عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Mar-2026

"المناعة النفسية المجتمعية".. قوة داخلية وسط الاضطرابات والتوترات الإقليمية

 الغد-تغريد السعايدة

 وسط دوامة الأحداث، يبقى الإنسان دوما يبحث عن ركن الأمان في حياته، الذي يمنحه شعور الهدوء والسكينة والمحافظة على إيقاع يومه الهادئ، ليكون شعور الأمان هو صمام الحياة الذي تسعى العائلات في ظل الظروف الراهنة إلى توفيره لأفرادها على اختلاف أعمارهم.
 
 
كثيرة هي الدراسات النفسية والتربوية التي تناولت الحديث عن الأمان، ومن أين يتولد وكيف للإنسان أن يشعر بذلك دوما، خصوصا في ظل أي حدث طارئ يمكن أن يمر به، وبناء عليه قد تتغير تفاصيل الحياة اليومية، ككسر ذلك الروتين اليومي "المحبب".
"قد يكون الإيمان واليقين بأن كل ما يحدث هو من تدابير الله، هو أكثر ما يجعل الإنسان يشعر بالأمان"؛ هكذا يقول خالد مقابلة، الذي يضيف بقوله: "لدينا إيمان أن كل أمرنا هو بيد الله، لذلك علينا أن نعقل ونتوكل، وأن يظهر ذلك اليقين في الظروف الطارئة التي يمر بها العالم في كل يوم".
وليس فقط على المستوى الإقليمي بل في كل تفاصيل اليوم، تقول إسلام زيود، حيث يتمثل ذلك بأن نتفائل دوما ونتوقع الفضل والخير، وهذا من باب حسن الظن بالله، وعلى الإنسان أن يبني توقعاته دون مبالغة وخوف وانتظار لما هو أسوأ، لأن ذلك لا يؤثر عليه فقط، بل على المحيطين من حوله، وبخاصة الأم والأب ومدى تأثيرهما على الأبناء.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، فإن الشعور بالأمان هو المطلب الأساسي الآن، ومن الجيد أن هناك شعورا "سائدا" في المجتمع الأردني بشكل عام بالأمان، وانتظار نهاية تلك الظروف دون أن يكون لها تبعات أمنية، وأن تنتهي بأقل الخسائر على مختلف الصعد، على الرغم من أن لكل هذه النزاعات الإقليمية تبعاتها السياسية والاقتصادية والأمنية بشكل عام، والاجتماعية والنفسية.
 القدرة على التكيف مع الأزمات
وهنا يقول الاختصاصي في العلاج النفسي وعلاج الإدمان الدكتور عبد الله أبو دنون: إن الشعور بالأمان في الظروف الصعبة لا ينتج عن عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية، مثل الخبرة التاريخية للمجتمع، والقدرة على التكيف مع الأزمات، والثقة بالمؤسسات.
أيضا؛ الروتين الاجتماعي الذي توفره المناسبات مثل شهر رمضان في هذه الفترة تحديدا، فهذه العناصر مجتمعة تسهم في بناء ما يمكن تسميته "المناعة النفسية المجتمعية"، التي تساعد الناس على الاستمرار في حياتهم رغم التحديات.
يوضح أبو دنون أن شعور الأمان من الناحية النفسية لا يعني فقط غياب الخطر الحقيقي، بل هو حالة نفسية يشعر فيها الإنسان بأن الخطر غير وشيك، وأنه قادر إلى حد ما على التنبؤ بما قد يحدث في المستقبل القريب، مع إحساس نسبي بالقدرة على السيطرة على حياته.
كما يشير إلى، أن الدماغ البشري يفسر الخطر بناء على ثلاثة عناصر أساسية، وهي "المعلومات المتاحة والخبرة السابقة، وطريقة تفسير الدماغ لهذه المعطيات"، لذلك قد يعيش أشخاص في البيئة نفسها لكن بدرجات مختلفة من القلق أو الطمأنينة.
ويبين أبو دنون، أن شعور كثير من الناس في الأردن والمنطقة بنوع من الطمأنينة رغم التوترات الإقليمية يعود إلى عدة عوامل نفسية، من أبرزها الذاكرة الجماعية للمجتمع، فالمجتمعات تبني مع مرور الزمن خبرة مشتركة من خلال الأحداث التي مرت بها، وقد شهد الأردنيون على مدى عقود أزمات إقليمية عديدة وتوترات سياسية وأزمات اقتصادية.
