الغد
هدد الرئيس الأميركي أخيرًا بضرب بنى الطاقة ومنشآت تحلية المياه في إيران. وبعد ذلك هدد بتدمير إيران (وليس النظام الإيراني) وإعادتها إلى العصر الحجري. وربما تكون هذه التهديدات أخبارًا جيدة للذين يناصبون إيران عداءً غير مُقتصِد في هذه الحرب، سواء كانوا من الذين يعبرون عن رؤية ترى في الصهيونية الاستعمارية الإبادية والمسيحية الصهيونية الحاكمة في واشنطن خطرًا أقل على العرب من "الخطر الفارسي" –أو حتى "الإسلام الشيعي"؛ أو من كارهي الجهتين بنفس المقدار، ويرون مكسبًا في شن أميركا والكيان هذه الحرب على إيران، على أساس فكرة "ضرب الظالمين بالظالمين".
قد تصلح نظرية "الظالمين بالظالمين" لو كان هذا الصراع يحدث بين عدوين يتقاتلان في مكان بعيد من الكوكب، يشاهده العربي على شاشات التلفزة وينتظر أن يسفر –أيًا كان المنتصر- عن مكاسب أكيدة. لكن هذا الصراع يجري في بلادنا. ويغلب أنه لن يسفر عن خير لبلداننا –إلا إذا أسفر عن مراجعة العرب مجتمعين موقفهم وخلصوا إلى أنه ليس لهم إلا أنفسهم. وإذا كان بعض مواطنينا لا يثقون في رأي مواطنيهم المناهضين لهذه الحرب ولا يرون نية حسنة لدى منشئيها، فإنهم ربما يثقون بالمعلقين الغربيين الذين يصعب التشكيك في بواعث تفسيراتهم.
كتب ألون بن-مئير، الأكاديمي والسياسي اليهودي "الإسرائيلي-الأميركي" المعروف بحرصه على بقاء "الدولة اليهودية"، وإنما يرى في التسوية السبيل إلى هذا البقاء: "لطالما حذّر قادة الخليج من أن الحرب مع إيران ستدمر أمنهم واقتصاداتهم، وهو كابوس أصبح واقعًا ملموسًا الآن مع استهداف الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية لمنشآت نفطية وموانئ ومحطات توليد طاقة ومدن في جميع أنحاء المنطقة. وهم يحمّلون واشنطن مسؤولية شن الحملة، وإسرائيل مسؤولية الضغط من أجل ’تحييد‘ إيران بغض النظر عن الأضرار الجانبية في الدول العربية المجاورة. ويشعر سكان عواصم الخليج بأن تحذيراتهم قوبلت بالتجاهل، بينما دفعوا ثمنًا باهظًا من الدمار المادي والنكسات الاقتصادية وتعطل الصادرات وتزايد القلق الداخلي".
وأضاف: "لقد تضررت بشدة صورة مراكز الخليج، مثل دبي والدوحة والرياض، "كواحات" معزولة مفتوحة للأعمال والسياحة والاستثمار جراء الإنذارات الصاروخية والضربات على الموانئ البحرية والمطارات وإغلاق الممرات البحرية الرئيسية". (انتهى الاقتباس)
يشير بن-مئير مباشرة إلى المكان الذي ينبغي أن يتوجه إليه اللوم في المقام الأول عن هذه الحرب وتداعياتها، الذي أقحم العرب في حرب لم يختاروها، وكان من المتوقع تمامًا أن تورط بلدانهم في ما لم يستعدوا له. وسيكون من الإنصاف –والموضوعية والواقعية والوطنية- الإشارة دائمًا إلى المتسبب الأساسي في هذه المخاطر على العرب، في سياق الحدث الراهن على الأقل، ولو أن ذلك يغلب أن ينطبق على كامل السياق.
