الغد
ليانا فيكس* - (الإندبندنت) 12/2/2026
ألمانيا تعود بسرعة لتصبح قوة عسكرية كبرى في قلب أوروبا، مدفوعة بتراجع الدور الأميركي والتهديد الروسي. لكن صعودها غير المنضبط قد يعيد فتح جروح المنافسة والانقسام داخل القارة. ويكمن التحدي في تسليح يردع الأخطار الخارجية من دون أن يحول القوة الألمانية إلى مصدر خوف، أو يدفع أوروبا نحو صراعات داخلية جديدة، خصوصاً مع صعود اليمين المتطرف في برلين.
***
"أوجه إليكم تحذيراً جاداً، بأنه في ظل الاتجاه الحالي، فإن الحرب العالمية المقبلة حتمية"، هذا ما قاله القائد العسكري الفرنسي فرديناند فوش. حدث ذلك في العام 1921، حين كان فوش، القائد الأعلى لقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى، يدق ناقوس الخطر في خطاب ألقاه في مدينة نيويورك، وكانت مخاوفه بسيطة وواضحة. فبعد هزيمة ألمانيا، أجبرتها قوات الحلفاء على نزع سلاحها بموجب معاهدة فرساي. لكن بعد بضع سنوات، توقف الحلفاء عن تطبيق شروط انتصارهم. ونتيجة لذلك، حذر فوش من أن برلين ستصبح قادرة على إعادة بناء جيشها، وستفعل ذلك حتماً. "إذا واصل الحلفاء لامبالاتهم الحالية، فإن ألمانيا ستنهض حتماً حاملة السلاح من جديد".
وقد ثبتت رؤية فوش الاستشرافية، فبحلول أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، كانت ألمانيا قد أعادت بالفعل بناء قوتها العسكرية. فاستولت على النمسا، ثم تشيكوسلوفاكيا، ثم بولندا، مما أشعل فتيل الحرب العالمية الثانية. وعندما هزمت مرة أخرى، كان الحلفاء أكثر حرصاً في إدارة شؤون البلاد. فقد احتلوها وقسموها، وحلوا قواتها المسلحة، وألغوا إلى حد كبير صناعتها الدفاعية. وعندما سمحت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية، على التوالي، بإعادة بناء جيوشهما، كان ذلك تحت رقابة صارمة. وعندما سمح للشطرين بالاندماج، فرضت قيود على حجم قوات ألمانيا المسلحة. وحتى مع ذلك، عارضت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر إعادة التوحيد، خشية أن يؤدي ذلك إلى نشوء دولة شديدة القوة والخطورة. وحذرت في العام 1989 من أن ألمانيا الأكبر "ستقوض الاستقرار الدولي برمته، وقد تعرض أمننا للخطر".
اليوم، تبدو مخاوف فوش وتاتشر جزءاً من الماضي البعيد. فبينما واجهت أوروبا أزمة تلو الأخرى في العقود الأخيرة، وأهمها العدوان الروسي على أوكرانيا، لم يعد القلق من أن تصبح برلين قوية أكثر من اللازم، بل من أنها أضعف مما ينبغي. وصرح رادوسلاف سيكورسكي، وزير خارجية بولندا، في العام 2011، خلال الأزمة المالية الأوروبية: "إنني أخشى تقاعس ألمانيا أكثر مما أخشى قوتها". وكان تصريحاً لافتاً لمسؤول بولندي، نظراً إلى أن وارسو كانت تقليدياً من أكثر الحكومات قلقاً وخوفاً من القوة الألمانية. وهذا ليس رأيه وحده، فقد صرح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، في العام 2024، بأن الجيش الألماني يجب أن "ينفق أكثر وينتج أكثر".
والآن، يحصل هؤلاء القادة على ما تمنوه. فبعد تأخيرات كثيرة، بدأ المنعطف الألماني في السياسة الدفاعية، الذي تعهدت به برلين العام 2022 لتصبح أحد القادة الدفاعيين في أوروبا، يتحقق أخيراً على أرض الواقع. ففي العام 2025، أنفقت ألمانيا على الدفاع أكثر من أي دولة أوروبية أخرى من حيث القيمة المطلقة. ويحتل إنفاقها العسكري اليوم المرتبة الرابعة عالمياً، مباشرة بعد روسيا. ومن المتوقع أن يصل الإنفاق العسكري السنوي إلى 189 مليار دولار في العام 2029، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما كان عليه في العام 2022. بل إن ألمانيا تدرس حتى العودة للتجنيد الإلزامي إذا لم يتمكن جيشها، البوندسفير، من استقطاب عدد كاف من المتطوعين. وإذا واصلت البلاد هذا المسار، فستغدو مجدداً قوة عسكرية كبرى قبل العام 2030.
