عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Jan-2026

من دفتر ذكرياتي مع أبي*بلال حسن التل

 الراي 

لا أكاد أصدق أن ربع قرن مر على انتقال أبي إلى الدار الآخرة، فهل ذلك بسبب ان ذكرياتي معه لم تغب عن بالي يوما، لذلك إخاله معي يوميا. فقد كنت لصيقا به، وكان حريصا على تربيتي واعدادي وتدريبي منذ سنوات صباي الأولى، ففي تلك السنوات المبكرة من عمري لم يكن يكتفي بتزويدي بالكتب والصحف والمجلات التي اقرأها، بل كان يصحبني الى منتديات الفكر والثقافة، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر انه رحمه الله كان خلال شهر رمضان من كل عام من اعوام نهايات عقد الخمسينات وبداية عقد الستينات من القرن الماضي، يلقي دروسا دينية في مساجد محافظة اربد بعد صلاة العصر من كل يوم، فكان يصحبني في تلك الدروس، واتذكر انه خصص دروس إحدى السنوات لدراسة لسير صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث كنت احمل معه دفتر ملاحظاته والخطوط العريضة لكل درس من تلك الدروس مكتوبة باللون الأخضر وبخط يده المنمنم، واذكر فيما اذكر انه تناول سيرة ابي ذر الغفاري في مسجد مخيم اربد للاجئين، وتحدث عن سلمان الفارسي في مسجد اربد الغربي،وهي دروس رسخ الكثير من معلوماتها في ذهني انا الصبي حينها.
 
ومن النشاطات الثقافية التي اصطحبني اليها وانا في مرحلة الصبا، الموسم الثقافي الذي نظمه النادي العربي في اربد بعد هزيمة حزيران لتحليل أسباب الهزيمة وممن ألقوا محاضرات في ذلك الموسم الذي اقيم في قاعة ثانوية اربد للبنين، الشهيد وصفي التل، والشريف فواز شرف، والمرحوم أكرم زعيتر، وصادق جلال العظم.
 
ومن ذكريات الصبا أن والدي رحمه الله عندما اطلع على دفتري لحصة الإنشاء سألني بضعة اسئلة عن مضامين الدفتر، ليفاجئني بعد ايام بانه اختار قطعتين من الدفتر ونشرهما كمقالين الاول في جريدة الدستور التي كان يرأس تحريرها الاستاذ جمعة حماد، والثاني في جريدة الشهاب اللبنانية النصف شهرية وكان يرأس تحريرها الاستاذ ابراهيم المصري. وكان ذلك بداية طريقي في عالم الكتابة والنشر وكنت وقتها في مرحلة الدراسة الاعدادية، كل ذلك بفضل ابي رحمه الله.
 
أما علاقتي بالصحافة كمهنة فقد بدأت وانا في المرحلة الثانوية، عندما كلفني والدي رحمه الله ان اذهب بصحبة المرحوم الحاج محمود سعيد لإنهاء إجراءات شراء نصف امتياز جريدة الصباح التي كان يمتلكها الاستاذ كمال الكيلاني، وقد بدأت اجمع بين الدراسة واحتراف الصحافة.
 
بعد تجربة جريدة الصباح أصدر والدي صحيفة اللواء الاسبوعية، التي صدر عددها الأول في اذار عام 1972ومع صدور اللواء بدأ تفرغي لمهنة المتاعب، وزاد التصاقي بوالدي فقد عشنا هو وانا وحيدين في عمان، وان كان رحمه الله يقضي اكثر من نصف ايام الاسبوع في اربد.
 
مع صدور جريدة اللواء اتسعت آفاق المعرفة أمامي، فقد كلفني والدي رحمه الله بتغطية وقائع مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد في العاصمة الباكستانية اسلام اباد عام 1974 وكنت بالعشرين من عمري، وهناك استمعت عن قرب للرؤساء المصري انور السادات والسوري حافظ الاسد والليبي معمر القذافي، وكان يرأس وفد الاردن دولة المرحوم عبد المنعم الرفاعي يرافقه سماحة المرحوم عبدالله غوشة قاضي القضاة حينها، وكان تاج رحلتي تلك الى باكستان لقائي مرتين مع العلامة ابو الاعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان الذي كانت شهرته تطبق الآفاق وما زالت. وكانت كتبه من اوائل الكتب التي قرأتها.
 
كانت مكاتب جريدة اللواء وحديقتها في جبل عمان منتدى ثقافيا شبه يومي، طالما شارك فيه ضيوف من خارج الاردن أمثال الشيخ الشعراوي، والشيخ المولوي من لبنان، والاستاذ كمال الهلباوي الذي تعرفت عليه في مسجد ميونخ في ألمانيا، كما تعرفت في ألمانيا على الاستاذ عصام العطار، وممن زاروا اللواء الاستاذ عبد الحليم خفاجى الذي تعرفت عليه وعلى الاستاذ سمير الهضيبي في الكويت، وقد التقيت فيما بعد الاستاذ مأمون الهضيبي، وربطتني علاقة متينة بالاستاذ صلاح شادي، وممن تعلمت منهم الاستاذ الدكتور محمد احمد الشريف الامين العام لجمعية الدعوة الإسلامية، الذي قضينا أنا ووالدي معه الاسبوع قبل الأخير من حياة والدي في باريس للمشاركة في مؤتمر دولي عقد في منظمة اليونسكو، ثم افترقنا الوالد وانا في مطار الملكة علياء الدولي ليواصل هو رحلته في اليوم التالي الى طهران للمشاركة في ندوة دولية، انتقل آثناءها الى جوار ربه، بعد أن دربني وأراحني عندما كانت آخر كلماته لي قبل ان نفترق أمام مطار الملكة علياء الدولي: (لقد كنت ولدا رضيا يا بلال)، اسأل الله أن أكون كما قال رحمه الله.