الحرب فى إيران.. من، متى، كيف، هل؟!* حسين دعسة
الدستور المصرية -
الاستعدادات لهجوم إيرانى جارية.. ونتيجة لتوسيع الاحتجاجات فى معظم المدن والقرى والأطراف فى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما نتج عن تفشى وربما أسرار دعم تضليل المعلومات الحراك حولها، المستجدات المختلفة خلال الـ24 ساعة الأخيرة، وبحسب ما أوردت منصة «هاداشوت نيوز» الإسرائيلية التى قالت إنها: علمت من مصادرها الأمنية بأنها رفعت حالة التأهب القصوى، وفق إفادة الاستخبارات الإسرائيلية ومنصة «هاداشوت نيوز».
.. وأكدت المصادر أنه رفعت حالة التأهب القصوى فى القواعد الأمريكية فى جميع أنحاء المنطقة تحسبًا لخطط ترامب للتدخل فى إيران.
الآلة العسكرية بين الأطراف «إيران، الولايات المتحدة الأمريكية، دولة الاحتلال الإسرائيلى الصهيونى» كل تعمل.. ومحور السؤال هو: متى، وليس هل؟!
بينما تزامن ذلك مع ما أفردته إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلى عن: انتهاء جلسة تقييم الوضع التى عقدها السفاح، رئيس حكومة اليمين المتطرف التوراتى الإسرائيلية النازية نتنياهو مع رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية «الموساد» فى مقر وزارة الحرب مع التطرق للتطورات فى إيران ومستقبل الجبهة الشمالية مع حزب الله.
جيوسياسيًا وأمنيًا، ما تردده الإدارة الأمريكية والبنتاغون والرئيس ترامب والبيت الأبيض، ينتشر بسرعة متباينة، ومن ذلك أن إدارة الرئيس الأمريكى ترامب، تجرى اجتماعاتها، ومحاوراتها عبر نقاشات سرية، وأحيانًا علانية، حول كيفية شن هجوم على إيران«..»، وشهد ساعات يوم السبت 2026/01/10 تبادلًا للمعلومات والأخبار من شتى المصادر، وفق تحليلات مهمة تنتشر بين قارات العالم والمجتمع الدولى والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى، شهود على مراحل هذا التصعيد.
كيفية شن هجوم على إيران.. إذا لزم الأمر لتنفيذ تهديدات ترامب!
فى بحر الـ24 ساعة الماضية، خرج الوقت فسره ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» فى عدد السبت، عن مسئولين أمريكيين، قولهم إن مسئولى إدارة الرئيس دونالد ترامب أجروا نقاشات، حول كيفية شن هجوم على إيران إذا لزم الأمر لتنفيذ تهديدات ترامب، بما فى ذلك تحديد المواقع التى قد تستهدف.
.. فى ذات السياق، من واقع قراءات أمنية، أكد الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة «مستعدة للمساعدة» مع تواصل الاحتجاجات وحجب الإنترنت فى إيران.
.. يأتى ذلك بعد تحذيره- أى ترامب- طهران من مغبة قتل متظاهرين وتلويحه بالتدخل، أكد ترامب أن واشنطن «مستعدة للتحرك».
وقال فى منشور على منصته «تروث سوشال» نشر السبت، إن «إيران تتطلع إلى الحرية، ربما فى شكل لم يسبق له مثيل، الولايات المتحدة مستعدة للمساعدة».
.. يعتقد الرئيس ترامب أن إيران اليوم، وهو يجاهر فى ذلك ورأى أن «إيران فى ورطة كبيرة»، متوعدًا قيادة الجمهورية الإسلامية باللجوء إلى السبل العسكرية.
وسبق لمسئولين إيرانيين أن اتهموا واشنطن وحليفتها إسرائيل، العدوين اللدودين للجمهورية الإسلامية، بـ«التدخل» فى الاحتجاجات التى تشهدها.
غارات جوية خاطفة
استنادًا على التحليلات ومفاضلات عسكرية وأمنية، قال أحد المسئولين من البنتاغون إن «أحد الخيارات المطروحة للنقاش هو شن غارة جوية- خاطفة- واسعة النطاق على عدة أهداف عسكرية إيرانية»؛ فيما أفاد مسئول آخر بأنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى إجماع بشأن مسار العمل الذى ينبغى اتباعه، كما لم تنقل أى معدات أو قوات عسكرية فى إطار الاستعداد لتنفيذ ضربة.
