الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
هيلين طومسون، جون غويدا* - (نيويورك تايمز) 28/1/2026
ما هي القوى التي تنخرط في تشكيل السياسة العالمية؟ في العام 2026، يبدو أن ما يُسمّى بـ"النظام الدولي القائم على القواعد" يتفكك فجأة.
لكنّ هيلين طومسون، أستاذة الاقتصاد السياسي في جامعة كامبردج، ومؤلفة كتابها الأحدث "الاضطراب: أزمنة عصيبة في القرن الحادي والعشرين"، ترى أن العالم كان فوضويًا وبلا نظام قبل وقت طويل من وصول الرئيس ترامب إلى المكتب البيضاوي في العام 2016.
وقد ازدادت تلك الفوضى حدّةً منذ ذلك الحين فحسب. في مقابلة مكتوبة نُشرت على الإنترنت مع جون غويدا، محرر قسم الرأي في صحيفة "نيويورك تايمز"، تأملت السيدة طومسون في القوى التي تُشكِّل السياسة العالمية اليوم -وفي المستقبل. وفي ما يلي نص الحوار.
* * *
جون غويدا: حمل كتابك الصادر في العام 2022 عنوان "الاضطراب". وقد جادلتِ فيه بأن العالم كان يشهد تحوّلات عميقة في السياسة العالمية -بل إنه كان حتى قبل العام 2016 عندما دخل الرئيس ترامب المكتب البيضاوي للمرة الأولى. هل يمكنكِ أن تشرحي الأسباب؟
هيلين طومسون: أعتقد أن العام 2005 كان، من نواح كثيرة، مفصليًا. بحلول 2005، كانت هناك مجموعة من المشكلات الواضحة التي تُنذر بما نشهده اليوم. على الصعيد الجيوسياسي، برزت الانقسامات العميقة داخل "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) بشأن حرب العراق، حيث انحازت فرنسا وألمانيا فعليًا إلى جانب روسيا. وفي داخل الولايات المتحدة، كان هناك، منذ ذلك الوقت، ضغطٌ عابر للحزبين في مجلس الشيوخ باتجاه تبنّي سياسة تجارية أكثر تصادمية مع الصين.
ثم، كانت هناك تحت السطح مشكلات عميقة في مجال الطاقة. في ذلك العام، 2005، شهد إنتاج النفط حالة من الجمود في وقت كان يشهد تسارعًا في الطلب الآسيوي، وخاصة من الصين. وفي داخل أوروبا تجلّى ذلك بوضوح في قرار ألمانيا بناء خط أنابيب "نورد ستريم" الأول، بعد أن خلص الساسة الألمان إلى أن أوكرانيا هي شريك عبور غير موثوق، وأنهم سيُقدّمون مصالح الطاقة الألمانية على أمن أوكرانيا.
وجاءت أحداث العام 2008 لتفاقِم هذه المشكلات -الظاهرة منها والخفية- بدءًا من الانهيار المالي، وصولًا إلى الفيتو الفرنسي والألماني على انضمام أوكرانيا وجورجيا إلى "حلف شمال الأطلسي".
أحد الآثار المنهجية للأزمة الاقتصادية في العام 2008 كان حدوث تباعد اقتصادي بين الولايات المتحدة وأوروبا، وهو تباعدٌ تفاقم لاحقًا بفعل طفرة النفط الصخري في الولايات المتحدة. كما شهدت تلك الفترة زيادة حادّة في التوترات بين الولايات المتحدة والصين. في العام 2010، كانت الطبقة السياسية الأميركية قد أُصيبت مُسبقًا بحالة من القلق الشديد بسبب ما اعتُبر حظرًا صينيًا على تصدير العناصر الأرضية النادرة إلى اليابان، بالإضافة إلى بعض القيود الجديدة على الصادرات. ويمكنني أن أُؤرّخ التحوّل البنيوي في العلاقات الأميركية-الصينية بتلك السنوات تحديدًا: ردّ الصين على الأزمة المالية للعام 2008، وردّ الولايات المتحدة على الـ"فزع" المتعلق بالعناصر الأرضية النادرة.
