الدستور
غزة ستكون مدمّرة تمامًا، وسكانها سيصبحون يائسين، وسيبحثون عن بدء حياة جديدة في أماكن أخرى – سموتريتش.
في السابع والعشرين من الشهر الماضي، عُقد في البيت الأبيض اجتماع ضمّ ترامب وبلير وكوشنر، وكان عنوانه «غزة بعد الحرب» لم يصدر عن الاجتماع أي بيان رسمي، غير أنّ تسريبات عديدة كشفت تفاصيله. فقد اتضح أنّه لم يقتصر على الثلاثي ترامب وكوشنر وبلير، بل شارك فيه أيضًا رون ديرمر، رئيس ديوان مجرم الحرب نتن ياهو، إلى جانب نائب الرئيس الأمريكي فانس، ووزير خارجيته روبيو، إضافةً إلى مبعوث ترامب الخاص ويتكوف.
في ذلك الاجتماع، قدّم بلير خطته التي أطلق عليها اسم «الثقة العظيمة»، وهي وثيقة من ثمانية وثلاثين صفحة أعدّها معهد بلير بالتعاون مع شركة بوسطن الاستشارية ومجموعة من رجال الأعمال الصهاينة. تقترح الخطة وضع غزة تحت وصاية أمريكية تمتد لعقد كامل، مع رؤية لإعادة إعمارها وتحويلها إلى مركز اقتصادي وسياحي في إطار شبيه بما يُسمّى «ريفييرا الشرق الأوسط». وتشمل تقديم حوافز مالية للفلسطينيين من أصحاب الأراضي تصل إلى تسعة آلاف دولار للفرد، واعتماد رموز رقمية تتيح استرداد الملكيات أو السكن لاحقًا.
كما تقترح الخطة ترحيل نحو مليوني فلسطيني من سكان غزة مؤقتًا، إمّا إلى مناطق «آمنة» داخل القطاع أو إلى دول أخرى. أما التمويل، فسيأتي من مستثمرين دوليين عبر مشاريع كبرى تقدَّر بمليارات الدولارات، تشمل إنشاء منتجعات سياحية، ومراكز بيانات، ومدن ذكية. وفي المرحلة الأولى ستبقى السيطرة الأمنية بيد «إسرائيل»، ثم تنتقل تدريجيًا إلى الفلسطينيين المحليين أو قوات دول ثالثة. وطُرح كذلك أن تُدار غزة باتفاق بلجيكي–أمريكي إلى أن تتشكّل سلطة فلسطينية «متجددة».
إنها خطة استعمارية صريحة تمثّل تطهيرًا قسريًا وعرقيًا، تتخفّى خلف أقنعة براقة من مصطلحات زائفة مثل «ريفييرا الشرق الأوسط» و»الهجرة الطوعية». خطة تُقصي أصحاب الأرض عن تقرير مصيرهم، وتشرعن اغتصاب أرضهم تحت غطاء إعادة الإعمار والتنمية.
لن تكون في غزة «ريفييرا الشرق الأوسط»، ولا إعمار ولا فوضى؛ بل حكم عسكري ساحق، مفتوح المدة بلا نهاية. فالكيان الصهيوني يريد غزة لنفسه: السلطة الفلسطينية أضعف من أن تُحكم قبضتها، وحماس أخطر من أن تُسلَّم لها غزة، أما التحالفات الدولية فهي مفتقرة إلى الثقة. ومن ثمّ، فإن خلاصتهم واحدة: لا أحد غيرهم يستحق أن يكون صاحب الكلمة والحق فيها.
القادة الصهاينة يعلنون ذلك صراحةً؛ يتحدثون عن مناطق عازلة واسعة، وعن تمزيق أوصال القطاع بالجدران والحواجز، والسيطرة المطلقة على الجو والحدود والمياه، وإحكام الرقابة عبر شبكات مراقبة كثيفة. ومن يبقى من الفلسطينيين سيُحشر في كنتونات معزولة، بينما تُبنى مستوطنات في قلب القطاع، وتُشيّد مشاريع سياحية على شواطئه.
في مستقبل غزة، ستنتشر الحواجز في كل مكان؛ مناطق مغلقة تحيطها المدافع الرشاشة وأجهزة بصمة العيون. طوابير طويلة تمتد تحت الشمس، أمهات يظللن أطفالهن بأكفهن، وسائقون أرهقهم الانتظار الطويل. وسيتعوّد الغزّيون على أزيز طائرات التجسس، ذلك الطنين الدائم في آذانهم، حتى يغدو جزءًا من يومهم. ومع الوقت سيُنظر إليه بوصفه صوت الأمان؛ فإذا انقطع، دلّ على عملية عسكرية وشيكة: قصف أو إنزال.
وستتقلّص هذه الكانتونات شيئًا فشيئًا، ويرحل سكانها تدريجيًا. الكيان سيُسمي ذلك إدارة، والفلسطينيون سيُسمونه احتلالًا، أما العالم فسيصفه بنظام هجين: نصفه سجن مفتوح، ونصفه الآخر متاهة بيروقراطية جرداء. في هذا النظام تصبح المساعدات رهينة التصاريح، والمزارعون بحاجة إلى إذن لدخول أراضيهم، وكل غزّي يعيش على وقع الترقّب: قتل أو اعتقال في أي لحظة. إنها حياة تختصر بكلمة واحدة: جحيم.
بالنسبة للصهاينة، لا سلام إلا بالقوة والخوف؛ لا تعايش، بل سيطرة ورعب دائم. أمّا الغزّيون، فستظل أغلبيتهم صامدة: يطلقون طائرات ورقية تحت أبراج المراقبة، ويقيمون حفلات زفاف في الساحات المهدّمة، ويروون قصص الشهداء على وقع أغاني التحرير.
وسيأتي العالم ليوبّخ الكيان، ويُصدر العرب عشرات بيانات التنديد، ثم يُسدل ستار النسيان على غزة. لكن الزمن سيمضي، وسيكبر الأطفال حاملين جراح الماضي في قلوبهم. سيلتقون في سراديب مظلمة، يهرّبون السلاح، يتدرّبون عليه في صمت وعزيمة، حتى يجيء اليوم الذي ينقضّون فيه على الحواجز الصهيونية، فيقتلون جنود الاحتلال بدمٍ بارد وتدور الرحى من جديد، لتعود غزة إلى نقطة الصفر.