عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Jan-2026

أربع ملاحظات عن اختطاف مادورو

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جوناثان كوك* - (مدونة جوناثان كوك) 6/1/2026
نحن نعيش في عالم أحادي القطب، يجعلنا جميعًا فريسة لبلطجة ترامب المزعزِعة للاستقرار، ولرأسمالية الشركات الأميركية النهمة والهدّامة.
 
 
أود أن أذكر في ما يلي أربع ملاحظات بشأن الانتهاك الصارخ للقانون الذي ارتكبته إدارة ترامب باختطافها رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، من كاراكاس، ونقله إلى نيويورك لـ"المثول أمام المحكمة" بتهم "الإرهاب المرتبط بالمخدرات" وحيازة أسلحة نارية:
أولًا: يشكل هذا العمل دليلًا على مدى تحوّل الولايات المتحدة إلى دولة مارقة، حتى أن واشنطن لا تحاول اختلاق سبب معقول لاختطاف الرئيس الفنزويلي.
عندما نفذت غزوها لأفغانستان، قالت الولايات المتحدة إنها اضطرت إلى "اقتلاع" زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن من مخبئه الجبلي في أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) في نيويورك. وعند غزوها العراق، قالت إنها ذاهبة لتدمير "أسلحة الدمار الشامل" التي يمتلكها صدام حسين والتي كانت، بحسب زعمها، تهدد أوروبا. وعند قصف ليبيا، ادّعت الولايات المتحدة أنها كانت تمنع قوات معمر القذافي من شن حملة اغتصاب مدفوعة بتعاطي عقار الفياغرا.
كان كل واحد من هذه المبررات كذبة فاضحة وواضحة. فقد عرضت حركة طالبان تسليم بن لادن لمحاكمته. ولم تكن هناك أي أسلحة دمار شامل في العراق. وكانت قصة الفياغرا محض خيال مختلق بالكامل.
لكن الإدارات الأميركية السابقة كانت مضطرة إلى التظاهر، على الأقل، بأن أفعالها مدفوعة باعتبارات إنسانية وبالحاجة إلى الحفاظ على النظام الدولي.
كانت التهم الموجّهة إلى مادورو سخيفة إلى حدّ فاضح بحيث لا يمكن تصديق أيٍّ منها إلا إذا كان المرء من المعجبين المتعصبين بترامب، أو من الإمبرياليين على الطريقة القديمة، أو كان شخصًا مضللًا بشدة.
لا ترى أي منظمة رقابية جادة أن فنزويلا تشكل جهة رئيسية لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، أو أن مادورو يتحمّل شخصيًا مسؤولية الاتجار بالمخدرات. وتبلغ التهم المتعلقة بالأسلحة النارية من العبث مكانًا يجعل من الصعب حتى فهم ما الذي يُقصد بها.
ثانيًا: على خلاف أسلافه، كان الرئيس دونالد ترامب صريحًا بشأن ما تريده الولايات المتحدة حقًا: السيطرة على النفط. وبذلك، كانت هذه عملية نهب استعماري للموارد على الطريقة القديمة. فلماذا إذن تتظاهر وسائل الإعلام من الأساس بوجود نوع من "إجراءات إنفاذ القانون" تجري في نيويورك؟ لقد جرى اختطاف رئيس دولة -هذه هي القصة. ولا شيء غير ذلك.
لكننا نُساق بدلًا من ذلك إلى خوض نقاشات سخيفة حول ما إذا كان مادورو "رجلًا سيئًا"، أو ما إذا كان قد أساء إدارة الاقتصاد الفنزويلي. وقد استخدمت قناة "سكاي نيوز" مقابلة مع زعيم حزب العمال البريطاني السابق، جيريمي كوربين، بقصد مهاجمته ومضايقته، مطالبةً إياه بإدانة مادورو. لماذا؟
فعلت "سكاي نيوز" ذلك تحديدًا لصرف أنظار المشاهدين عن القصة الحقيقية: أن الولايات المتحدة، بغزوها فنزويلا، ارتكبت ما اعتبرته "محاكمات نورمبرغ" بعد الحرب العالمية الثانية "الجريمة الدولية الأعلى"، جريمة العدوان على دولة أخرى. فأين رأيتم أي وسيلة إعلامية من وسائل الإعلام السائدة تُبرز هذه النقطة في تغطيتها؟
وإذا كانت "سكاي نيوز" وغيرها من وسائل الإعلام قلقة إلى هذا الحد من وجود "رجال سيئين" يحكمون الدول -إلى درجة أنها ترى أن بالوسع تجاهل القانون الدولي- فلماذا لا تُمعن في مهاجمة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزيرة الخارجية إيفيت كوبر لموقفهما من رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، المطلوب للمثول أمام "المحكمة الجنائية الدولية" بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية؟
ألا يجعله ذلك "رجلًا سيئًا" بحق، وأسوأ بكثير من أي شيء يُتَّهم به مادورو؟ ولماذا لا تطالب هذه الوسائل ستارمر وكوبر بإدانته قبل السماح لهما بالتحدث عن الشرق الأوسط؟
عندما أقدمت روسيا على غزو أوكرانيا، لم تقم وسائل الإعلام الغربية بموازنة مبررات موسكو للغزو، ولم تقدّم "سياقًا" كما تفعل الآن إزاء الهجوم غير القانوني على فنزويلا. بل إنها ردّت على العمل الروسي بالتعبير عن الصدمة والغضب. لم تكن هادئة أو متأنية أو تحليلية. كانت ساخطة فحسب. وحذّرَت من "التوسّع الروسي". وحذّرت من "جنون العظمة" لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
حذّرَت من التهديد الذي يشكّله العمل الروسي على القانون الدولي، وشدّدَت على حق أوكرانيا في مقاومة روسيا. وفي كثير من الحالات، سبقت السياسيين أنفسهم في المطالبة بردٍّ أقوى. لكن أي شيء من ذلك كلّه لا يظهر في التغطية الإعلامية لاختطاف مادورو، أو لانتهاكات ترامب للقانون.