غويدا: دعينا نربط ذلك بالجيوسياسة الراهنة. إلى أي مدى تأخذين على محمل الجد السيل الخطابي الذي شهدناه الأسبوع الماضي في دافوس -عن "قطيعة وليس انتقالاً"، وعن "نظام يتّسم بتصاعد تنافس القوى العظمى" (كما قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني)، بالإضافة إلى ما وصفه مراقبون بأنه إحساس عام بالازدراء تجاه أوروبا صادر عن الرئيس ترامب وأعضاء من إدارته؟ أين ترين أننا نقف الآن؟
طومسون: أعتقد حقًا أنها قطيعة وليست انتقالًا. كان التنافس بين القوى العظمى واقعًا قائمًا منذ أكثر من عقد، وكانت إدارة بايدن تفكّر هي الأخرى ضمن هذا الإطار. وإذا عدنا إلى قانون خفض التضخم للعام 2022، فإن الاستراتيجية الصناعية القومية المضمَّنة فيه اعتُبرت في أوروبا عملًا عدائيًا. ما يختلف مع ترامب هو اللغة، وكذلك السيل الكاسح من التصريحات الاستفزازية والمهينة. نعم، لديه ازدراء لأوروبا، وهذا أمر جديد، حتى بالمقارنة مع ولايته الأولى.
غويدا: ما العناصر الأساسية لمنافسة القوى الكبرى اليوم؟ في كتاباتكِ، غالبًا ما تتجاوزين الخطاب والشخصيات إلى البنى والأنظمة والعناصر التأسيسية مثل موارد الطاقة -بل وحتى الدَّين. هل هذا هو ما ترينه اليوم؟
طومسون: المنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين هي المحور، لكن روسيا تظل شديدة الأهمية أيضًا. الولايات المتحدة والصين خصمان في مجال التكنولوجيا. والولايات المتحدة وروسيا خصمان في مجال الطاقة. ثم إن كلًّا من هذه الدول ينافس على النفوذ في الأقاليم الغنية بالموارد في العالم، من الشرق الأوسط إلى القطب الشمالي.
أعتقد حقًا أن التنافس على موارد الطاقة والسيطرة عليها يحتل موقعًا مركزيًا في السياسة العالمية. ويمكن تفسير قدر كبير من التاريخ الجيوسياسي للقرن العشرين بهذه المقاربة، ولا أرى أن القرن الحادي والعشرين يسير بشكل أساسي بطريقة مختلفة -حتى وإن كانت المخرجات حتى الآن مختلفة جدًا. لا يمكن فهم طبيعة القوة الجيوسياسية التي تمثلها الولايات المتحدة اليوم من دون إدراك الطريقة التي حوّل بها ازدهار النفط والغاز الصخريين موقعها في معادلة الطاقة.
غويدا: ماذا حقق ازدهار النفط والغاز الصخريين للقوة العالمية للولايات المتحدة؟
طومسون: أصبحت الولايات المتحدة أكثر ميلًا إلى الحزم في أوروبا ابتداءً من منتصف العقد الثاني من الألفية، حين أصبحت شركات الغاز الصخري الأميركية قادرة على منافسة "غازبروم" في أسواق الغاز الأوروبية. وأصبحت أقل استعدادًا بكثير للتسامح مع العلاقة الألمانية-الروسية بشأن الغاز، وأثبتت استعدادها -خاصة في عهد ترامب- لممارسة ضغوط كبيرة على الدول الأوروبية لشراء الواردات الأميركية.
والنتيجة، حين تقترن بغزو روسيا لأوكرانيا، هي أن معظم الدول الأوروبية أصبحت اليوم أكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة في مجال الطاقة مما كانت عليه قبل بضع سنوات. وهذا يجعل تحقيق "الاستقلالية الاستراتيجية" للاتحاد الأوروبي وللدول الأوروبية منفردةً أكثر صعوبة بكثير مما كان عليه الحال عندما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث في العام 2019 عن أن ذلك ينبغي أن يكون هدف أوروبا.
غويدا: أنتِ تنطلقين من افتراض أن العالم ما يزال بحاجة إلى موارد النفط من أجل النشاط الاقتصادي، أليس كذلك؟
حتى مع تطور مصادر الطاقة الخضراء عبر الدول وداخلها -في الصين؛ وداخل الولايات المتحدة مع استخدام طاقة الرياح في أماكن مثل تكساس. الفكرة هي أن الطلب على النفط ما يزال قويًا لأن ارتفاع الطلب على الكهرباء (كما يحدث بصورة حادة مع طفرة الذكاء الاصطناعي) يرفع أيضًا الحاجة إلى مصادر طاقة موثوقة.
