عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Mar-2026

ترامب تحت مجهر لغة الجسد.. ماذا تكشف الإيماءات ونبرة الصوت؟

 الغد-رشا كناكرية

 خطاب تلو الآخر، هذا ما نشهده اليوم عبر شاشات التلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي. ومع كل خطاب سياسي جديد تتعدد التحليلات التي تحاول قراءة ما وراء الكلمات، وما تحمله نبرة الصوت وحركات الجسد من رسائل وإشارات.
 
 
في الخطابات السياسية عادة؛ لا تقتصر الرسالة على الكلمات وحدها؛ إذ تؤدي الصورة ونبرة الصوت وتعابير الوجه دورا أساسيا في نقل المعنى الذي يسعى القادة إلى إيصاله للجمهور، لتغدو لغة الجسد أداة مؤثرة تعزز حضورهم وتمنحهم القدرة على إظهار القوة والسيطرة.
ومع التوترات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، يخرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخطاب سياسي جديد، ومع كل خطاب يلقيه يثير أسلوب الإلقاء وطبيعة تصريحاته المتنقلة تساؤلات عديدة بين ما يقوله وما تظهره حركاته ونبرة صوته وإيماءاته.
خبراء في لغة الجسد وعلم النفس يرون أن قراءة الإشارات غير المحكية قد تكشف أحيانا عن مكنونات النفس وما يحاول المتحدث إيصالها إلى المتلقي حول العالم.
أبرز إشارات لغة الجسد 
خبيرة لغة الجسد ومدربة مهارات التواصل وتحليل السلوك منال النسور بينت في تحليلها للغة جسد ترامب في المؤتمر الصحفي الأخير، أن ترامب غالبا ما يظهر بصوت مرتفع ومتقن النبرة، مع حركات يد واسعة ومتكررة، كما لو كان يحاول التأكيد على كل نقطة يقولها، حتى مع الانتقال السريع بين المواضيع، وتعابير وجه تتراوح بين الجدية ورفع الحاجبين، مرورا بابتسامة خفيفة أو سخرية طفيفة في لحظات معينة.
وتوضح أن جميع هذه الإيماءات لا تبدو عفوية، بل جزء من أسلوبه في تقديم الخطاب، حيث يخلق حضورا قويا، لكنه قد يجعل من الصعب على المتلقي فهم الرسالة الأساسية بدقة.
ومن حيث التناغم بين لغة الجسد ومضمون الخطاب، بينت النسور أنه في بعض اللحظات الحاسمة تتزامن حركات اليدين مع الكلام، مما يعطي إحساسا بالقوة والسيطرة.
ولكن غالبا ما يظهر تباين بين الكلام ولغة الجسد، فبينما ينتقل سريعا بين المواضيع تبقى النبرة عالية والحركة مستمرة، ما قد يترك المتلقي متشتتا أو غير قادر على تحديد الفكرة الرئيسية بسهولة.
وتبين أن هذا الأسلوب يعكس محاولة فرض السيطرة على المشهد، حتى لو كانت الرسالة الأساسية غير واضحة تماما.
لغة الجسد وكشف "الأنا" والمشاعر الداخلية
وتوضح النسور أنه من خلال طريقة الوقوف، رفع الذقن، وحركة اليدين المتكررة، نلاحظ أن لغة جسده تعكس حضورا قويا لـ"الأنا" السياسية؛ فهو دائما يسعى ليبدو واثقا ومسيطرا.
وفي الوقت نفسه، بعض التعابير، مثل السخرية الخفيفة أو الانتقال السريع بين الموضوعات، تشير إلى محاولة تغطية لحظات من التوتر أو الانفعال الداخلي، فهذه الإشارات لا تعكس ضعفا بالضرورة، لكنها تضيف طبقة من التعقيد تجعل فهم الخطاب أكثر تحديا.
توظيف لغة الجسد للتأثير على الجمهور
وتشير النسور الى أن ترامب يعتمد على الأداء الجسدي الكامل "الصوت، الإيماءات، وتعبيرات الوجه" ليحافظ على اهتمام الجمهور واستجابته.
وهذا الأسلوب يجعل الخطاب مثيرا ومشوقا، لكنه قد يخلق بعض التناقضات بين الرسالة التي يريد إيصالها والأداء المثير الذي يقدمه، مما يصعّب على بعض المتلقين فهم ما يريد قوله بوضوح.