وفى الوقت نفسه، أكد مسئولون أمريكيون عدم وجود أى مؤشرات تدل على هجوم وشيك ضد إيران.
هل الدبلوماسية قرار؟
تتوه الدبلوماسية الأمريكية، بما فى ذلك من أطراف الإدارة المساندة من الأطراف داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وهى من جهته، تورد كيف عبر وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو، موضحًا سبل وأسرار وكيفية دعم بلاده الشعب الإيرانى فى ظل الاحتجاجات المستمرة منذ أسبوعين والمتصاعدة وتيرتها.
وفى مجريات المعتاد، حمّل مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة، سعيد إيروانى، واشنطن مسئولية «أعمال الشغب والعنف» فى بلاده، متهمًا إياها بممارسة التدخل عبر «التهديد والتحريض والحث المتعمد على العنف»، ومنددًا بما وصفه بـ«التدخل الأمريكى الإسرائيلى المنسق» فى الشئون الإيرانية الداخلية.
.. وما بين سياق الحدث الإيرانى، وما قد يكون اتفق عليه بين السفاح نتنياهو والرئيس ترامب فى زيارة الأول للثانى داخل منتجه العائلى فى فلوريدا، فالتقديرات الإسرائيلية تنحاز إلى لعبة أكاذيب التضليل الإعلامى والسياسى، لهذا قالت دولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية، إن: ترامب سينفّذ تهديده.
وأفادت «القناة 12» الإسرائيلية مساء السبت، بأن تقديرات تل أبيب تشير إلى أن ترامب سينفذ تهديده ضد إيران على خلفية الاحتجاجات ومقتل متظاهرين فيها.
ووفق هذه التقديرات، تم رصد ما سبق لمسئولين إيرانيين أن اتهموا واشنطن وحليفتها إسرائيل، بـ«التدخل» فى الاحتجاجات التى تشهدها.
وتقول السلطات إن عددًا من عناصر قوات الأمن قُتلوا فى الاحتجاجات، فيما أكد المرشد الأعلى على خامنئى، الجمعة، أن بلاده لن تتراجع عن مواجهة «المخرّبين» و«مثيرى الشغب»، محمّلًا واشنطن مسئولية تأجيج الاحتجاجات.
وكان خامنئى قد أقر بعيد اندلاع الاحتجاجات، بأن المطالب الاقتصادية للإيرانيين «محقة»، لكنه دعا فى الوقت ذاته إلى وضع حد لـ«مثيرى الشغب».
.. تزامنت التقديرات من الأطراف كلها، مع تنامى المواقف الأوروبية والدولية والأممية، ومنها:
1- دعت دول غربية السلطات الإيرانية إلى عدم قمع الاحتجاجات.
2- قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين السبت، عبر منصة «إكس»، إن «خطوات النساء والرجال الإيرانيين المطالبين بالحرية يتردّد صداها فى شوارع طهران وفى مدن حول العالم. حرية الكلام وحرية التجمّع وحرية السفر وقبل كل شىء العيش بحرية. أوروبا تدعمهم بالكامل».
استراتيجية الاحتلال الإسرائيلى للاستثمار فى التظاهرات والحراك الشعبى
أسست القوى والأجهزة الأمنية الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية، عدا الروسية والتركية، وبعض الخليجية والصينية عدة مناخات سرية وأمنية، على شكل مراكز للدراسات والأبحاث، ومنها نسجت علاقات مشروطة بدعم أمريكى، هدفها توسع استراتيجية الاحتلال الإسرائيلى للاستثمار فى التظاهرات والحراك الشعبى، فى المنطقة والإقليم والشرق الأوسط، وغالبًا الامتداد إلى كل العالم.
ذلك أيضًا يقول المحلل السياسى اللبنانى، رئيس تحرير موقع المدن الإخبارى، إنه لا بد له أن ينعكس على واقع إيران، أما كيف ذلك؟!
أ- لن يكون بمقدور أى طرف أن يتحمل دخول إيران فى حالة من الفوضى أو الانهيار التى قد تنجم عن سقوط النظام الإيرانى، فواشنطن لا تريد ذلك وليس من مصلحتها ومصلحة دول المنطقة خصوصًا فى حال عدم توفر بديل واضح وقادر على الإمساك بزمام الأمور فى إيران، والحفاظ على وحدتها، لا سيما إذا كان هناك اتجاهات نحو صراعات تأخذ بعدًا قوميًا أو عرقيًا.