طومسون: نعم. في ظل السياسات الحالية المعتمدة حول العالم، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يواصل استهلاك النفط الارتفاع حتى العام 2050. ويجب أن يزداد استهلاك الكهرباء سواء لتحقيق التحول إلى الكهرباء أو لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي. وحتى مع قدوم السيارات الكهربائية التي تقلل من استهلاك النفط في قطاع النقل، فإن هناك زيادةً ما في استهلاك النفط على صعيد التصنيع، لأن البتروكيماويات تلعب دورًا أهم في السيارات الكهربائية مقارنةً بسيارات محركات الاحتراق الداخلي.
غويدا: يبدو أن هذه الحقيقة المتعلقة بالطاقة وأوروبا تضغط أكثر فأكثر على ما جرى تسويقه على أنه ترتيب قائم على القيم -وهو الأساس، أو على الأقل أساس الطموح الذي يتطلع إليه النظام الدولي القائم على القواعد.
كان كارني قد طرح رؤيةً لترتيب مختلف يقوم على "القوى الوسطى". فهل ما تزال هناك قدرة على بناء تحالفات، أم أن الأمر أصبح منافسةً على الموارد لا غير؟
طومسون: هناك مساحة أمام القوى الوسطى للاصطفاف. تاريخيًا، أُنشئت الكيانات السابقة للاتحاد الأوروبي عن وعي واضح في محاولة لإنهاء التنافس على الموارد بين دول أوروبا الغربية. وليس من قبيل الصدفة أن أول مشروع تكاملي أوروبي كان "الجماعة الأوروبية للفحم والصلب"، وأنه وضع حدًا للنزاعات بين فرنسا وألمانيا حول الفحم، وهي نزاعات كانت في صميم العداوات الإقليمية بين الدولتين منذ الحرب الفرنسية-البروسية.
تكمن مشكلة أوروبا، بالمقارنة مع كندا، في أنها فقيرة نفطيًا، وبالتالي تعاني من إشكاليات الاعتماد على النفط الأجنبي بشكل لا تواجهه كندا. ومهما تكن مسألة الطاقة، فإن الصعوبة التي تواجه أي قوة وسطى هي أن الولايات المتحدة والصين تهيمنان بطرائق مختلفة، ولذلك اضطر كارني، حتى يصل إلى الموقف الذي يتبناه الآن، إلى القيام بانعطاف عن موقفه من الصين في العام الماضي وإعادة بناء الروابط معها.
غويدا: هذا يثير مسألة الاعتماد المتبادل. كنتِ قد أشرتِ سابقًا إلى أنه في العام 2025 بدا الرئيس ترامب منزعجًا من حظر الصين تصدير العناصر الأرضية النادرة خلال مواجهة تجارية. وقد أصبحت الولايات المتحدة مُصدِّرًا للنفط -لكنها تحمل على كاهلها كومةً هائلةً من الديون؛ والصين عملاقٌ صناعي -لكنها تعتمد على النفط الأجنبي لتشغيل اقتصادها؛ بينما تحوز الاقتصادات الأوروبية على جزء من الدين الأميركي -لكنها تعتمد على النفط الأجنبي، سواء القادم من الولايات المتحدة أو من روسيا. وتبدو هذه المكامن للهشاشة وكأنها تُبقي عالم الدول في حالة معقّدة من الاعتماد المتبادل المشحون بالتوتر. فهل يستقر هذا الوضع ذات يوم في ترتيب أكثر استقرارًا؟
طومسون: هذا سؤال وجيه. أعتقد أن ذلك ممكن. كانت ألمانيا والاتحاد السوفياتي/ روسيا في حالة اعتماد متبادل خالية نسبيًا من الأحداث الكبيرة خلال العقد ونصف العقد الأخيرين من الحرب الباردة، واستمر ذلك إلى ما بعد حقبة ما بعد الحرب الباردة. كما أدارت بريطانيا فترةً طويلةً من الاعتماد على الشرق الأوسط، لكنّ ذلك أدخلها في سلسلة مستمرة من المشكلات الجيوسياسية التي كانت في بعض الأحيان خطيرةً إلى حدٍّ كبير، مثل أزمة السويس في العام 1956.