وتشير النسور إلى أن لغة جسد ترامب جزء أساسي من رسالته السياسية، فالصوت العالي وحركات اليدين القوية تعطي إحساسًا بالسيطرة، لكنها في الوقت نفسه تظهر تناقضات تجعل فهم الرسالة الأساسية أصعب على المتلقي.
وبدورها بينت الاختصاصية النفسية ملك الساريسي، أنه من منظور علم النفس الاجتماعي، يعد التواصل غير اللفظي أحد أهم عناصر التأثير في الخطاب العام، ويشمل هذا النوع من التواصل حركات الجسد، والإيماءات، وتعابير الوجه، ونبرة الصوت، ووضعية الجسد أثناء الحديث.
وتشير دراسات عديدة في علم التواصل إلى أن جزءا كبيرا من الرسائل التي يتلقاها الجمهور لا يأتي من الكلمات نفسها، بل من الإشارات غير اللفظية المصاحبة لها. 
وتذكر أن أبحاث عالم النفس الأميركي Albert Mehrabian أظهرت أن المتلقين يميلون إلى الاعتماد بدرجة كبيرة على نبرة الصوت وتعابير الوجه عند تفسير الرسائل، خاصة عندما يوجد تناقض بين ما يقال لفظيا وما توحي به لغة الجسد.
وتلفت الساريسي الى أنه غالبا ما يكون التواصل غير اللفظي تلقائيا وغير مقصود، لذلك يرى بعض الباحثين أنه قد يكشف عن مشاعر أو مواقف لا يصرح بها المتحدث مباشرة. 
مؤشرات على التوتر أو الانفعال
وتنوه أن ارتفاع نبرة الصوت قد يعكس الحماس أو الغضب، بينما قد تعكس النبرة المنخفضة والرتيبة حالة من الفتور أو انخفاض الطاقة، كما أن التغيّر السريع في طبقات الصوت قد يكون مؤشراً على التوتر أو الانفعال.
كما قد يرتبط الانتقال السريع بين المواضيع أو استخدام ما يُعرف بـ الحشو الصوتي مثل "همم" أو "آه" بمحاولة المتحدث إدارة التوتر أو كسب وقت للتفكير أثناء الحديث، بحسب الساريسي.
وتوضح، لكن هذا لا يعني أنه يجب علينا استخدام التفسير الحرفي لحركات الجسد، فضم اليدين مثلاً لا يعني دائماً التحفظ أو الدفاعية، كما أن تجنب التواصل البصري لا يعد دليلاً قاطعاً على الكذب، فالسلوك غير اللفظي يتأثر بالسياق الثقافي والاجتماعي، إذ قد تحمل الإيماءة نفسها معاني مختلفة بين ثقافة وأخرى.
وتبين الساريسي أنه في الخطاب السياسي تحديداً، لا يقتصر التأثير على الكلمات أو الإيماءات فحسب، بل يشمل عناصر متعددة مثل المظهر العام، واللباس، وطريقة الوقوف، وحتى نوع الخطاب المستخدم، سواء كان خطاباً رسمياً معداً مسبقاً أو خطاباً عفوياً، و يدرك القادة هذه العناصر جيداً ويستخدمونها ضمن استراتيجية تواصل تهدف إلى الإقناع وكسب التأييد.
طبقات الخطاب للسياسيين 
وتوضح الساريسي أنه لفهم خطاب السياسيين ينبغي إدراك طبقات الخطاب، فهي تبدأ بالتركيز على الهدف الذي يحاول السياسي إيصاله سواء كان معلنا أو غير معلن، صحيح أو كاذب.
ثم تنتقل إلى طبقة أخرى تتمثل باستخدام اللغة والمفردات حيث يتم التلاعب بها وتوظيفها وتكرارها للتأثير على مشاعر المتلقين ونقل سردية معيّنة، مثل تكرار استخدام مصطلح "المهاجرين غير الشرعيين" لإخفاء النظرة العنصرية وعدم تقبل الآخر.
وتأتي طبقة التلميح، حيث يلمح الشخص عن قوة بلاده وامتلاكها أحدث الأسلحة ليفهم المستمع أن هذه دولة عظمى ذات تأثير رادع والمتلقي يشعر أنه فهم الفكرة.
