عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jan-2026

اليمن قطعة شطرنج حرجة*جمال الكشكي

 الغد

لم تتأخر أصداء وثيقة الأمن القومي الأميركية الجديدة، إذ سرعان ما ظهرت انعكاساتها في ما يُعرف بأرض الصومال، حين لوّح بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، بإمكانية الاعتراف بكيان انفصالي يقتطع جزءا من دولة الصومال الفيدرالية، رغم أن أرض الصومال قائمة بوضعها الحالي منذ عام 1991 من دون أي اعتراف دولي.
 
 
هذا الطرح لم يكن معزولا عن سياقه، بل بدا كحركة محسوبة على رقعة شطرنج القرن الأفريقي الهش، هدفها تشتيت الانتباه عما يجري في الأراضي الفلسطينية، حيث تتعرض الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس لعملية تدمير ممنهجة، تترافق مع توسع الاستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
ويأتي تصريح وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار، عضو حزب الليكود، حين وصف الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بأنهم مجرد ضيوف، ليكشف بوضوح طبيعة العقلية الحاكمة في إسرائيل اليوم.
 فهذا الخطاب لا يعبر عن زلة لسان، إنما عن رؤية أيديولوجية مكتملة، تعيد إنتاج ما بات يُعرف بالمسألة اليهودية في بعدها السياسي الحديث، حيث يصل أصحاب هذه الرؤية إلى مستوى غير مسبوق من التهديد لاستقرار النظام الدولي، عبر إنكار الحقوق الوطنية لشعب كامل، والدفع المتعمد نحو توسيع الصراعات، وعدم الاكتراث بالقانون الدولي، مستفيدين من حالة السيولة التي أعقبت إعلان البيت الأبيض عن وثيقة الأمن القومي الجديدة.
هذه الوثيقة، في جوهرها، لا تمثل مجرد تعديل في أولويات السياسة الأميركية، بل تشكل قطيعة مع مسار امتد نحو ثمانين عاما من نظام دولي قام على القواعد والمؤسسات والتحالفات المستقرة، وتفتح الباب أمام نمط جديد تحكمه موازين القوة المجردة. 
وفي هذا الفراغ المتشكل ترى إسرائيل أن الفرصة مواتية لتمرير مشروع شامل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، قبل أن يستعيد العالم توازنه أو يعيد تعريف قواعد اللعبة الدولية، في لحظة فاصلة بين نظامين عالميين لا يلتقيان.
ولم يقتصر صدى الوثيقة على القرن الأفريقي، بل امتد إلى جنوب اليمن، حيث يتفتت البلد الذي كان يعرف يوما باليمن السعيد ليغدو أرضا مفتوحة للصراع.
 هكذا يُضاف اليمن إلى مشهد إقليمي مأزوم يضم فلسطين ولبنان وسورية، في صورة واحدة لانهيار الدول وتآكل السيادة، واليمن ليس أي قطعة على الرقعة، إنما هو قطعة حرجة.
اللافت أن أصداء هذه الوثيقة بدت حاضرة حتى قبل اكتمال الإعلان عنها، سواء عبر عمليات عسكرية أمريكية مثيرة للجدل في مناطق مختلفة من العالم، أو من خلال التعاطي مع الاحتجاجات داخل إيران.
 فقد لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منشور على منصة تروث سوشيال، بإمكانية التدخل إذا ما أقدمت السلطات الإيرانية على قتل المتظاهرين، وهو ما قوبل برد رسمي من رئاسة البرلمان الإيراني التي اعتبرت القواعد الأميركية في الشرق الأوسط أهدافا مشروعة في حال التصعيد.
 وتزامن ذلك مع تصريحات علنية لرئيس جهاز الموساد ديفيد برنيع ووزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، أعلنا فيها دعما سياسيا للمحتجين، في مؤشر إضافي على اتساع رقعة الشطرنج، واعتماد منطق توسيع الحروب، والعمل على تفكيك أي كتلة صلبة في الإقليم قد تعيق مشاريع إعادة التشكيل.
وفي الإطار ذاته يندرج التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل، كما لا يمكن فصل الحرب الأهلية في السودان عن هذا السياق العام، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية، وتعدد أشكال الدعم الذي يُطيل أمد الصراع ويُعمّق المأساة الإنسانية.
تتحرك قطع الشطرنج بسرعة لافتة، في انتقالات حادة بين أيدي لاعبين كبار، فيما تبدو المنطقة مقبلة على لحظة تاريخية فارقة، قد تكون الأشد قسوة منذ عقود.
ويُخشى أن يكون حصاد هذه المرحلة مدمّرا لمقدرات إقليم أنهكته الحروب، وتركت فيه الميليشيات والتنظيمات المسلحة تتمدد حتى اتسع الخرق على الراتق.
لقد حان الوقت لمبادرة عربية جادة تقوم على الرشاد السياسي واستعادة الفعل الجماعي، بعد أن باتت اللعبة على المكشوف، وبعد أن اتضح أن ما جرى في أرض الصومال ليس سوى بداية، وأن القادم قد يكون أشد خطرا ما لم يأت التدخل بقلب ساخن وعقل بارد وإرادة مستقلة.