الغد
جون سوبيل* - (الإندبندنت) 2026/3/17
وعد ترامب مواطنيه بأنه لن يزج البلاد في صراعات تدور في أراض بعيدة. لكن شعار "أميركا أولاً" يبدو أنه أسقط -ولو مؤقتاً- لمصلحة حرب لا هدف واضحاً لها.
يعلن دونالد ترامب عن تحقيق نصر سريع في الحرب على إيران. لكن غياب خطة واضحة، وبقاء النظام الإيراني وقدرته على تهديد مضيق هرمز يثيران شكوكاً واسعة حول جدوى الحرب. وقد يحول التناقض بين شعار "أميركا أولاً" والانخراط في صراع خارجي مفتوح الحرب إلى عبء سياسي يهدد مستقبل ترامب في الداخل الأميركي.
بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أفضل حالاته -أو ربما أسوأها- (اختر الوصف الذي تراه مناسباً) بالتفاخر الصاخب والخطاب المبالغ فيه والمربك، عندما تحدث يوم الخميس في "هيبرون" (تلك التي في ولاية كنتاكي الأميركية وليس مدينة الخليل في الضفة الغربية). هناك، أعلن أمام الحضور أن الحرب في إيران قد حسمت بالفعل. بل إنه ذهب أبعد من ذلك حين أكد أن النصر تحقق خلال الساعة الأولى من اندلاعها. وبطبيعة الحال، لم يفوت الفرصة للإشادة بنفسه، متباهياً بابتكار اسم للعملية العسكرية. وقال مازحاً لجمهوره: "الغضب الملحمي... أليس اسماً رائعاً؟"، وكأن شن حرب لا يكتمل من دون ابتكار شعار جذاب لها أولاً.
كان من الطبيعي أن يتوقع المرء، في الأسبوع الثاني من حرب يتعرض فيها رجال ونساء الجيش الأميركي للخطر، التفافاً وطنياً حول العلم. وقد وقف ترامب هنا، في ولاية كنتاكي الجمهورية. وبينما كان ينطق بهذه الكلمات، توقعتُ أن تُقابل كل جملة وكل استعراض بلاغي بهتاف مدو من هذا الحشد الموالي لحركة "ماغا": "يو. أس. أيه"! لكن ذلك لم يحدث. كان الحضور هادئاً على نحو غريب.
بدا الأمر وكأنهم يدركون ما ندركه جميعاً: لا توجد خطة، ولا يلوح أي نصر في الأفق. النظام في طهران لم يسقط، والإيرانيون ما يزالون قادرين بسهولة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. وفي المقابل، لا يبدو أن الولايات المتحدة -على الرغم من قوتها العسكرية الهائلة- تستطيع أن تفعل الكثير حيال ذلك.
ربما أكون مبالغاً إذا قلت إن هذا المشهد يذكر بتلك اللحظة في الحادي والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) في العام 1989، عندما وقف الزعيم الروماني نيكولاي تشاوشيسكو على شرفة في العاصمة، بوخارست، ليكتشف أن الحشد لم يعد يهتف لكل كلمة يقولها. وبالتأكيد سأكون قد انجرفت بعيداً في الخيال إذا قارنت ذلك بحكاية هانز كريستيان أندرسن الشهيرة عن الصبي الذي صرخ في وجه حاكم مغرور كان يحيط نفسه بمتملقين، قائلاً له إنه لا يرتدي أي ملابس.
لكن شيئًا صغيرًا من ذلك ربما يوجد هنا. كانت عبقرية ترامب على مدى أعوام تكمن في قدرته على إطلاق أكثر التصريحات إثارة للجدل، والمنفصلة تماماً عن الواقع، بينما يكتفي أنصاره بالإيماء برؤوسهم لإظهار الموافقة.
غير أن هذه الحرب في إيران تبدو مختلفة. كان الوعد الذي قدمه ترامب للأميركيين أثناء حملته الانتخابية واضحاً: لن يزج بالولايات المتحدة في صراعات بعيدة. وكان الشعار هو "أميركا أولاً". ومع ذلك، ها هو يقود بلاده إلى حرب اختارها هو بنفسه. لم يكن هناك أي إعداد للرأي العام لها، ولم يقدم الرئيس تفسيراً متماسكاً يشرح لماذا تخاض هذه الحرب، ولماذا تُخاض الآن تحديداً. كما لا توجد رواية واضحة للأهداف الاستراتيجية: هل المقصود تغيير النظام في طهران؟ أم تدمير برنامجها النووي؟ أم مجرد تحييد قدراتها جزئياً؟ كانت الرسائل الصادرة متناقضة ومشتتة.