لقد شعر الأوروبيون عموماً بالسعادة لرؤية برلين تعيد بناء جيشها لمواجهة روسيا، لكن ينبغي لهم الحذر مما يتمنونه، فألمانيا اليوم تعهدت باستخدام قوتها العسكرية المتعاظمة لخدمة أوروبا بأكملها. غير أن الهيمنة العسكرية الألمانية، إذا تركت من دون ضوابط، قد تفضي في نهاية المطاف إلى إثارة الانقسامات داخل القارة. فما تزال فرنسا تشعر بعدم الارتياح إزاء تحول جارتها إلى قوة عسكرية عظمى، وكذلك الحال بالنسبة إلى كثيرين في بولندا، رغم تصريحات سيكورسكي. ومع صعود برلين، قد تتنامى الشكوك وانعدام الثقة. وفي أسوأ السيناريوهات، قد تعود المنافسة. فقد تسعى فرنسا وبولندا ودول أخرى إلى موازنة القوة الألمانية، وهو ما سيحول الانتباه بعيداً من روسيا ويترك أوروبا منقسمة وضعيفة. وقد تسعى فرنسا، على وجه الخصوص، إلى إعادة ترسيخ مكانتها بوصفها القوة العسكرية الأولى في القارة و"الأمة العظمى". وهذا قد يؤدي إلى منافسة صريحة مع برلين، ويوقع أوروبا في صراع داخلي.
في الواقع، تغدو هذه المآلات الكابوسية أكثر ترجيحاً على نحو خاص إذا انتهى الأمر بألمانيا إلى حكم حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرف، الذي يتقدم في استطلاعات الرأي. فهذا الحزب شديد القومية كثيراً ما انتقد الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وذهب بعض أعضائه إلى إطلاق مطالبات ثأرية تتعلق بأراضي دول مجاورة. وفي حال أحكم الحزب قبضته على السلطة، قد تستخدم ألمانيا نفوذها لابتزاز دول أخرى أو لإكراهها، بما يفتح الباب أمام توترات وصدامات.
تحتاج برلين فعلاً إلى تعزيز قدراتها العسكرية، فالقارة في خطر، ولا تملك أي حكومة أوروبية أخرى القدرة المالية التي تستطيع ألمانيا تسخيرها. ولكن يتعين على برلين أن تدرك الأخطار المصاحبة لقوتها وأن تقيد القوة الألمانية من خلال دمج قدراتها الدفاعية ضمن هياكل عسكرية أوروبية أكثر تكاملاً. وعلى جيران ألمانيا الأوروبيين، من جهتهم، أن يوضحوا الصورة التي يرغبون في أن يتخذها هذا التكامل الدفاعي. وإلا، فإن إعادة تسليح ألمانيا قد تفضي إلى أوروبا أكثر انقساماً وأشد ريبة وأضعف حالاً، وهو النقيض التام لما تأمل برلين اليوم في تحقيقه.
أكثر من اللازم.. وأقل مما ينبغي
بالنسبة إلى كثيرين، يصعب فهم كيف يمكن لإعادة تسليح ألمانيا أن يؤدي إلى منافسة وعدم استقرار في أوروبا، فجميع الأوروبيين على دراية، بطبيعة الحال، بتاريخ البلاد العسكري. لكن في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، دمجت ألمانيا اقتصادها وأجهزتها الدفاعية بعمق في الإطار الأوروبي. فقد رفض أول مستشار لألمانيا الغربية بعد الحرب كونراد أديناور رفضاً قاطعاً فكرة تحويل بلاده إلى قوة عسكرية مستقلة، ودعا إلى دمج القوات المسلحة الألمانية الغربية، إما ضمن جيش أوروبي أو في حلف شمال الأطلسي. وبعد نهاية الحرب الباردة، تبنت ألمانيا نهجاً يقوم على ضبط النفس العسكري، وعرفت نفسها على أنها "قوة مدنية"، قوة جديرة بالثقة وغير مهددة، حتى مع ما جلبه التوحيد من زيادة كبيرة في قوتها. وكما صرح هيلموت كول، أول زعيم لألمانيا الموحدة، في العام 1989: "لا يمكن أن يخرج من الأراضي الألمانية سوى السلام". أما التكامل الاقتصادي والسياسي الذي حققه الاتحاد الأوروبي لاحقاً، فقد أسهم في خلق هوية أوروبية جامعة، وعزز الاعتقاد بأن الدول الأوروبية، ومنها ألمانيا، باتت تمتلك مصالح استراتيجية مشتركة، وبالتالي لن تعود مطلقاً للتنافس في ما بينها.
