الغد-عزيزة علي
يقدم الأكاديمي والناقد الأردني الدكتور محمد عبيد الله في كتابه الصادر بدعم من وزارة الثقافة، بعنوان "جدل الذات والموضوع: قراءات في مسيرة القصة القصيرة الأردنية"، قراءة نقدية معمّقة لمسيرة القصة القصيرة الأردنية، متتبعًا تحوّلاتها الفنية والجمالية، ومحلّلا تجاربها عبر أجيالها المختلفة، في عمل يجمع بين الرؤية التاريخية والمقاربة النقدية الحديثة.
وفي كلمة على غلاف الكتاب، الصادر عن دار "الآن ناشرون وموزّعون"، يؤكد المؤلف على مكانة القصة القصيرة، مشيرًا إلى أنها ما تزال تحتل موقعًا بارزًا بين الأجناس الأدبية والسردية، وتجتذب كتابًا وقراءً متعددي المذاهب والميول، يجدون فيها جزءًا من ضالتهم المعرفية والجمالية، لمرونتها في التفاعل مع طبيعة العصر المعاصر وسرعة التحولات والتجزئة السردية.
ويشير المؤلف إلى أن القصة القصيرة، بعد أن اكتسبت كثيرًا من سماتها في القرن العشرين من خلال المزج بين جذورها الحكائية والأسطورية والواقعية، وما فرضته الصحافة الحديثة من انطلاق اللغة وتحرير الأسلوب، وجدت في العقود الأولى من الألفية الثالثة فضاءً جديدًا، تمثل في إمكانات وسائل الاتصال الحديثة، وما أتاحته شبكة الإنترنت من فرص وتحديات، مؤديا إلى تحولات كبيرة على مستوى الرؤية والتشكيل الفني.
يقرأ الكتاب الجوانب المشرفة لمسيرة القصة الأردنية القصيرة، متجاوبا مع المستوى الفني والثقافي المتطور لهذا الجنس الأدبي، عبر قراءات شملت عشرات الأعمال منذ بدايات القصة في عشرينيات القرن الماضي وحتى الوقت الراهن.
في مقدمته، يشير عبيد الله إلى أن كتابه يمثل امتدادا لاهتمامه بالقصة القصيرة الأردنية ومتابعته لنصوصها على مدار سنوات، وهو جانب لم يظهر بوضوح في كتبه السابقة، مؤكّدا سعيه إلى تأريخ هذا الفن وقراءته بما يتناسب مع مستواه الفني والثقافي المتطوّر.
قسّم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام، تناول أولها "قضايا التجنيس، المرجع، المكان"، وركز على الظواهر الأساسية في النقد القصصي، بدءا من تعريف القصة القصيرة وحدودها ودورها في الأدب العربي المعاصر. ويشير إلى أن القصة فن عالمي، للعرب فيه إسهام قديم وحديث، نشأت متأثرة بالأشكال السردية القصيرة في التراث العربي، وبالصحف والمجلات التي ساهمت في نشرها، إضافة إلى تأثير الثقافة الأجنبية والطبقات الاجتماعية في تطوير نوع سردي عربي يمزج بين التراث والمعاصرة ويعكس قضايا الإنسان العربي وتطلعاته.
ورغم شيوع الرأي القائل إن العرب استعاروا فن القصة من الغرب، فإن رؤية المؤلف تنطلق من تقدير المنبع التراثي، مؤكدًا أن القصة فن إنساني عالمي لا ينتمي إلى الشرق أو الغرب وحدهما، وأن للعرب إسهامهم الرفيع فيه قديمًا وحديثًا، من دون إنكار التأثر الغربي.
ويشير المؤلف إلى أن القصة القصيرة العربية نشأت نتيجة عوامل رئيسية، أبرزها الأشكال السردية القصيرة في التراث العربي، ودور حركة نشر الكتب وتحقيق التراث في إعادة اكتشافها وتعريف المعاصرين بها، إلى جانب الصحف والمجلات التي رحبت بالقصة القصيرة لما توفره من متعة، وقدرتها على جذب القراء ومحاكاة الواقع ومعالجة مشكلات العصر الحديث.
وينوه عبيدالله إلى أثر الثقافة الأجنبية ودور الطبقتين البرجوازية والوسطى في الاستفادة من تطور القصة العالمية، ومحاولة اقتباس بعض سماتها لتأسيس نوع سردي عربي يمزج بين التراث والمعاصرة، ويعكس قضايا الإنسان العربي وتطلعاته.