آلية التكيف النفسي
لكن الحياة اليومية داخل الأردن بقيت في معظم الأحيان مستقرة نسبيا، وهذه الخبرة المتراكمة تجعل الدماغ يكون قاعدة ضمنية مفادها أن الأحداث الكبيرة المحيطة غالبا لا تتحول إلى تهديد مباشر للحياة اليومية، وهو ما يقلل مستوى القلق الجماعي، كما أن هناك ما يعرف بـ"آلية التكيف النفسي"، والتي يمتلك الإنسان قدرة كبيرة على التكيف مع التوتر المستمر.
ووفق أبو دنون، فإن الإنسان عندما يتعرض لفترة طويلة لأخبار الأزمات دون أن يواجه خطرا مباشرا، يحدث ما يعرف بالتعود النفسي، حيث يقل تفاعل الدماغ مع الأخبار المقلقة لأنها أصبحت مألوفة.
 لذلك نلاحظ أنه في بداية أي أزمة يرتفع مستوى القلق لدى الناس، لكن مع مرور الوقت يعود كثير منهم إلى ممارسة حياتهم الطبيعية.
ومن خلال تعليقها على أحد المنشورات التي تتعلق ببث الأخبار، تقول سناء خيرالله إن بعض الأخبار فيها نوع من المبالغة والتهويل والتشكيك في القدرة على تجاوز هذه المحنة التي تتعرض لها عدة دول عربية، وهذا الأسلوب من شأنه أن يؤثر على الوضع النفسي للعائلات، التي يجب أن تواجه ذلك بدحض تلك الأخبار وتطمين الأهل والأبناء بشكل مستمر.
ويتمثل ذلك بالحديث عن قوة بلادنا وقيادتنا وجيشنا، والشعب الذي مرت عليه ظروف مشابهة، وتجاوزها المواطنون، وتطورت بعدها البلاد، وهذا ما تراه سناء مناسبا في هذه الفترة، إذ إن هناك أجيالا متتالية لم تشعر ولم تسمع بأخبار الحروب من قبل، وهي بحاجة إلى "الأمان النفسي".
 المناعة المجتمعية ضد السلوكيات المبالغ بها
الخبيرة في علم الاجتماع الدكتورة فاديا إبراهيم تشير إلى أنه يمكن فهم شعور الأمان الذي يعيشه كثير من الناس في الأردن من الناحية الاجتماعية من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة، والتي يمكن تسميتها بـ"الثقة المتراكمة بين المجتمع والدولة".
وهذا يعني أن المجتمع الأردني اعتاد عبر عقود طويلة على مستوى من الاستقرار الأمني مقارنة بعدد من دول المنطقة التي شهدت حروبا مباشرة أو نزاعات داخلية، وهذا أسهم في تكوين ذاكرة جماعية لدى الناس تعزز شعورهم بأن البلاد قادرة على تجاوز الأزمات الإقليمية دون أن تتحول إلى تهديد مباشر للحياة اليومية.
وتنوه إبراهيم أن الخبرة التاريخية للأردنيين مع أزمات المنطقة تشكل عاملا مهما في تفسير هذا الشعور، فعلى الرغم من توالي الحروب والصراعات في الإقليم، استطاع الأردن في كثير من الأحيان الحفاظ على استقراره الداخلي والابتعاد عن الفوضى الأمنية، وهذه التجارب المتكررة رسخت لدى المجتمع قناعة بأن ما يجري حوله قد يكون مصدر قلق، لكنه ليس بالضرورة مقدمة لخطر مباشر داخل البلاد، الأمر الذي أسهم في تكوين نوع من المناعة المجتمعية ضد الذعر الجماعي أو السلوكيات المبالغ فيها مثل التهافت على تخزين المواد.
وتلفت إلى أن طبيعة البنية الاجتماعية في الأردن تعد أيضا من العوامل التي تعزز الشعور بالأمان، من خلال شبكات تضامن عائلية ومجتمعية قوية، تؤدي فيها العائلة الممتدة والروابط الاجتماعية دورا أساسيا في دعم الأفراد نفسيا واجتماعيا، وعندما يشعر الفرد بأنه جزء من مجتمع متماسك يحيط به ويدعمه، تقل احتمالات شعوره بالعزلة أو الخوف المفرط، ويصبح التعامل مع الأزمات أكثر هدوءا وتوازنا.