ومع ذلك، وكما طرح بعض منظري المدرسة الواقعية، فإن التنافس بين دول أوروبا لم يختف حقاً، وبالتأكيد لم يختف بفعل الاتحاد الأوروبي وحده. لقد جرى فقط كبحه، وإلى حد كبير بفضل حلف شمال الأطلسي والهيمنة الأميركية. فالاتحاد الأوروبي كان، وما يزال، في الأساس كياناً اقتصادياً، فيما بقي الأمن والدفاع في أوروبا في الغالب بيد "الناتو" والجيش الأميركي. وبعبارة أخرى، كان الحضور الأميركي الطاغي الأمر الذي خفف حدة المعضلة الأمنية الأوروبية التي كثيراً ما فرضها حجم ألمانيا وموقعها، لا مجرد التكامل السياسي والاقتصادي الذي عززه الاتحاد الأوروبي.
الآن، ومع ما يبدو أنه تراجع في اهتمام الولايات المتحدة بالالتزامات والموارد التي دأبت على تخصيصها تاريخياً لأوروبا، قد تعود تلك المنافسة من جديد. وقد تبدأ بأشكال صغيرة وغير مؤذية، فدول أوروبية أخرى تشعر بالفعل بعدم الارتياح إزاء التعاظم العسكري الألماني والإنفاق الدفاعي المتزايد. فعلى سبيل المثال، تخطط برلين لإنفاق الحصة الكبرى من موازنتها الدفاعية على شركات الدفاع الألمانية، مستفيدة من استثناء في قواعد المنافسة داخل الاتحاد الأوروبي، يسمح بموجبه للدول الأعضاء بتجاوز إجراءات الإخطار والموافقة على التمويل العام للصناعات الدفاعية الوطنية، إذا اعتبر هذا الإنفاق مسألة تتعلق بمصالح أمنية أساسية. ومن شأن ذلك أن يقوض التعاون ويعرقل بروز شركات دفاعية أوروبية رائدة بحق. ولا يساعد في هذا السياق إصرار ألمانيا على إبقاء قرارات المشتريات الدفاعية في أيدي الحكومات الوطنية ورفضها منح المفوضية الأوروبية دوراً تنسيقياً أكبر. فما تحتاج إليه صناعة الدفاع إليه في القارة هو "الأوروبة" وسوق موحدة للأسلحة، لكن سياسات برلين لا تدفع المجال الدفاعي في هذا الاتجاه.
لقد استفادت فرنسا وإيطاليا والسويد وغيرها من الدول من الثغرة نفسها في قواعد الاتحاد الأوروبي لتعزيز قطاعاتها الدفاعية، وهي تمتلك صناعات عسكرية كبيرة بما يكفي للحد من الهيمنة الألمانية. غير أن أي دولة أوروبية أخرى لا تستطيع مجاراة برلين في حجم الإنفاق. فقد خففت ألمانيا أخيراً قيود كبح الديون لديها، مما سمح بإنفاق غير محدود تقريباً على الدفاع، وهو خيار لا تملكه معظم الدول الأوروبية التي تعاني عجزاً مالياً أكبر. ويتمثل الحل الأمثل لهذه المعضلة في أن تلجأ المفوضية الأوروبية إلى الاقتراض المشترك واسع النطاق لأغراض الدفاع. وهناك سابقة لذلك بالفعل، وهي سندات اليورو التي أصدرتها المفوضية خلال أزمة كورونا. إلا أن برلين رفضت السماح بمثل هذه المبادرة الدفاعية الشاملة. وبدلاً من ذلك، لم تؤيد سوى برامج اقتراض مشروطة، مثل مبادرة "العمل الأمني من أجل أوروبا" Security Action for Europe (Safe)، التي توفر قروضاً ميسرة تصل قيمتها إلى 175 مليار دولار لمشاريع دفاعية تعاونية. ولا تستطيع هذه البرامج (ولا البرامج المستقبلية المماثلة) تلبية الطلب المالي المستمر للصناعات الدفاعية ضخمة الكلفة، كما أنها تبقى متواضعة مقارنة بخطة ألمانيا لإنفاق أكثر من 750 مليار دولار على الدفاع خلال السنوات الأربع المقبلة.