والآن، ماذا إذا نفذ ترامب تهديده باستهداف منشآت الطاقة والمياه في إيران؟ من مراقبة النمط، سيكون رد إيران باستهداف بنى مماثلة في الخليج ممكنًا -بل ومنطقيًا ضمن قواعد الاشتباك السارية غير المعلنة. وإذا ما حدث ذلك –لا قدّر الله- فسيكون تأثير هذا التصعيد على عرب الخليج عميقًا وشاملًا.
إنسانيًا، قد يجلب انقطاع المياه، حتى لفترة وجيزة، عن مدن تعتمد بالكامل تقريبًا على التحلية، إلى حالة من الذعر العام، وربما نشوء اضطرابات اجتماعية. واقتصاديًا، سيؤثر ضرب وتعطيل منشآت الطاقة والمياه على الصادرات النفطية، وعلى قدرة هذه الدول على إدامة نمط حياتها القائم على الاستهلاك العالي للطاقة والمياه. وسياسيًا، قد تضع مثل هذه الهجمات الحكومات أمام اختبار صعب يتعلق باختبار بقدرتها على توفير الأمن والخدمات الأساسية، بما قد يفتح بابًا لتوترات داخلية غير مألوفة لديها. وعندما يتعلق الأمر بمرافق تحلية المياه بشكل خاص، فإن هذه المرافق هي عصب الحياة اليومية، خاصة في بيئة صحراوية مثل الخليج العربي، حيث الماء المُحلى مورد مُصنَّع يعتمد توفره على الطاقة التي تشغل مصانعه.
كما أوضحت هذه الحرب، لا يهتم ترامب ولا نتنياهو بما إذا كانت الدول العربية ستُمنى بخسائر من أي مستوى بعد أن أقحماها في حرب بلا استشارة ولا اختيار. ومن التركيبة الدينية مفرطة التطرف التي تحكم في الكيان وفي واشنطن، والخطاب المعلن لكلا المعسكرين، لا يبدو أن هناك مانعًا من رؤية العرب والإيرانيين -والمسلمين كلهم، سنة وشيعة وأي شيء- وقد أعيدوا هم وبلدانهم إلى العصر الحجري "الذي يليق بهم". في نهاية المطاف يُعرّف الصهاينة اليهود والصهاينة المسيحيون الحاكمون موقفهم البراغماتي بأنه "صراع حضارات"، فيه الإسلام هو الخطر الأكبر على العالم المتحضر. وبينما يفسر نتنياهو وكيانه الإبادات الجماعية وجرائم الحرب والعدوان على الإقليم بأنها دفاع عن "الحضارة والقيم المشتركة"، يؤكد المسؤولون في واشنطن تبنيهم هذا التفسير، قولًا وعملًا. وقد أفرد هذان الكيانان بوضوح نفسيهما عن بقية العالم باختصاص الدفاع عن "القيم" التي تعبر حقًا عن حقيقتهما، التي أصبح العالَم يشمئز منها ويحاول أن ينآى بنفسه عنها –كما يفعل "الحلفاء" في الموقف من الحرب الحالية.
ربما يكون موقف "ضرب الظالمين بالظالمين" صالحًا فقط لوصف رؤية بنيامين نتنياهو وعصبته لتفاعلات هذه الحرب. وثمة كل المنطق في رؤية أن الكيان الاستعماري العدواني الصهيوني يستفيد الآن، كما فعل دائمًا، من إضعاف جميع الأطراف الإقليمية المتصارعة، سواء كانت إيران أو العرب. وقد أوضح الباحث في الكيان، أوديد عيران، أن "البيئة الإقليمية الأكثر تفككًا هي البيئة الأكثر ملاءمة لإسرائيل". ومن المبرر –والواجب- أن يكون هذا الإدراك حاضرًا في ذهن الساسة –والمعلقين- العرب في هذه الوقت الحرج، وأن يكون الأساس الذي تُبنى عليه المُداخلات النظرية والاستراتيجية العربية من الآن فصاعدًا.