذلك، يظل صلاح خلف وآراؤه محور الرواية وجوهرها.