ويقول صانعو السياسات الألمان إنهم لا يرغبون في تحمل فاتورة إنفاق محلي مفرط من جانب حكومات في الاتحاد الأوروبي يرونها أقل مسؤولية مالياً، لا سيما في وقت يشهد فيه اقتصاد بلادهم ركوداً. إلا أن هذا التبرير ينطوي على نبرة تعال أخلاقي: فقد استفادت برلين لسنوات طويلة من موازنات متوازنة ونمو اقتصادي مدفوعين بالصادرات إلى الصين وبالطاقة الروسية الرخيصة، من دون اكتراث يذكر بالأخطار السياسية المترتبة على تمويل نزعة بكين الاندفاعية وعدوانية موسكو. كما أن الموقف الألماني قصير النظر، فمن مصلحة برلين أن تسمح لأجزاء أخرى من أوروبا بالإنفاق بسخاء على الدفاع من دون الاضطرار إلى تقليص الرفاهية الاجتماعية. فمثل هذه التخفيضات، في نهاية المطاف، تؤدي إلى ردود فعل شعبوية، مما سيقوض الوحدة في شأن أوكرانيا والجهود الدفاعية في مواجهة روسيا، وهو السبب الرئيس الذي يستدعي زيادة الإنفاق الدفاعي أصلاً.
تقول برلين إنها تسعى إلى شراكات مع حكومات أوروبية أخرى، كي يعود إنفاقها الدفاعي بالنفع على المحيط الأوروبي كله. ومن منظورها، حتى لو حصدت الشركات المحلية النصيب الأكبر، فالكعكة كبيرة بما يكفي ليحصل الجميع على حصته. وترى برلين أيضاً أن نشر قوات ألمانية في دول البلطيق، وربما في دول أخرى لاحقاً، يمثل تطميناً كافياً بأنها تراعي مصالح أوروبا، ولا تركز على إعادة تسليحها وحدها. لكن منح الدول الأخرى "حصة من الكعكة" لن يكون، على الأرجح، كافياً لإسكات القلق من الهيمنة الألمانية، خصوصاً في ظل تراجع الولايات المتحدة والضبابية التي تكتنف مستقبل "الناتو". فمع كل الحماسة الحالية لتعزيز القدرات الدفاعية الألمانية، بدأ كثيرون يتساءلون كيف تنوي برلين إدماج تفوقها العسكري والصناعي داخل أوروبا. إنهم يريدون ألمانيا تتحمل نصيبها من العبء، لا أن تلقي بثقلها على الآخرين.
القوة تثير الفزع
يتجاهل صانعو السياسات الألمان مثل هذه المخاوف، فهم يجادلون بأن جيران ألمانيا لا يمكنهم الحصول على برلين ضعيفة وقوية في آن واحد قادرة على الدفاع عن أوروبا، ويبدو أن موقفهم من القلق الأوروبي يتمثل في أن القارة، ما دامت قد طالبت بتعاظم القدرات العسكرية، فلا يحق لها الشكوى من نتائجه.
لكن هذه الحجة لن تبدد المخاوف في شأن الهيمنة الألمانية، فباريس لا تستسيغ فكرة أن تصبح ألمانيا القوة العسكرية المهيمنة في أوروبا، لأنها ترى أن هذا الدور يعود لفرنسا. كما ستراقب عن كثب أي مؤشرات على أن ألمانيا قد تطمح يوماً إلى امتلاك أسلحة نووية، وهو المجال الوحيد المتبقي الذي تتفوق فيه فرنسا. ويخشى بعض المسؤولين البولنديين من أن تشعر ألمانيا القوية عسكرياً في يوم ما بأنها حرة في إعادة بناء علاقات ودية مع روسيا. وقد أعرب بولنديون كثر، وليس أنصار حزب القانون والعدالة الشعبوي فحسب، عن مخاوفهم من أن تؤدي هيمنة ألمانية إلى تهميش دور الدول الأصغر في الاتحاد الأوروبي، وأن تستخدم برلين قوتها لإكراه تلك الدول.
