الغد
عواصم - بعد أيام من الدراسة والتمحيص واستشارة كبار الخبراء تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اللحظة الأخيرة عن إصدار الأمر بشن ضربات جوية، ضد الحوثيين في اليمن.
ويرى محللون أنه رغم أن الاستعدادات العسكرية كانت قد قطعت شوطاً متقدماً، وكانت قوائم الأهداف قد أُقرت، وبدأت القوات في تحميل القنابل على الطائرات المخصصة للمهمة، قبل أن يتخذ ترامب قراراً بإرجاء الضربة.
ويبدو أن القرار يعكس حسابات أميركية معقدة بين الاستجابة لحليف رئيسي مثل السعودية، وبين تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن في وقت تنخرط فيه الولايات المتحدة بالفعل في مواجهة واسعة مع إيران. كما أن واشنطن تخشى أن تؤدي الضربات إلى دفع الحوثيين نحو تصعيد يستهدف حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما قد يحول التدخل الأميركي من محاولة لحماية حليف إلى أزمة إقليمية أوسع.
ووفق مسؤولان أميركيان ذكر موقع "أكسيوس" أن قائد القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، الأدميرال براد كوبر، أعدّ خيارات لشن غارات جوية في اليمن، وعرضها على وزير الدفاع بيت هيغسيث، السبت الماضي، في إطار مشاورات أجراها ترامب مع كبار مستشاريه بشأن احتمال التدخل عسكرياً.
وكان مسؤولون أميركيون أكدوا أن واشنطن لا تعتزم التدخل عسكرياً ما دام الحوثيون لا يعطلون حركة السفن غير السعودية في البحر الأحمر.
وكان دبلوماسيون أميركيون التقوا ممثلين عن الحوثيين، وتلقوا تأكيدات بعدم إغلاق مضيق باب المندب.
ما الاعتبارات التي ثنت ترامب على توجيه ضربات للحوثيين؟
أول تلك الاعتبارات، تحييد المصالح الأميركية والإسرائيلية المباشرة، إذ يرى ترامب أن واشنطن معنية أساسا بضمان عدم تعرض السفن الأميركية والإسرائيلية للهجمات الحوثية.
والثاني هو احتواء التصعيد بأقل تكلفة عسكرية ممكنة؛ لأن العودة إلى حملة عسكرية أميركية واسعة ضد الحوثيين قد تفتح جبهة إضافية وتزيد التهديد للمصالح الأميركية والإسرائيلية بدلا من إنهائه.
أما الاعتبار الثالث فهو محاولة فصل المصالح الأميركية والإسرائيلية عن بقية ساحات الصراع الإقليمي؛ أي حماية ما تعتبره واشنطن مصالح مباشرة من دون الاضطرار إلى الانخراط في مجمل الصراع اليمني والإقليمي.
ومن هنا تظهر المفارقة التي يضعها مركز المخا للدراسات الاستراتيجية في تقدير بعنوان "من تشبيك المضيقين إلى تفاهمات مسقط": تحولات الموقف الأميركي من أمن البحر الأحمر وتداعياتها على اليمن والإقليم" أن الحديث مع الحوثيين، لا يعني اعترافا قانونيا بهم، لكنه يكشف قدرة واشنطن على الفصل بين تصنيفها القانوني للجماعة وبين التعامل العملي معها عندما تصبح المصالح الأميركية المباشرة على المحك.
ومع ذلك، تظل هشاشة التفاهم واضحة؛ لأنها، بحسب التقدير، غير معلنة ولا تقوم على ضمانات مؤسسية واضحة. ولذلك لن يكون الاختبار الحقيقي هو مجرد انعقاد اللقاء في مسقط، وإنما قدرة الطرفين على الحفاظ على التفاهم عندما تتغير الظروف الإقليمية أو تتعارض مصالحهما مجددا.
فإذا كانت التفاهمات قادرة على تحييد السفن الأميركية والإسرائيلية عن الهجمات، بينما تظل السفن السعودية عرضة للتهديد، فإن ما يجري لا يمثل، وفق التقدير، استعادة لأمن الملاحة الدولية بمفهومه الجماعي، وإنما انتقالا إلى ما يسميه "الأمن الانتقائي".