ب- فى المداولات الدولية والإقليمية حول الوضع فى إيران، فإن واشنطن تبلغت من دول عديدة بأن انهيار إيران لن يكون فى صالح دول المنطقة مطلقًا.
ج- دولة الاحتلال الإسرائيلى الصهيونى، هى إحدى أكثر الدول التى تسعى إلى مواجهة كل الدول الكبرى والتى تعتبرها مواجهة أو منافسة لها. وحتى وإن سعت تل أبيب إلى الاستثمار فى التظاهرات والتحركات الشعبية فى إيران، إلا أنها لن تكون قادرة على تحمل دخول إيران فى حالة من الفوضى.
د- هناك تهيب إسرائيلى من سقوط النظام الإيرانى والخوف من البديل. هناك فى إسرائيل من يعتبر أن تركيا ستكون هى المستفيدة من انهيار النظام فى إيران والفوضى هناك، خصوصًا أن تركيا ومنذ سنوات تعمل على المراكمة فى الداخل الإيرانى من خلال علاقات مع مكونات مختلفة.
ه- الفكرة الأساسية، تبدو مرتبطة بالحفاظ على النظام ولكن مع إحداث تغيير كبير من داخله لتغيير الوجهة السياسية للنظام على الساحة الدولية.
و- فكرة استثمار التظاهرات، والحراك الشعبى، مرحليًا كما هو فى إيران، فكرة تبدو واردة جدًا لدى الأمريكيين، وتقتنع بها دول الخليج العربى، أيضًا الذى تدفع بهذا الاتجاه على قاعدة منع حصول فوضى كبرى تكون لها انعكاسات وتداعيات على المنطقة ككل وتسهم فى ضرب الاستقرار بشكل كامل.
ز- كل المساعى من داخل إيران ومن دول الجوار مع الولايات المتحدة لتأمين هذا التغيير وسط تنافس بين مجموعات متعددة، أبرزها الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجى، مقابل الرئيس السابق حسن روحانى ووزير خارجيته محمد جواد ظريف. ذلك كله يندرج فى إطار الدفع نحو تغيير الوجهة السياسية لإيران، ولكن من دون حصول انهيار كبير وفوضى.
الحرس الثورى يُحمّل مسئولية الاضطرابات لـ«إرهابيين»
ربما فى سياق دعائى ومعالجة غبية للحدث الداخلى، أعلن جهاز استخبارات الحرس الثورى الإيرانى عن اعتقال «أجنبى» للاشتباه فى تجسسه لصالح إسرائيل.
وجاء ذلك بينما تشير السلطات الإيرانية إلى أنها قد تكثف حملتها الأمنية ضد أكبر موجة احتجاجات مناهضة للحكومة منذ سنوات، حيث حمّل الحرس الثورى «إرهابيين» مسئولية الاضطرابات، وتعهد بـ«حماية النظام الحاكم» وإنجازات «الثورة الإسلامية»، معتبرًا أن الحفاظ على الأمن «خط أحمر».
وتتهم السلطات طهران كلًا من واشنطن وتل أبيب بتأجيج الاضطرابات واستغلال المطالب الشعبية المشروعة لتحويلها إلى فوضى أمنية.
لا يمكن تفسير طبيعة ما يجرى فى عديد المدن الإيرانية، بالذات مع توقيت ذلك، بعد إصدار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تحذيرًا جديدًا بأن الولايات المتحدة قد تتدخل، وردت تقارير عن أعمال عنف فى أنحاء متفرقة من البلاد، بالرغم أن الانقطاع شبه الكامل للإنترنت يجعل من الصعب تقييم الحجم الحقيقى للاضطرابات.
وأظهرت مقاطع فيديو جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعى، وتحققت وكالة «رويترز» من مواقع تصويرها، حشودًا كبيرة فى طهران، مع إضرام النيران فى الشوارع ليلًا. وفى أحد المقاطع من منطقة سعدات آباد شمال غرب العاصمة، يُسمع رجل يقول: «الحشود قادمة.. الموت للديكتاتور، الموت لخامنئى».
كما ذكرت وسائل إعلام رسمية أن مبنى تابعًا للبلدية أُحرق فى مدينة كرج غرب طهران، وألقت باللوم على «مثيرى الشغب»، فيما بث التليفزيون الرسمى لقطات لجنازات أفراد من قوات الأمن قالت إنهم قُتلوا فى احتجاجات بمدينة شيراز وقم وهمدان.