لقد أصبحنا الآن أمام وضع أخذت فيه الأهداف التي يمكن للأميركيين ضربها تتضاءل. فقد عطلوا الدفاعات الجوية الإيرانية، ودمروا بنية تحتية أساسية في البلاد (ومن بينها مدرسة للبنات)، ووجهوا ضربة إلى رأس القيادة الإيرانية -ومع ذلك ما يزال النظام قائماً.
ثم هناك مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 في المائة من نفط العالم. وفقاً للرئيس ترامب، تم تدمير البحرية الإيرانية بالكامل. تم إغراقها. لكن المضيق ضيق. وكل ما يتطلبه الأمر هو مركب شراعي صغير أو زورق خفيف يلقي لغماً بحرياً في المياه (ويُعتقد أن لدى الإيرانيين ترسانة تضم نحو 1000 لغم منها)، وهكذا يتم ببساطة خنق هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية. وعلى الرغم من القوة الفتاكة للبحرية الأميركية، ليس هناك الكثير مما يمكنهم فعله حيال ذلك. الأمر بسيط للغاية بالنسبة للإيرانيين.
هل حذّر أحد في محيط ترامب من احتمال ترتب عواقب اقتصادية كبيرة على المغامرة العسكرية؟ هل فكر الرئيس في الأمر جيداً؟ ربما حدث ذلك، وربما قرر تجاهل التحذير. تذكروا أن هذه ولايته الثانية، والرئيس لا يريد مستشارين يعارضونه أو يتحدونه، وإنما يريد مشجعين متحمسين يصفقون له، قائلين: "أحسنت يا سيدي".
لذلك، سوف يبدو إعلان النصر في وقت يضطر فيه الأميركيون إلى دفع المزيد لملء خزانات سياراتهم الشرهة للوقود انتصاراً فارغاً. لا أحد يقول للرئيس إنه عار بلا ملابس -وهي صورة لا ينبغي لأحد، ولا حتى ميلانيا، أن يتخيلها- لكنه يبدو وكأنه فقد شيئاً من بريقه.
إنها أوقات مقلقة. لكن دونالد ترامب، رجل الاستعراض الدائم، يستمتع بالمشهد الذي يصنعه من التنافس بين نائبه، جي دي فانس، ووزير خارجيته ماركو روبيو، وهما الرجلان الأكثر ترجيحاً لخلافته في انتخابات 2028. الثناء يتجه الآن نحو ماركو. ويبدو أن ترامب أصبح أكثر وداً تجاهه. وفي المقابل، يبدو جي دي أكثر تشككاً في المغامرة الإيرانية -أو "النزهة"، كما يسميها ترامب الآن. وربما يخدمه هذا التشكيك على المدى الطويل.
كل ذلك يقودنا إلى الأحذية. من المعروف أن هذا الرئيس ينظر بازدراء خاص إلى الأحذية الرديئة. لذلك، عندما رأى نائبه ووزير خارجيته ينتعلان حذاءين عمليين بسيطين، قال إنه سيشتري لهما حذاءين جديدين. وقد ظهر روبيو أخيراً في صورة وهو يرتدي حذاء لا يلامس كعب قدمه مؤخرة الجزء الجلدي من الحذاء.
ولعلكم تتذكرون أن روبيو واجه ترامب في مناظرة رئاسية قبل نحو عقد من الزمن، وقال إن يدي قطب العقارات الصغيرتين قد تكونان علامة على صغر شيء آخر أيضاً. أما النظرية المتداولة الآن فتقول إن روبيو عندما سأله ترامب عن مقاس الحذاء الذي يريده، ابتلع ريقه وقال "المقاس 11"، في حين أن المقاس الحقيقي لقدميه هو 8 فقط.
وهكذا، إذا رأيتم وزير الخارجية على شاشة التلفاز يتمايل في مشيته كما لو كان طفلة ترتدي حذاء والدتها ذا الكعب العالي، فستعرفون السبب.
هل لدي مصادر موثوقة لكل هذا؟ لا. لكن بعض القصص تكون ممتعة إلى حد يجعل التدقيق فيها أمراً ثانوياً. وكما قلت، هذه أوقات مخيفة، نحتاج فيها أحياناً إلى ما يرسم ابتسامة.
*جون سوبيل Jon Sopel: صحفي ومذيع بريطاني بارز. عمل في "هيئة الإذاعة البريطانية"، حيث شغل مناصب رفيعة، أبرزها محرر الشؤون السياسية ثم مراسلها في واشنطن بين العامين 2014 و2021، وغطّى خلال تلك الفترة رئاسة دونالد ترامب بأسلوب تحليلي لافت. انضم بعد ذلك إلى صحيفة "الإندبندنت" ككاتب ومحلل، وشارك في تقديم بودكاست "أميريكاست" إلى جانب زملائه السابقين.