ولا يحتاج المحللون الذين يسعون إلى فهم أسباب الخوف الأوروبي من الهيمنة الألمانية إلى الرجوع قرناً إلى الوراء، فالعقد الماضي وحده كاف. فخلال الأزمة المالية التي عصفت بأوروبا في العقد الثاني من الألفية، كانت دول عدة أعضاء في الاتحاد الأوروبي غارقة في الديون وتحتاج إلى مساعدات مالية وحزم إنقاذ من الاتحاد. وكان ذلك يعني عملياً الحصول على موافقة ألمانيا، أكبر اقتصاد وأكثره ثراء في منطقة اليورو، لكن بدلاً من إظهار التضامن واستخدام ثروتها الهائلة لمساعدة هذه الدول بسخاء، ركزت برلين على الانضباط المالي وفرضت إجراءات تقشف قاسية كجزء من برامج الإنقاذ، مما أدى إلى معدلات بطالة بنسبة مزدوجة الرقم ومعاناة طويلة الأمد في الدول المدينة. وكانت الحكومة الألمانية شديدة القسوة بصورة خاصة تجاه اليونان، إذ فرضت عليها تخفيضات كبيرة في برامج الرعاية الاجتماعية وغيرها من الخدمات الحكومية. وبلغ معدل البطالة في البلاد نحو 30 في المائة في العام 2013، وبحلول منتصف العقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي بمقدار الربع. ونتيجة لذلك، نما شعور عميق بالكراهية تجاه برلين في اليونان. وقد جسد أحد الملصقات اليونانية الشهيرة آنذاك المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وهي ترتدي زياً نازياً.
وإذا لم تتخذ ألمانيا خطوات جادة لتخفيف مشاعر انعدام الثقة وعدم الارتياح، فقد تعود المنافسة فعلاً لأوروبا، ولموازنة قوة برلين العسكرية، قد تسعى بولندا، على سبيل المثال، إلى تعزيز تحالفها مع دول البلطيق ودول الشمال الأوروبي والمملكة المتحدة في إطار قوة الانتشار المشتركة. كما قد تتطلع إلى الانضمام إلى مجموعة دول الشمال والبلطيق الثماني (NB8)، وهي إطار تعاون إقليمي يضم الدنمارك وإستونيا وفنلندا وآيسلندا ولاتفيا وليتوانيا والنرويج والسويد. وفي كلتا الحالتين، قد يؤدي ذلك إلى تشتت الجهود الأوروبية المشتركة في مجال الدفاع. أما باريس، فقد تميل إلى إعادة تأكيد نفوذها من خلال زيادة إنفاقها الدفاعي بصورة كبيرة في محاولة للحاق بألمانيا واحتوائها، رغم المشكلات المالية الداخلية التي تواجهها فرنسا، وقد تسعى باريس أيضاً إلى تعزيز التعاون مع لندن لموازنة نفوذ برلين.
وإذا انقسمت أوروبا وتزعزع استقرارها بفعل المنافسة الداخلية، فقد يصاب كل من الاتحاد الأوروبي وحلف "الناتو" بالشلل. وقد تستشعر روسيا فرصة لاختبار التزام "الناتو" بالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي، فضلاً عن مواصلة توغلها في أوكرانيا. وقد تستغل الصين القارة اقتصادياً، مهددة بذلك قوة أوروبا الصناعية. وستجد القارة صعوبة كبيرة في الدفاع عن نفسها، ولا سيما في ظل غياب واشنطن. وإذا تحولت الولايات المتحدة إلى قوة معادية، كما توحي به أحاديثها عن ضم غرينلاند، فسيصبح من الأسهل عليها التلاعب بالقارة. وبعبارة أخرى، فإن أوروبا المنقسمة ستغدو مجرد بيدق في لعبة القوى العظمى.