من تحليل استراتيجى، لوحظ أن غرب إيران، تعد من نقاط تجمع قوات الحرس الثورى، والجيش الإيرانى، إذ انتشرت بكثافة فى المنطقة. وفى بيان بثه التليفزيون الرسمى، اتهم الحرس الثورى «إرهابيين» باستهداف قواعد عسكرية وأمنية خلال الليلتين الماضيتين، مؤكدًا سقوط قتلى من المواطنين وقوات الأمن، وإحراق الممتلكات فى كل مكان.
المفارقات كثيرة، منها ما أعلن الجيش الإيرانى عن أنه «سيحمى ويصون المصالح الوطنية والبنية التحتية الاستراتيجية والممتلكات العامة»، فى لهجة توحى باستعداد المؤسسة العسكرية للانخراط المباشر فى مواجهة أى تصعيد.
ترامب يهدد وروبيو يدعم
على الجانب الأمريكى، صعّد الرئيس دونالد ترامب من لهجته، قائلًا: «من الأفضل ألا تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضًا»، مضيفًا أنه سيراقب الوضع وأن الولايات المتحدة قد توجه «ضربات قاتلة» إذا قُتل المتظاهرون، دون أن يعنى ذلك بالضرورة وجود قوات أمريكية على الأرض.
كما قال وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو، فى منشور على منصة «إكس»، إن «الولايات المتحدة تدعم الشعب الإيرانى الشجاع».
فى المقابل، حمّل مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة، سعيد إيروانى، واشنطن مسئولية «أعمال الشغب والعنف» فى بلاده، متهمًا إياها بممارسة التدخل عبر «التهديد والتحريض والحث المتعمد على العنف»، ومنددًا بما وصفه بـ«التدخل الأمريكى الإسرائيلى المنسق» فى الشئون الإيرانية الداخلية.
الجيش الإيرانى يحذّر
وأصدر الجيش الإيرانى بيانًا حذّر فيه من «مؤامرة الغرباء لضرب استقرار البلاد ونشر الفوضى»، مشيرًا إلى ما وصفه بمحاولات أمريكية مستمرة منذ 47 عامًا للعودة إلى إيران والسيطرة عليها. وأكد أن «العدو، بدعم من الكيان الصهيونى وجماعات إرهابية، يسعى لضرب الأمن العام»، متوعدًا بالتصدى الحازم لأى تهديد يستهدف منشآت البلاد وبناها التحتية.
شهدت البلاد هدوءًا نسبيًا ليل الجمعة- السبت، مع تسجيل تجمعات محدودة فى طهران ومدن مثل تبريز ومشهد. ونقل مراسل «العربى الجديد» أن العاصمة كانت اليوم السبت هادئة عمومًا، رغم بقاء آثار العنف فى شوارع وسط المدينة، لا سيما آزادى وانقلاب، مع إغلاق أجزاء واسعة من سوق طهران.
وقال المتحدث باسم الشرطة الإيرانية إن «مشاهدات ميدانية أظهرت هدوءًا عامًا»، مرجعًا ذلك إلى «مشاركة شعبية واسعة فى مسيرات احتجاجية ضد أعمال العنف المسلحة».
وساطة أم دور إقليمى؟!
حراك دبلوماسى عربى خليجى، لا يقع ضمن الوساطة الدبلوماسية، ولا بحثًا عن تثبيث لدور إقليمى، نتيجة الأزمة وعلى وقع هذه التطورات، وصل وزير الخارجية العمانى بدر البوسعيدى إلى طهران، حيث أجرى مباحثات مع نظيره الإيرانى عباس عراقجى، فى زيارة تكتسب أهمية خاصة نظرًا للدور التاريخى لعُمان كوسيط بين طهران وواشنطن.
كما جدّد عراقجى اتهاماته للولايات المتحدة وإسرائيل بالتدخل المباشر فى الاحتجاجات، قائلًا: إنهما تحاولان تحويل الاحتجاجات السلمية إلى «احتجاجات عنيفة وانقسامية».
من جهتها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين السبت، إن أوروبا تدعم الاحتجاجات الشعبية الإيرانية وتدين «القمع العنيف» للمتظاهرين.