غويدا: هل ثمة ما يميّز بشكل خاص فترات الاعتماد المتبادل السلمي على الموارد عن تلك التي تنطوي على صراعاتٍ أكثر وضوحًا؟
طومسون: أي وضع تكون فيه قوى عظمى متعددة تعتمد على استيراد الطاقة على نطاق واسع، من دون وجود قوة مهيمنة قادرة على كبحها، يمكن أن يقود إلى صراعاتٍ مدمّرة. كات هذه قصة أوروبا واليابان في النصف الأول من القرن العشرين.
ما نشهده الآن -جزئيًا- هو أن الدول من القوى العظمى التي تمتلك قدرةً تصديريةً في مجال واحد على الأقل -الولايات المتحدة في الغاز الطبيعي، والصين في العناصر الأرضية النادرة- أصبحت مستعدة لاستخدام الموارد كسلاح جيوسياسي. وهذا عاملٌ آخر من عوامل زعزعة الاستقرار.
غويدا: فلنتحوّل إلى نصف الكرة الغربي: كنتِ قد كتبتِ في مقال في العام 2024 أن أنظار العالم ستتجه قريبًا إلى هناك. وأشرتِ في ذلك الوقت إلى حقيقة بالغة الأهمية: أن الصين كانت الشريك التجاري الأكبر لأميركا الجنوبية. وقد استغرق الأمر بضع سنوات، ولكن ها نحن نقف الآن -على ما يبدو- أمام هذا الواقع فجأة.
ما دلالة هذا التحول بالنسبة للولايات المتحدة والصين والجغرافيا السياسية؟ وهل لديكِ تصوّر عمّن -أو ما الذي يوجّه سياساتهم في ظل الرئيس ترامب ومستشاريه؟
طومسون: بالنسبة للولايات المتحدة، تكمن المشكلة في أبسط صورها في ما يلي: يشكل الصعود التجاري للصين في أميركا اللاتينية تهديدًا لـ"عقيدة مونرو"، ولم تواجه الولايات المتحدة تهديدًا مماثلًا منذ أن كانت شركات النفط الأوروبية تحاول العمل هناك في مطلع القرن العشرين.
ويتفاقم ذلك بسبب حقيقة خاصة تتمثل في الحضور الاقتصادي الصيني في المكسيك وكندا، وبسبب الفرص التي أتاحتها العلاقات التجارية لهاتين الدولتين مع الولايات المتحدة للصين للالتفاف على الإجراءات الحمائية الأميركية ضدها.
أعتقد أن ترامب قد استبطن "عقيدة مونرو". هناك أشخاص مختلفون داخل الإدارة يفكرون في نصف الكرة الغربي بطرق متباينة. وأشتبه، على سبيل المثال، في أن وزير الخارجية، ماركو روبيو، يفكر أقل من غيره في موارد نصف الكرة الغربي، لكنني أظن أن هناك تصورًا واسع الانتشار داخل الإدارة يرى أنه ينبغي دفع الصين إلى الخروج من هذه المنطقة حيثما أمكن ذلك.
غويدا: يمارس الرئيس ترامب ضغوطًا كبيرة على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة. وتتحمل الولايات المتحدة دَينًا وطنيًا كبيرًا إلى حد مذهل. وهي، بطبيعة الحال، ليست الدولة الوحيدة التي تواجه مشكلات الدَّين والعجز. كيف ترين تأثير هذه الضغوط الداخلية على الموازنات، وخاصة في ما يتعلق بالدَّين -في الولايات المتحدة وغيرها- في تشكيل السياسة العالمية؟
طومسون: إن قضايا الدَّين خطيرة فعلًا. في الولايات المتحدة، ترتبط مشكلة الدَّين بعدد من الأمور التي حاولت إدارة ترامب القيام بها، ومن بينها فرضُ أعباءٍ دفاعية أكبر على أوروبا. ويُظهر الفشل الذريع لما يُسمّى "وزارة الكفاءة الحكومية" التابعة لإيلون ماسك مدى الصعوبة البالغة في معالجة الدَّين من خلال خفض الإنفاق.