 عناصر تعزز شعور الاستقرار لدى الإنسان
وهذا أيضا يتماشى مع ما يشير إليه أبو دنون، بوجود عامل نفسي آخر يتمثل في إحساس السيطرة، فحتى عندما لا يمتلك الإنسان سيطرة حقيقية على الأحداث السياسية أو العسكرية، فإن الدماغ يميل إلى إيجاد شعور نسبي بالقدرة على التحكم، يظهر في عبارات شائعة بين الناس مثل "الأمور تحت السيطرة"، أو "الدولة لن تسمح بحدوث فوضى"، أو "تمر الأمور بسلام"، وهذه تمنح الدماغ إحساسا بوجود نظام يحميه، وهو ما يسهم في تخفيف القلق.
ويؤكد أن الثقة بالمؤسسات تعد من أهم مصادر الأمان النفسي في أي مجتمع، فعندما يثق الناس بقدرة الدولة ومؤسساتها، مثل الجيش والأجهزة الأمنية، على الحفاظ على الاستقرار، ينخفض مستوى الخوف حتى في ظل الأزمات الإقليمية، ويعد هذا العامل من النقاط الأساسية التي يدرسها علم النفس السياسي عند تحليل استجابة المجتمعات للأزمات.
ومن العوامل المؤثرة كذلك الدين والإيمان، حيث يؤديان دورا مهما في تنظيم القلق في المجتمعات العربية، فمفاهيم مثل التوكل على الله، والإيمان بالقدر، تساعد الإنسان على تفسير الأحداث ضمن إطار معنوي يمنحه الطمأنينة، ويسهم في تقليل اضطرابات القلق خلال الأزمات، وفق أبو دنون.
ويلفت أبو دنون أيضا إلى أن شهر رمضان يشكل عاملا نفسيا مهدئا في هذه الفترة، فالأجواء الروحية وزيادة الترابط الاجتماعي، والالتزام بروتين يومي واضح مثل الإفطار وصلاة التراويح، كلها عناصر تعزز شعور الاستقرار لدى الإنسان، لأن الروتين الاجتماعي والروحي يعطي الدماغ إحساسا بالانتظام والأمان.
 الابتعاد عن المبالغة بالقلق أو نشر الذعر  
فيما تؤكد إبراهيم على الوعي المجتمعي الذي تشكل عبر السنوات نتيجة تكرار الأزمات الإقليمية، فقد تعلم كثير من الناس مع مرور الوقت أن المبالغة في القلق أو نشر الذعر لا يغير الواقع، بل قد يزيد من حالة التوتر العام، لذا يميل العديد من المواطنين إلى التعامل مع الأخبار بحذر، مع الحرص على الحفاظ على نمط حياتهم الطبيعي، خاصة في شهر رمضان الذي يحمل بطبيعته أجواء روحانية واجتماعية تعزز التماسك بين الناس.
وفي علم النفس، هناك ما يعرف بـ"التحيز التفاؤلي"، وهو ميل طبيعي لدى الإنسان للاعتقاد بأن الأمور السيئة تحدث للآخرين أكثر مما تحدث له شخصيا، كما بيّن أبو دنون، ورغم أن هذا التحيز قد يبدو غير واقعي أحيانا، إلا أنه يؤدي وظيفة نفسية مهمة تساعد الإنسان على تجنب القلق المزمن والاستمرار في حياته الطبيعية، على الرغم من أن الضغوط الاقتصادية من الممكن أن تؤدي إلى الشعور بالتهديد.
وفي الختام، بيّنت إبراهيم أن شعور الأمان في المجتمع الأردني ليس حالة عابرة، بل هو نتيجة تراكم تاريخي من الاستقرار النسبي، والثقة بالمؤسسات والتماسك الاجتماعي، إلى جانب خبرة طويلة في التعايش مع محيط إقليمي مضطرب دون الانجرار إلى حالة خوف جماعي، وأيضا تقديم رسالة ضمنية تعكس قدرة المجتمع المتماسك والواعي على مواجهة القلق بالأمل والظروف الصعبة بالثبات.