عودة النزعة الثأرية
قد تثبت ألمانيا المهيمنة عسكرياً أنها بالغة الخطورة على وجه الخصوص إذا بدأت قيادتها الداخلية الوسطية بفقدان السلطة، وهو احتمال وارد بالفعل. فرغم أن الانتخابات الوطنية المقبلة ليست مقررة قبل ثلاث سنوات، فإن حزب البديل من أجل ألمانيا المتطرف يتصدر الآن استطلاعات الرأي على المستوى الوطني. ويتبنى الحزب أيديولوجيا يمينية متطرفة، غير ليبرالية، ومتشككة في الاتحاد الأوروبي. وهو حزب ودي تجاه روسيا، ويعارض دعم أوكرانيا، ويسعى إلى التراجع عن اندماج ألمانيا الاقتصادي والعسكري بعد العام 1945 في كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، على الأقل بصورتهما الحالية. ويرى الحزب في القوة العسكرية أداة لتعظيم المكانة الوطنية يجب استخدامها حصراً لخدمة مصالح برلين. ويطمح إلى بناء صناعة دفاعية ألمانية مستقلة بالكامل عن صناعات الحلفاء التقليديين، وإذا ما وصل إلى السلطة الفيدرالية، فسيستخدم حزب البديل من أجل ألمانيا الجيش الألماني على النحو الذي خشيت منه مارغريت تاتشر: أداة لبسط النفوذ على جيران ألمانيا. وبالطريقة نفسها التي قدمت فيها واشنطن مطالب كانت ذات يوم غير واردة تجاه كندا وغرينلاند، قد يقدم حزب البديل من أجل ألمانيا، إذا قاد الحكومة، على المطالبة بأراض فرنسية أو بولندية.
وتدرك الأحزاب الوسطية الألمانية مدى الرعب الذي يثيره حزب البديل من أجل ألمانيا لدى دول الجوار، ولذلك عملت على عزله، إذ شكلت أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط ائتلافات واسعة لإبعاده من السلطة الفيدرالية، إلا أن عرقلة حزب البديل من أجل ألمانيا تزداد صعوبة عاماً بعد آخر، فقد حصد ثاني أكبر عدد من الأصوات في انتخابات العام 2025 في ألمانيا. ومن المرجح أن يتشجع أكثر بفعل انتخابات الولايات في العام 2026، إذ تظهر استطلاعات الرأي أنه بات قريباً من تحقيق غالبية في ولايتي مكلنبورغ -بوميرانيا الغربية وساكسونيا- وأنهالت. وإذا فاز بغالبية المقاعد في الانتخابات الوطنية الألمانية المقبلة، فقد ينهار "جدار الحماية" الذي أبقاه خارج الحكم.
إن عودة النزعة التعديلية والانتقامية في ظل حزب البديل من أجل ألمانيا ستحدث بصورة تدريجية في البداية، ثم على نحو مفاجئ. ففي الخطوة الأولى، قد يسمح حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وهو حزب يمين الوسط الذي ما يزال حتى الآن معارضاً بقوة لحزب البديل من أجل ألمانيا، بأن يوفر له الحزب اليميني المتطرف دعماً غير مباشر لقيادة حكومة أقلية محافظة. وعندئذ سيستغل حزب البديل من أجل ألمانيا هذا الحضور الجديد لتطبيع أيديولوجيته وإدخالها في التيار السائد. كما سيحاول ابتزاز الحكومة، مهدداً بإسقاطها إذا لم تمرر سياسات يمينية متطرفة، وسيدفع ممثلو الحزب باتجاه وقف دعم أوكرانيا، وقد يؤججون أيضاً التوتر مع جيران ألمانيا من خلال المطالبة بأراض كانت تحت سيطرة برلين سابقاً، مثل بعض الأقاليم الشرقية السابقة للرايخ الألماني التي أصبحت جزءاً من بولندا (وروسيا) منذ العام 1945. وستصر حكومة الأقلية المحافظة على أنها لن تتعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا إلا في قضايا محددة، وأن المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية والدفاعية الألمانية ستظل من دون تغيير. غير أن النفوذ المستجد للحزب سيؤدي، على الأرجح، إلى تآكل كبير في الثقة وإلى تصاعد التوترات مع دول أوروبية أخرى.