وفي أوروبا، تشكل هذه المسألة عقبةً كبرى أخرى أمام أي محاولة لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية، بشكل خاص في فرنسا وبريطانيا، وهما دولتان أظهرت التطورات خلال العام الماضي أو نحوه مجددًا مدى صعوبة تقليص الإنفاق فيهما في مجالات أخرى، مثل موازنات الرعاية الاجتماعية أو التقاعد. وكان هناك شعور في وقت سابق من هذا العام بأن ألمانيا قامت بتحول كبير في ما يتعلق بالدَّين، لكنّ ذلك لم يُترجم إلى حيز مالي جماعي أوسع لأوروبا يمكّنها من الانفصال عن الولايات المتحدة في مجال الأمن.
غويدا: هل يشكّل الدَّين سلاحًا جيوسياسيًا محتملًا آخر؟
طومسون: إن الشيء الأكثر أهمية هنا هو قدرة الولايات المتحدة على توفير مبادلات الدولار -وهي معاملات معقّدة يجري فيها تبادل التدفقات النقدية أو الأصول المالية للتحوّط من التعرّض للمخاطر -من خلال الاحتياطي الفيدرالي. وقد جرى التصريح بوضوح بالتهديد المتمثل في أن الولايات المتحدة، في ظل ترامب، قد تحجب مبادلات الدولار -أي التلويح بعدم توفيرها في أوقات الأزمات- لفرض مطالب في مجالات سياساتية أخرى، بما في ذلك الدَّين نفسه. وتم ذلك في ورقة ستيفن ميران المعروفة بـ"اتفاق مارا لاغو".
كما يمكننا أن نرى أن إدارة ترامب منحت خط ائتمان للرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي خلال الانتخابات التي جرت هناك في خريف العام الماضي. ويمكن لهذه الأساليب أن تكون وسيلة تحاول من خلالها الولايات المتحدة تأديب الآخرين وصناعة حلفاء في آن معًا.
غويدا:ماذا عن حائزي الدَّين الأميركي؟
طومسون: من حيث المبدأ، نعم. إذا عدنا إلى العام 2008، لعب قيام البنكَين المركزيَّين الصيني والياباني ببيع ديون مؤسستي "فاني ماي" و"فريدي ماك" دورًا مهمًا في حدوث الانهيار. ولكن في حال أقدمت الدول الأوروبية على بيع الدَّين الأميركي المحتفَظ به رسميًا، فإنها ستتحمّل مخاطر جسيمة، لأن حجب مبادلات الدولار في أوقات الأزمات سيُلحق ضررًا أكبر. كما أن عملية البيع نفسها قد تُعجِّل باندلاع مثل تلك الأزمة.
غويدا: كيف ترين موقع المخاطر في السياسة العالمية؟ في البيئة التنظيمية للأسواق المالية، وكذلك على صعيد قيادة الرئيس الأميركي، يبدو أن هناك شهيةً أكبر بكثير لتحمّل المخاطر. ولكن، ما الدور الذي تلعبه هذه النزعة في التفكير في السياسة العالمية؟
طومسون: من ناحية ما، ثمة اليوم ميلٌ أكبر إلى المخاطرة لأن الخيارات المتاحة أصبحت عالية المخاطر أصلًا -خاصة على الصعيد الجيوسياسي. هذا ما تُنتجه القطيعة الجيوسياسية. ولعل الأمر المثير للاهتمام في ترامب بوصفه ظاهرةً سياسيةً هو أنه يبدو نفسيًا وكأنه يزدهر في أجواء المخاطرة، ويسعى إلى إحداث التغيير من خلال مجرّد امتلاكه قدرةً كبيرةً على الإرباك والتعطيل، بصرف النظر عن الوجهة التي سيؤول إليها ذلك التغيير.
*هيلين طومسون Helen Thompson: أستاذة الاقتصاد السياسي في جامعة كامبردج، وهي مؤلفة كتابها الأحدث "الاضطراب: الأزمنة العصيبة في القرن الحادي والعشرين". جون غيدا John Guida: محرر في قسم الرأي في صحيفة "نيويورك تايمز".
*نشر هذا الحوار تحت عنوان: This Is Rewriting the International Order as Much as Trump