وتذكر أن هناك أيضا طبقة رسم السياق؛ بحيث يعطي السياسي سياقاً معيناً لحديثه ليبدو أكثر منطقية، ثم طبقة المنطق، ويستخدم المنطق كطريقة في الإقناع، مقدمات معينة ليصل لنتيجة معينة مثل شيطنة فئة معينة لتبرير ارتكاب الجرائم بحقها.
التشتت أو الاستعراض الخطابي
وتؤكد الساريسي أن تحليل خطاب أي قائد لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق السياسي والتاريخ الخطابي للمتحدث، فالقادة عادة ما يطورون اسلوبا خاصا في الإلقاء يصبح جزءاً من صورتهم العامة.
وفي حالة الرئيس الأميركي ترامب، يشير بعض المراقبين إلى أن أسلوبه الخطابي يتسم بالعفوية والانتقال السريع بين المواضيع، وهو أسلوب قد يعطي لدى مؤيديه انطباعاً بالثقة والجرأة، بينما قد يفسره منتقدوه على أنه نوع من التشتت أو الاستعراض الخطابي. وفق الساريسي
وتقول: في علم النفس السلوكي، قد تفسر بعض إشارات لغة الجسد باعتبارها تعبيرا عن محاولة فرض الحضور أو الهيمنة مثل الوقوف بثبات، وتوسيع مساحة الحركة على المنصة، أو النظر من أعلى إلى الأسفل أثناء الحديث، و عقد الحاجبين أو تثبيت النظرة لفترة طويلة قد يستخدم لإيصال رسالة جدية أو حزم.
وتشير أبحاث في علم النفس السياسي إلى أن القادة يميلون في أوقات التوتر أو الأزمات إلى استخدام لغة جسد أكثر قوة وصلابة، بهدف تعزيز صورة القيادة والسيطرة على الموقف. 
وفي المقابل، قد تظهر مؤشرات توتر مثل تسارع الكلام أو كثرة الإيماءات عندما يكون المتحدث تحت ضغط سياسي أو إعلامي.
وتضيف، يؤدي توقيت الخطاب دوراً مهماً في تفسيره، إذ قد يأتي في سياق محاولة بناء سردية سياسية أو تهيئة الرأي العام لقرارات قادمة، ما يدفع القادة إلى استخدام لغة خطابية قوية وإشارات جسدية توحي بالحزم والقدرة على القيادة.
لغة الجسد المرتبطة بالسلطة 
وتلفت الساريسي إلى أن دراسات علم النفس الاجتماعي تشير إلى أن الجمهور لا يستقبل الخطابات السياسية بشكل محايد، بل يفسرها في ضوء مواقفه المسبقة وانطباعاته عن المتحدث، ومع تكرار ظهور قائد معين واستخدامه لأساليب خطابية محددة، يبدأ الجمهور في تكوين صورة ذهنية عنه. 
وتوضح أبحاث في علم النفس السياسي أن لغة الجسد المرتبطة بالسلطة يمكن أن تؤثر في إدراك الجمهور للقائد، فقد بيّنت دراسات أجرتها الباحثة في علم النفس الاجتماعي Amy Cuddy أن وضعيات الجسد المرتبطة بالقوة والثقة يمكن أن تعزز لدى المتلقي الشعور بقدرة المتحدث على القيادة، حتى قبل تحليل مضمون كلامه.
لكن تأثير الخطاب يختلف باختلاف الجمهور، فالمؤيدون قد يرون في لغة الجسد القوية دليلاً على الحزم والقيادة، بينما قد يراها المعارضون تعبيراً عن مبالغة أو استعراض للقوة. 
وبحسب الساريسي فإن الخطابات التي تتضمن لغة تهديد أو استعراض للقوة قد تثير لدى بعض الجمهور شعوراً بالأمان، بينما قد تثير لدى آخرين مشاعر القلق أو الخوف.
وتنوه أنه في بعض الأحيان، قد يلجأ القادة إلى المبالغة في تصوير قوة دولتهم أو ضعف خصومهم كجزء من استراتيجية خطابية تهدف إلى رفع المعنويات أو التأثير في الرأي العام، إلا أن تكرار هذا الأسلوب دون أن تدعمه الوقائع قد يؤدي مع الوقت إلى تراجع المصداقية.