وفي سيناريو أكثر خطورة، قد يصبح حزب البديل من أجل ألمانيا شريكاً رسمياً في حكومة ائتلافية، أو حتى قائداً لها. وحينذاك سيسعى الحزب إلى فك ارتباط ألمانيا رسمياً بالهياكل الغربية أو إضعافها من الداخل. فقد يسعى، على سبيل المثال، إلى إعادة تشكيل الاتحاد الأوروبي ليصبح "أوروبا الأمم" غير الليبرالية، من دون اليورو كعملة موحدة، مما يعني التراجع عن اندماج ألمانيا في القارة. وسيؤدي ذلك إلى إضعاف الروابط الاقتصادية التي أسهمت في حفظ السلام في أوروبا طوال 80 عاماً، ويعيد إحياء مشكلات اقتصادية لا تحصى، وإشعال شتى أنواع النزاعات السياسية داخل أوروبا. ومن المرجح أيضاً أن ينسحب حزب البديل من أجل ألمانيا من الجهود المتبقية لحلف "الناتو" في مواجهة روسيا، وأن يختار سياسة استرضاء للكرملين، وأن يدفع باتجاه سحب اللواء الألماني من ليتوانيا. وقد يسعى كذلك إلى إخراج برلين من حلف "الناتو" بالكامل، مع أن الحزب قد يرغب في البقاء إذا كانت الولايات المتحدة، ذات التوجهات غير الليبرالية، هي التي تقود "الناتو". كما قد يجهض مسارات التعاون والمصالحة مع فرنسا والمملكة المتحدة، بما في ذلك تعليق العمل بمعاهدة "التعاون والتكامل الفرنسية الألمانية" (آخن) ومعاهدة "الصداقة" (كنسينغتون) المبرمتين حديثاً واللتين رفعتا مستوى التعاون الأمني الفرنسي الألماني والبريطاني الألماني إلى آفاق جديدة، وهكذا ستظهر ألمانيا بوصفها قوة قومية وعسكرية مهيمنة تعمل منفردة في أوروبا.
ورداً على ذلك، من شبه المؤكد أن تؤسس فرنسا وبولندا والمملكة المتحدة تحالفات موازنة تهدف إلى احتواء ألمانيا، حتى لو كانت هذه الدول نفسها محكومة بأحزاب يمينية، وقد تحذو دول أوروبية أخرى حذوها. وفي المقابل، ستسعى ألمانيا بقيادة حزب البديل من أجل ألمانيا إلى عقد تحالفات خاصة بها، على سبيل المثال مع النمسا أو المجر الصديقتين لألمانيا. وستتلاشى فعلياً قدرة القارة على الدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات الخارجية، وسيعود الأوروبيون للاقتتال في ما بينهم، وهو تحديداً ما سعت الولايات المتحدة طويلاً إلى منعه.
الأصفاد الذهبية
ثمة سبيل أمام برلين لتوسيع قوتها العسكرية من دون إعادة أوروبا لحقبة التنافس والصراع، حتى في حال وصول حزب البديل من أجل ألمانيا إلى الحكم في نهاية المطاف. يكمن الحل في أن تقبل ألمانيا ما سماه المؤرخ تيموثي غارتون آش، في مقالة له في صفحات مجلة "فورين أفيرز" قبل ثلاثة عقود، "الأصفاد الذهبية": أي تقييد سيادتها من خلال تعزيز اندماجها مع جيرانها الأوروبيين.
لقد قام قادة ألمان سابقون بهذه المقايضة، فقد دمج أديناور الجيش الألماني الغربي الجديد في حلف "الناتو". ولإعادة التوحيد مع ألمانيا الشرقية، استبدل هيلموت كول المارك الألماني باليورو، متنازلاً عن سيادة برلين النقدية. ينبغي على قادة اليوم أن يحذوا حذوهم، بإمكانهم البدء بقبول اقتراض أوروبي مشترك واسع النطاق لأغراض الدفاع، مما يسمح للدول التي تملك هامشاً مالياً أضيق من ألمانيا أن تنفق بسخاء على الدفاع من دون أن تزيد ديونها وتخاطر، كما قد يحدث مع فرنسا، بمزيد من الخفض في تصنيفها الائتماني. بالمقارنة بمعظم الدول الأوروبية، فإن تكاليف الاقتراض الإجمالية التي يتحملها الاتحاد الأوروبي منخفضة، وباعتبارها أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، تستطيع ألمانيا تحمل دور الضامن الأخير. من شأن ذلك أن يدمج القوة العسكرية والصناعية الألمانية بصورة أوثق في الإطار الأوروبي من خلال جعل برلين تتحمل المسؤولية المالية عن تسليح القارة. (قد يسهم ذلك أيضاً في تعزيز صنع القرار المشترك، إذ يمكن لدول الاتحاد الأوروبي العمل معاً على اختيار مشاريع الدفاع، والأولويات التي تمولها سندات اليورو هذه).