القسم الأول تناول الأنواع الفرعية للقصة القصيرة في نماذج من القصة الأردنية، مشيرًا إلى أن اتساع هذا الجنس الأدبي يتجلّى في ظهور أنماط فرعية تعكس انفتاحه على التجريب وتعدد أشكاله. في فصل "معالم القصة القصيرة الأردنية"، سعى المؤلف إلى تقديم صورة تاريخية بانورامية لمسيرة هذا الفن، رصد خلالها أهم معالمه منذ بدايات القصة الأردنية في مطلع عشرينيات القرن الماضي وحتى يومنا الراهن.
ورغم ما قد يرافق مثل هذا العرض التاريخي من ملاحظات، يبقى ضروريًا للأجيال المعاصرة التي لم تعايش هذه المسيرة، ليكون دليلاً موجزًا يرشدها إلى أبرز محطاتها وعلاماتها الفارقة.
ويختتم القسم بفصل عن "المكان في القصة الأردنية"، ويرسم المؤلف صورة سردية لتحولات مدينة عمّان كما انعكست في نماذج متتابعة من القصة الأردنية، منذ كانت قرية في أوائل القرن الماضي حتى تحوّلت إلى واحدة من العواصم والمدن العربية الكبرى المتطورة.
أما القسم الثاني، فقد خُصّص لقراءة عدد من التجارب الرائدة في الكتابة القصصية، بدءًا من جيل الرواد الأوائل مثل يعقوب العودات (البدوي الملثّم) وحسني فريز، إلى جانب تجارب الأجيال اللاحقة في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي المرحلة التي شهدت صعود القصة القصيرة وازدهارها، وارتقاء مكانتها عبر الصحافة الأدبية ودعم المجلات الثقافية، مما أتاح لها تمثيل تحولات الحياة ورصد تفاصيل الواقع على امتداد عقود.
وتناول المؤلف تجارب كل من فخري قعوار، وجمال أبو حمدان، وصالح أبو أصبع، وعدي مدانات، ويوسف ضمرة، وسعود قبيلات.
أما القسم الثالث، فهو قسم حيوي يركّز على قراءة تجارب الأجيال الحديثة منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين حتى اليوم، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ إبداع القصة القصيرة وتلقّيها. وتختلف علاقة المؤلف بهذه المرحلة عما سبقها، إذ واكبها عن قرب، وتعرّف إلى أبرز كتّابها منذ بداياتهم، حين كانت نصوصهم تُنشر أولًا في الصحف والمجلات قبل أن تُجمع في كتب أو مجموعات قصصية. كما أسهم، ضمن حدود إمكاناته، في مقاربتها وقراءتها نقديًا على مدى أكثر من ثلاثة عقود، التي تبدو لمن عايشها كأنها وُلدت في الأمس القريب.
ويؤكد الكتاب، إلى جانب الدراسات النقدية الأخرى المعنية بالقصة القصيرة، استمرار مكانة هذا الفن، وقدرته على الاحتفاظ بحضور بارز بين الأجناس الأدبية والسردية، مستقطبًا كتّابًا وقراءً من مشارب واتجاهات متعددة يجدون فيه ضالتهم المعرفية والجمالية، بما يعكس تلاؤمه مع طبيعة العصر الراهن وسماته من سرعة وتفكك وتجزيء.
إذا كانت القصة القصيرة قد اكتسبت في القرن العشرين كثيرًا من ملامحها عبر المزج بين جذورها الحكائية والأسطورية والواقعية، وما فرضته الصحافة الحديثة من تحرّر لغوي وانفتاح أسلوبي، فقد وجدت في العقود الأولى من الألفية الثالثة فضاءً جديدًا تمثل في إمكانات وسائل الاتصال الحديثة، وما أتاحته شبكة "الإنترنت"، من فرص وتحديات أسهمت في تحولات عميقة على مستوى الرؤية والتشكيل الفني.
وخلص عبيدالله إلى أن القصة القصيرة الأردنية تمثّل فرعًا متميّزًا من القصة العربية، لم تتأخر في نشأتها المبكرة عن بدايات القصة العربية، ولم تتخلّف عن مسارات التطور والتنوّع في الأساليب والمذاهب طوال القرن العشرين. وما تزال حتى اليوم تسهم في رسم الصورة الكلّية لتطور القصة العربية، مقدّمة اقتراحات جمالية متعددة، ويظل للنقد والتاريخ الأدبي حقّ تقويمها والحكم عليها، بحسب ما تحقّقه من صمود وقدرة على التأثير.