ثالثًا: غالبًا ما يُلام اليسار على بطئه في إدانة القوى غير الغربية، مثل الصين أو روسيا، أو على تحفّظه المفرط إزاء العمل العسكري ضدها. لكنّ هذا الاتهام ينطوي على سوء فهم لموقف اليسار.
إن اليسار يعارض عالمًا أحادي القطب، تحديدًا لأن مثل هذا العالم يقود حتمًا إلى ذلك النوع من البلطجة المزعزِعة للاستقرار الذي تجلّى للتو في هجوم ترامب على فنزويلا. وهو يخلق نظامًا إقطاعيًا يتكوّن من سيد واحد والكثير من الأقنان -وإنما على المستوى العالمي.
هذا بالضبط هو ما نراه يحدث الآن حين يطلق ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو تصريحات متبجّحة حول أي دولة -كولومبيا، كوبا، غرينلاند، المكسيك- هي التي ستكون التالية على قائمة الهجوم.
وهذا بالضبط هو ما يفسّر السبب في تزلّف كل زعيم أوروبي، من كير ستارمر إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، لترامب، مهما كان فعله الأخير فظيعًا. وهو بالضبط ما يفسّر أيضًا لماذا يتحدث الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بلهجة واهنة ومائعة عن الأهمية العامة "لسيادة القانون"، بدل أن يصوغ إدانة واضحة وصريحة للجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة للتو.
مهما كان من الصعب على الغربيين الإقرار بذلك، فإننا لا نحتاج إلى غرب أقوى، بل إلى غرب أضعف. لكنّ الأصعب من ذلك هو أن يفهم الغربيون حقيقة أن مفهوم "الغرب" نفسه ليس سوى وهم.
على مدى عقود لم تفعل أوروبا سوى التعلّق بأذيال الوحش العسكري الأميركي، على أمل أن يوفر لها الحماية. لكنّ الولايات المتحدة، في عالم تتناقص موارده، تُظهر اليوم مدى استعدادها للانقضاض على أي طرف، بما في ذلك حلفاؤها المفترضون، من أجل اقتطاع حصة أكبر من الثروة العالمية. وما على المرء إلا أن يسأل غرينلاند والدنمارك.
لا تكمن المصالح الحقيقية للدول الأوروبية في الارتماء ساجدَةً أمام سيّد عالمي، بل في عالم متعدّد الأقطاب، تُبنى فيه التحالفات على المصالح، وتسود فيه التسويات بدل فرض الإملاءات.
وهذا يتطلّب سياسة خارجية قوامها الشفافية والتعاطف وليس الغرور والتكبّر. ومن دون مثل هذا التحوّل في عصر تتكاثر فيه مصائد الاشتباك النووي وتتفاقم فيه فوضى المناخ، سنكون ذاهبين جميعًا إلى الهلاك.
رابعًا: كان هدف واشنطن من العمل الأخير هو جعل فنزويلا، مرة أخرى، ملاذًا لرأس المال الأميركي الخاص. وقد أوضح ترامب أنه في حال رفضت الرئيسة المؤقتة الجديدة، ديلسي رودريغيز، ذلك، فسيتم الإبقاء على فنزويلا دولةً منهارةً اقتصاديًا عن طريق استمرار العقوبات وفرض حصار بحري أميركي، إلى أن يتم تنصيب شخص آخر مستعد لتنفيذ الإملاءات الأميركية.
