الغد
في التحضير لحربه الجارية على إيران، كتب دونالد ترامب على منصته، «تروث سوشال» في كانون الثاني (يناير) الماضي: «أيها الوطنيون الإيرانيون، استمروا في الاحتجاج –استولوا على مؤسساتكم!!!... المساعدة في الطريق». وبالتوازي، أرسل «رسول الحرية» إلى الشرق الأوسط والمدافع الأول عن «الحضارة العالمية»، بنيامين نتنياهو، نفس الرسالة إلى الشعب الإيراني: «يا شعب إيران، أعرف أنكم تريدون الحرية. أعلم أنكم تستحقون مستقبلًا أفضل… إسرائيل تقف إلى جانبكم». و»إيران يمكن أن تصبح دولة مزدهرة وغنية، لكن هذا لن يحدث إلا عندما ينتهي هذا النظام».
بالإضافة إلى هوية هذين الشخصين الدمويين وعدم إمكانية توقع أي خير منهما، ثمة «مؤهلات» تجعل الدول هدفًا لـ»تغيير النظام» فيها -وليس منها بالتأكيد استبداد النظام بالشعب. وأول هذه السمات هو أن تظهر الدولة نزوعًا إلى بناء قدرة ذاتية تُخرجها من موقع التابع إلى موقع الفاعل. أو حين تتحول من مستهلك للأمن إلى منتِج له، ومن متلقٍ للترتيبات إلى مطالب بالمشاركة في صياغتها. وعند هذه العتبة حيث تتقاطع محاولات تطوير قاعدة صناعية، أو امتلاك أدوات ردع مستقلة، أو تنويع الشراكات خارج المظلة الغربية، يدق ناقوس الخطر. ثمة ما يهدد استمرار التفوق العسكري والسياسي للمستعمرة العسكرية الصهيونية في فلسطين، وما يعنيه ذلك لوضع الهيمنة الأميركية على المنطقة.
ويبدأ التحرك دائمًا باللغة، وتعاد صياغة التعريفات في اتجاه تجريم الدولة المستهدفة. بدلًا من قول أنها تبني “قدرة ردع”، يقولون أنها «تصعّد». وبدلًا من وصفها بأنها «تُحدث جيشها وقدراتها» يقولون أنها «تهدد جيرانها»، و»تنزع استقرار الإقليم» –أو حتى تهدد العالم كله وتجعله لا ينام. وتظهر قائمة النعوت التكفيرية المألوفة التي يجري حشوها في الخطاب: «سباق تسلح»؛ «نوايا عدوانية»؛ «برامج سرية». وتتكرر هذه المفردات حتى تتكون سردية كاملة تجعل من الدولة المستهدفة وحشًا لا حل معه إلا قتله.
ومع اللغة، يأتي التكريس المؤسسي. ثمة تقارير تُكتب، ولجان تُشكل، وبيانات تصدر، وملفات تُفتح، ويتم جلب الدولة للمحاكمة في الأمم المتحدة واستصدار الإدانات بحقها حيث أمكن. وفي النهاية يتم وصم الدولة في الإعلام العالمي كدولة «منبوذة»، «مارقة»، «مغامِرة»، «مجنونة وغير مسؤولة». ومع الوقت تتحول هذه الصورة من مجرد ادعاء إلى «حقيقة» متداولة ومقبولة.
وعندما لا تكفي اللغة، يُستدعى الاقتصاد، كأداة ضغط «ذكية رحيمة». حتى يتم «إضعاف النظام» وتقليل التهديد، يتعرض البلد لضرب العملة، وتقييد التجارة، وتعطيل سلاسل الإمداد، ورفع كلف المعيشة على المواطنين. وبذلك يصل المجتمع إلى مرحلة الإنهاك وتتعمق المسافة بينه وبين الدولة. ويتم تقديم هذا الانهاك وهذه المسافة كدليل على «فشل النظام». وعندما يتشكل انطباع بأن الأمور نضجت، تُطرح فكرة «تغيير النظام» ويتم تفعيل أدوات التدخل: دعم المعارضات في الداخل والخارج، وتنظيم الحملات الإعلامية، وتكثيف الضغوط السياسية -وربما العمليات السرية. وتُستدعى مقولات «حقوق الإنسان»، و»الديمقراطية»، و»الحرية» لتبرير التدخل العسكري المباشر كمهمة رسولية.