وفي هذا النموذج لا تتمتع السفن بالحماية لأنها تبحر في ممر دولي يفترض أن يخضع لقواعد واحدة، وإنما تختلف درجة أمنها باختلاف هويتها والتفاهمات السياسية المتعلقة بها.
ويرى التقدير أن استمرار هذا الوضع يمكن أن يقود إلى نشوء نظام ملاحي مجزأ ومضطرب في البحر الأحمر، تتعايش داخله ترتيبات أمنية متعددة بدلا من منظومة واحدة لحماية الملاحة.
ولا تظل آثار ذلك محصورة في السياسة والأمن. فالتقدير يستشهد بتحذيرات أممية من أن التطورات حول باب المندب تضيف مخاطر جديدة إلى أسواق الطاقة والنقل في وقت يشهد فيه هرمز اضطرابا أيضا. كما يشير إلى إحاطة المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن في 11 الشهر الحالي بشأن اشتداد القتال على جبهات عدة، وخصوصا الساحل الغربي، ودعوته الحوثيين إلى وقف الهجمات داخل اليمن وعبر الحدود السعودية وضد السفن التجارية. ويشير كذلك إلى ارتفاع خام برنت إلى نحو 105 دولارات للبرميل بعد السيطرة على المخا وجزر البحر الأحمر.
ويذهب التقدير إلى أن ذلك قد يتحول إلى عامل إضافي في إطالة الصراع المسلح بدلا من إنهائه وفق المرجعيات الدولية التي يستند إليها، ومنها قرار مجلس الأمن 2216.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل التفاهمات
في السيناريو الأول، تستمر قناة الاتصال الأميركية-الحوثية وتبقى التفاهمات محدودة بعدم استهداف السفن الأميركية والإسرائيلية، بينما يستمر الضغط الحوثي على السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.
وفي هذه الحالة تنتقل واشنطن، وفق التقدير، من المواجهة المباشرة إلى إدارة انتقائية للمخاطر؛ فتحمي مصالحها الأساسية من دون الانخراط المباشر في الصراع. لكن البحر الأحمر سيظل هشا، لأن جذور النزاع باقية، ولأن تحييد طرف من الاستهداف لا يمنع انتقال الخطر إلى أطراف أخرى.
أما السيناريو الثاني، فهو توسع تفاهمات مسقط لتصبح ترتيبات أوسع تتعلق بحرية الملاحة ووقف استهداف السفن التجارية، وربما تمتد إلى قضايا مرتبطة بالساحل اليمني والجزر في البحر الأحمر وخليج عدن.
وهنا يمكن لمسقط، بحسب التقدير، أن تصبح قناة لفتح تفاهم أوسع، لكن نجاحه يظل مرهونا بإمكان فصل الملف البحري عن تعقيدات الصراعين اليمني والإقليمي.
ويتمثل السيناريو الثالث في انهيار التفاهمات والعودة إلى التصعيد. ويمكن أن يحدث ذلك إذا تغيرت المعادلة الإقليمية، أو توسعت الهجمات الحوثية، أو تعرضت سفن أو مصالح أميركية لهجمات، أو ازداد استخدام باب المندب في معادلة الضغط المرتبطة بهرمز.
وعندئذ قد تعود واشنطن إلى الردع العسكري، بينما يؤدي اتساع المواجهة إلى مزيد من عسكرة البحر الأحمر وارتفاع المخاطر على التجارة والطاقة.
ولهذا ينتهي تقدير الموقف إلى أن أمن البحر الأحمر لا يمكن أن يدار بمعزل عن الحرب اليمنية؛ لأن أي تفاهم ينجح في تحييد خطر بحري بصورة مؤقتة قد يخفض تكلفة التصعيد بالنسبة إلى بعض الأطراف، لكنه لا يعالج مصادر النزاع التي أنتجت ذلك الخطر في الأصل.-(وكالات)