وتؤكد الساريسي أن فهم الخطابات السياسية يتطلب قراءة نقدية لا تقتصر على الكلمات أو الإشارات الجسدية فقط، بل تمتد إلى تحليل السياق السياسي، ومراجعة السلوك المتكرر للقائد، والتحقق من مدى واقعية الرسائل والوعود التي يتضمنها الخطاب.
 إثارة عدة مشاعر لدى الجمهور في وقت واحد
الاستشاري النفسي والمحاضر الدولي المعتمد يزيد موسى، يبين انه من منظور علم النفس السياسي، فإن طريقة ظهور القادة أثناء الخطابات ليست مجرد أسلوب بل انعكاس لحالة ذهنية واستراتيجية تواصل في الوقت نفسه، نبرة الصوت، سرعة الكلام، وطريقة الانتقال بين المواضيع. وجميعها تعطي مؤشرات عن مستوى الثقة، السيطرة المعرفية، وحتى مستوى الضغط النفسي الذي يعيشه المتحدث.
وتبين أن القائد الذي يتحدث بنبرة ثابتة وإيقاع متوازن غالبا يعطي انطباعا بالاستقرار والقدرة على التحكم بالموقف، بينما الانتقال السريع أو غير المنظم بين المواضيع قد يشير احيانا إلى محاولة إثارة عدة مشاعر لدى الجمهور في وقت واحد، مثل الحماس أو القلق أو الإحساس بالخطر. 
ويذكر موسى أنه في علم النفس السياسي ينظر إلى هذه العناصر كأدوات تأثير، حيث لا يبنى الخطاب فقط على المضمون، بل أيضا على الطريقة التي يقدم بها، لأن الدماغ البشري يستقبل الإشارات العاطفية وغير اللفظية أحيانًا قبل أن يحلل الكلمات نفسها.
وفي التحليل النفسي للسلوك القيادي، من الممكن أن تعكس بعض مظاهر الأداء أثناء الخطاب مزيجًا من الدوافع النفسية، مثل الرغبة في فرض الحضور أو السيطرة على المشهد.
بعض القادة يميلون إلى استخدام إيماءات قوية، وتغيير نبرة الصوت، والانتقال السريع بين الأفكار لإبقاء الجمهور في حالة انتباه مستمر، وهو أسلوب يستخدم أحيانًا لتعزيز صورة القوة والهيمنة الرمزية. بحسب موسى
التوتر المرتبط بضغط اللحظة السياسية
وفي الوقت نفسه، قد يرى بعض الخبراء أن كثافة الإيماءات أو التفاعل المبالغ فيه قد تعكس مستوى مرتفعًا من الإثارة النفسية أو التوتر المرتبط بضغط اللحظة السياسية. 
ويؤكد موسى أن تحليل لغة الجسد لا يمكن أن يعطي تشخيصا نفسيا دقيقًا، بل يقدم مؤشرات عامة تساعد على فهم الأسلوب الاتصالي للشخصية القيادية وطريقة إدارتها للجمهور والرسائل السياسية.
ووفق ما يقول موسى، فإن الحالة النفسية للمتحدث تلعب دورا كبيرا في كيفية استقبال الجمهور للرسالة، لأن التواصل البشري يعتمد بشكل كبير على الإشارات غير اللفظية مثل نبرة الصوت وتعابير الوجه والإيقاع الحركي للجسد.
ويوضح أنه عندما يشعر الجمهور بأن المتحدث واثق ومتماسك نفسيًا، يميل الناس إلى تفسير الرسالة على أنها أكثر مصداقية وقوة، حتى لو لم يتغير محتوى الكلام.
بالمقابل، إذا ظهرت علامات ارتباك أو توتر واضح، فقد يبدأ الجمهور لا شعوريا في التشكيك في الرسالة أو التركيز على الأداء بدل الفكرة نفسها. 
وفي ختام حديثه يبين موسى أن علم النفس الاجتماعي يوضح أن الجمهور لا يستمع فقط للكلمات، بل "يقرأ" الحالة العاطفية للمتحدث. ولهذا؛ فإن الخطابات السياسية الناجحة غالبا تصمم بحيث تخلق انسجامًا بين الكلمات والحضور النفسي للمتحدث، لأن هذا الانسجام يعزز التأثير العاطفي ويزيد من قدرة الرسالة على الإقناع.