كانت "جريمة" فنزويلا التي عوقبت عليها لعقود هي محاولتها تقديم نموذج اقتصادي واجتماعي مختلف عن الرأسمالية النيوليبرالية الأميركية الجامحة، المدمّرة للكوكب.
ومكمن الخوف الأعمق لدى الطبقة السياسية والإعلامية في الغرب هو أن تنتفض الشعوب الغربية، الخاضعة لتقشّف دائم بينما يزداد المليارديرات ثراءً على حساب إفقار الناس العاديين، إذا ما رأت نظامًا مختلفًا يعتني بمواطنيه بدل أن يخدم نخبة الثروة.
كان يمكن لفنزويلا، بما تمتلكه من احتياطيات نفطية هائلة، أن تكون تحديدًا مثل هذا النموذج -لولا أنها خُنقت طويلًا بالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة. قبل ربع قرن، أطلق سلف مادورو، هوغو تشافيز، "الثورة البوليفارية" ذات الطابع الاشتراكي والقائمة على الديمقراطية الشعبية، والاستقلال الاقتصادي، والتوزيع العادل للعائدات، ووضع حدّ للفساد السياسي.
وقد أدّت هذه السياسات إلى خفض الفقر المدقع بأكثر من 70 في المائة، وتقليص البطالة إلى النصف، ومضاعفة عدد المستفيدين من معاشات الدولة أربع مرات، وتعليم السكان إلى حد بلوغ معدلات محو الأمية في البلد نسبة 100 في المائة. وأصبحت فنزويلا المجتمع الأكثر مساواة في أميركا اللاتينية -وهو أحد الأسباب التي تجعل الملايين ما يزالون يخرجون للدفاع عن مادورو.
حقّق تشافيز ذلك من خلال انتزاع الموارد الطبيعية للبلاد -النفط وخامات المعادن- من أيدي نخبة محلية ضئيلة كانت قد دمّرت البلد بنهبها الثروة الوطنية، ثم احتكارها أو استثمار معظمها في الخارج -غالبًا في الولايات المتحدة.
كما قام بتأميم الصناعات الكبرى، من النفط والصلب إلى الكهرباء. وهي بالضبط الصناعات التي تريد ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة الفنزويلية التي يحتفي بها الغرب، إعادتها إلى العائلات الطفيلية -مثل عائلتها- التي كانت تديرها سابقًا بملكية خاصة.
ينبغي أن يوضح النظر إلى الكيفية التي عوملت بها فنزويلا خلال العقدين الماضيين أو أكثر لماذا يُبدي القادة الأوروبيون، المطيعون لواشنطن وللنخب المؤسسية التي تحكم الغرب طاعةً عمياء، هذا القدر من التردّد حتى في مجرد التفكير بتأميم صناعاتهم العامة، مهما كانت مثل هذه السياسات تحظى بشعبية واسعة لدى الناخبين.
بمجرد انتخابه، تنازل كير ستارمر في بريطانيا الذي فاز في انتخابات قيادة حزب العمال فقط بوعده بتأميم المرافق العامة الكبرى، عن هذا الالتزام. ولا يقدم أي من الأحزاب التقليدية الرئيسية في المملكة المتحدة أي خطة لإعادة تأميم خدمات الماء والسكك الحديدية والطاقة والبريد، على الرغم من أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن ثلاثة أرباع الجمهور البريطاني على الأقل يؤيدون مثل هذه الخطوة.
الحقيقة هي أن العالم أحادي القطب يتركنا جميعًا فريسةً لرأسمالية الشركات الأميركية النهمة والمدمرة، التي تدمر عالمنا شيئًا فشيئًا.
ليست القضية ما إذا كان مادورو زعيمًا جيدًا أم سيئًا لفنزويلا؛ ليست هذه هي المسألة التي تريدنا وسائل الإعلام التقليدية الغربية التركيز عليها. إنها تتعلق في الحقيقة بكيف نعيد وضع الولايات المتحدة داخل الصندوق قبل أن يفوت الأوان للبشرية.
 
*جوناثان كوك Jonathan Cook: صحفي بريطاني حاصل على جوائز. عاش في مدينة الناصرة الفلسطينية لمدة 20 عامًا، وعاد إلى المملكة المتحدة في العام 2021. وهو مؤلف ثلاثة كتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: "الدم والدين: كشف هوية الدولة اليهودية" (2006) Blood and Religion: The Unmasking of the Jewish State؛ و"إسرائيل وصراع الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط (2008) Israel and the Clash of Civilisations: Iraq, Iran and the Plan to Remake the Middle East؛ و"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في اليأس الإنساني" (2008)؛ وDisappearing Palestine: Israel’s Experiments in Human Despair.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: 4 Observations on Maduro Kidnap