ينبغي لألمانيا أيضاً أن تدفع باتجاه تعزيز التكامل بين الصناعات الدفاعية الوطنية في أوروبا، بما في ذلك السعي إلى مزيد من التعاون في مشاريعها الخاصة بدلاً من الإنفاق بصورة كبيرة على الشركات المحلية. وبالمثل، يتعين على ألمانيا أن تدعم شركات دفاع أوروبية حقيقية على غرار شركة "إيرباص"، التي تأسست كتكتل أوروبي في مجال الطيران لتوفير بديل عن المصنعين الأميركيين. لن تسهم هذه الإجراءات مجتمعة في تبديد المخاوف من هيمنة ألمانيا فحسب، من خلال ضمان اعتماد قاعدة برلين الدفاعية على جهات أخرى، بل ستوفر أيضاً نطاقاً أوسع وفعالية أكبر في تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية ككل.
أخيراً، وبصورة أكثر طموحاً، ينبغي لألمانيا وحلفائها الأوروبيين التفكير في اندماج عسكري أعمق. فمع تراجع الولايات المتحدة، ستحتاج أوروبا إلى إيجاد صيغ وهياكل عسكرية خارج حلف "الناتو" للدفاع عن نفسها. ورغم أن إنشاء جيش أوروبي موحد يبقى مستبعداً في المستقبل المنظور، سيتعين على دول القارة إنشاء تشكيلات عسكرية أكبر متعددة الجنسيات لردع روسيا. (توجد بالفعل أمثلة صغيرة على هذه المحاولات، بما في ذلك لواء فرنسي - ألماني وبعض المجموعات القتالية التابعة للاتحاد الأوروبي، وإن كانت لم تنشر بعد). إضافة إلى ذلك، ينبغي للقارة إنشاء هياكل قيادة أوروبية تدمج البوندسفير بصورة وثيقة مع القوات المسلحة الأخرى، وتقدم بديلاً عن هياكل "الناتو" في أوقات التوترات عبر الأطلسي. وسيؤدي تعميق الاندماج العسكري الأوروبي إلى تقييد النفوذ الألماني من خلال إخضاع ألمانيا لعملية صنع القرار الجماعي. بل إنه سيشكل أيضاً صمام أمان في مواجهة حكومة يقودها حزب البديل من أجل ألمانيا، إذ سيجعل من شبه المستحيل إخراج البوندسفير من المبادرات المشتركة من دون اتخاذ إجراءات جذرية وغير شعبية، مثل الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أو غيره من مؤسسات التعاون الأوروبية. إن "تحالف الراغبين" الذي اقترح كثير من المسؤولين الأوروبيين نشره في أوكرانيا بعد التوصل إلى تسوية سلمية يمكن أن يكون بمثابة تجربة أولية تمهيدية.
إن خطر تفكك القارة الأوروبية يجب أن يدفع واشنطن إلى التريث والتفكير ملياً قبل التراجع، وخصوصاً في ما يتعلق بدعم حزب البديل من أجل ألمانيا. فإذا عادت أوروبا لمنافسة القوى العظمى، فقد تضطر واشنطن في نهاية المطاف إلى تخصيص موارد للقارة تفوق ما خصصته على مدى العقود الماضية لمنع انزلاق أوروبا إلى الصراع، وهذا تحديداً ما يسعى البيت الأبيض إلى تجنبه.
لكن عدم استقرار أوروبا وتشرذمها ليس أمراً حتمياً بأي حال من الأحوال، حتى في عصر يتراجع فيه الدور الأميركي، فقد تعلمت الدول الأوروبية على مدى العقود الثمانية الماضية كيف تندمج وتتعاون بطرق كان المراقبون السابقون ليصفوها بأنها ضرب من الخيال. في الواقع، وبفضل الغزو الروسي، بلغ التوافق القاري اليوم مستوى أعلى من أي وقت مضى في التاريخ. وأمام أوروبا سبل متعددة لتجنب معضلة أمنية تتمحور حول ألمانيا المهيمنة، بل إن الضغط الشديد من واشنطن قد يسهم في توحيد القارة بصورة أكبر وبناء هوية أوروبية أقوى. ويتطلب بلوغ هذه النتيجة الإيجابية ضبط النفس وبعد النظر وقسطاً من الحظ، لكن على قادة القارة العمل بجد لتحقيقها. فالأخطار جسيمة، والبديل سيكون كارثياً.
*ليانا فيكس: زميلة أولى لشؤون أوروبا في "مجلس العلاقات الخارجية". وهي مؤلفة الكتاب المرتقب "إعادة تسلح ألمانيا: عودة الحرب ونهاية الأوهام". مترجم عن "فورين أفيرز" حيث نشر في 6 شباط (فبراير) 2026