في حالة العراق كان الخطاب الرسمي في العام 2003 يركز على «تغيير النظام» لأنه يمتلك أسلحة دمار شامل تهدد العالم. ورحب عراقيون –خاصة من المعارضين في المنفى- بالحرية على متن الدبابات الأميركية، ومهدوا لها الطريق. لكن ما حدث لم يكن مجرد إسقاط تمثال صدام حسين، وإنما كان تفكيكًا شاملًا لنظام الدولة: تم حلّ الجيش، وتفريغ مؤسسات الإدارة، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس جديدة كليًا. وكانت النتيجة انهيار قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، وفتح الباب لصراعات وتداعيات نزعت استقرار الإقليم وأدخلت البلد في متاهة.
وفي ليبيا 2011، أفضى التدخل الذي بدأ بشعار «حماية المدنيين» إلى إسقاط النظام الحاكم، لكنه أدى أيضًا إلى تفكك الدولة نفسها، وصنع تفكيك المؤسسات فراغًا سياسيًا وأمنيًا ملأته قوى متنازعة، داخلية وخارجية، ليصبح البلد ساحة مفتوحة للصراعات، ومصدرًا لإقلاق راحة المنطقة من حوله.
وفي سورية، تعقّد مشهد بدأ كاحتجاجات سلمية داخلية بتداخل عوامل داخلية وإقليمية ودولية. وأفضى التدخل الخارجي لـ»تغيير النظام» إلى حرب أهلية دموية مطولة أدت عمليًا إلى استنزاف البلد، وتآكل بناها التحتية والمؤسسية، وتدمير مقدراته وتهجير سكانه، وتفكيك جيشه وتجريده من السلاح، وتحويله إلى مناطق نفوذ ونزاع، وجعله أرضًا مفتوحة لغارات وتوغلات الكيان الصهيوني وسيطرته العسكرية.
في كل هذه الحالات، كان ثمة عوز إلى التمييز بين مستويين مختلفين في بنية الدولة: ثمة «النظام الحاكم» (regime)، بمعنى النخبة التي تمسك بزمام السلطة في لحظة معينة وطبيعة ممارستها لهذه السلطة. وثمة «النظام السياسي والمؤسسي» بمعناه البنيوي الواسع (system)، بمعنى شبكة المؤسسات والقواعد التي تنظّم الحكم: الدستور، السلطات، القوانين، آليات اتخاذ القرار، وكل المؤهلات التي تجعل البلد عاملًا. وهذا «النظام» عابر للحكومات. وربما يخلط مواطنونا العرب الذين يستدعون الخارجيين لـ»تغيير النظام» بين المفهومين، حيث كلمة «النظام» العربية هي المفردة المكافئة لكلا كلمتي regime وsystem الإنجليزيتين.
الفارق حاسم، وربما يتعمد الخطاب السياسي للمتدخلين الخارجيين وأبواقهم طمسه –وكذلك «داخليون» ربما تعميهم شدة اليأس عن ملاحظة الفارق الواضح. وقد أشار عالم السياسة الأميركي الشهير، صامويل هنتنغتون، إلى أن التدخلات الخارجية يتم تبريرها بلغة أخلاقية كبرى، لكنها تخدم في الواقع «المصالح الخاصة للمتدخلين». وعندما تتدخل أميركا والكيان -وحلفائهما- فإن مصلحتهم هي تدمير أي مقدرات قد تمنح العرب –أو المنافسين في الإقليم- فرصة لمقاومة مشروعهم لإخضاع المنطقة والسيطرة عليها.
وهكذا، تُشن الحرب تحت شعار «تغيير النظام» regime change على طريقة «المساعدة في الطريق». وكثيرًا ما يحدث انهيار سريع لنخبة السلطة -وإنما يصاحبه انهيار طويل الأمد للدولة. وكل مرة يتبين أن الهدف ليس تغيير من يحكم، وإنما «تفكيك ’النظام‘ الذي يجعل الدولة عاملة» system.
ليس من المستغرب أن يكون هذا هو دافع قوى عدوانية بطبيعتها. لكن الغريب هو ترحيب بعض «الداخليين»، المواطنين بتدخل قوى مشبوهة في بلدانهم، وتبرير التدخل والدفاع عنه. ربما يكون اليأس من سلطة مستبدة مفهومًا، لكن ترجمته إلى دعوة لقوى معروفة بنيتها تدمير البنية التي تحفظ وجود الدولة يشبه فكرة تدمير البيت كله للتخلص من ساكنٍ سيئ -وهو رهان ينتهي، غالبًا، بخسارة الاثنين معًا.