وجاء فى منشور لفون دير لايين على شبكة الإنترنت «إن خطوات النساء والرجال الإيرانيين المطالبين بالحرية يتردّد صداها فى شوارع طهران وفى مدن حول العالم. حرية الكلام وحرية التجمّع وحرية السفر وقبل كل شىء العيش بحرية. أوروبا تدعمهم بالكامل».
وأضافت: «نحن ندين بشكل لا لبس فيه القمع العنيف لهذه التظاهرات المشروعة»، معتبرة أن التاريخ سيحاسب المسئولين عنه، دون إبراز اى تعامل أوروبى الاحتواء أى توقعات لازمة تعقبها الحرب بين الأطراف كلها.
ما تبحث عنه إيران:
«من الصبر الاستراتيجى إلى الردع الاستباقى» تلك رؤية سياسية، تحلل جزئيًا الباحثة «ليلى نقولا»، وقائع الأزمة الإيرانية، ونشر التحليل يوم الأربعاء 2026/01/07، بينما كانت معالم الحدث تزداد اشتعالًا.
نقولا وجدت أن الأزمة تتجسد فى ما يلى:
أولًا: لطالما شكّل مفهوم «الحرب الاستباقية» جدلية شائكة فى العلاقات الدولية، لا سيما فى منطقة ملتهبة كالشرق الأوسط. وفى حين التزمت الجمهورية الإسلامية فى إيران، منذ نشأتها عام 1979، بعقيدة عسكرية قوامها الدفاع المتأخر، وما عُرف بـ«الصبر الاستراتيجى»، تشير معطيات السادس من يناير 2026 إلى تحوّل جذرى وتاريخى فى العقيدة الأمنية الإيرانية، تؤسس لمرحلة جديدة من «الردع بالاستباق». ويشكّل هذا الانتقال تحديًا مباشرًا لـ«عقيدة بيغن» الإسرائيلية التى كانت تحتكر حق الاستباق فى المنطقة.
ثانيًا: يتأرجح مفهوم «الضربة الاستباقية» بين نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التى تعطى الدول حق الدفاع عن النفس فى مواجهة اعتداء خارجى، وبين العرف الدولى المستقر المعروف بـ«مبدأ كارولين» لعام 1837 الذى انطلق بالأساس من أزمة أمريكية- بريطانية.
يعطى هذا العرف للدول الحق فى «الدفاع الشرعى الاستباقى» شريطة أن يكون التهديد آنيًا، وكاسحًا، ولا يترك مجالًا لاختيار الوسائل أو لحظة للتفكير»، على أن أى لجوء لهذا الخيار «الاستباقى» يظل مرهونًا بإثبات «حتمية العدوان» والالتزام الصارم بمعيارى «الضرورة والتناسب».
وبناءً عليه، يُميّز الفقهاء بوضوح بين «الضربة الاستباقية» التى قد تكتسب مشروعية لدرء خطر وشيك ومؤكد، وبين «الحرب الوقائية» «استخدمها الرئيس الأمريكى جورج بوش فى العراق»، وهى تستهدف تهديدات محتملة أو بعيدة المدى، مع العلم أنها شكّلت سابقة غير مشروعة فى القانون الدولى.
ثالثًا: لم يأتِ هذا الانقلاب فى المفاهيم العسكرية لدى إيران من فراغ، بل هو استجابة قسرية لمرحلة تتسم بالخطر الوجودى، ولبيئة إقليمية ودولية عرفت العديد من محطات «الخداع» فى فترة ما قبل الحرب. على سبيل المثال، ترى القيادة الإيرانية أن المسار التفاوضى مع الولايات المتحدة والذى سبق حرب الأيام الاثنى عشر قد استُخدم، من وجهة نظرها، كغطاء سياسى للتمهيد للتصعيد العسكرى.
وهكذا، فإن رسائل التطمينات التى نقلها الرئيس الروسى فلاديمير بوتين نيابة عن نتنياهو «كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية»، والتسريبات الإعلامية العبرية التى تنفى نية الهجوم، تُقابَل فى إيران بشكوك كبيرة حول صدقيتها، ويُنظر إليها كجزء من تعمية تهدف إلى كسب الوقت قبل تصعيد محتمل. وهكذا، تتلاقى المخاوف العسكرية مع الرؤية السياسية للمرشد الأعلى السيد على خامنئى، الذى قال فى تغريدة فى يوم البيان نفسه إن «العدو يبعث برسالةٍ يدّعى فيها أنّه «لا يريد القتال»، مع علمنا بطبيعته الخبيثة المخادِعة الكاذبة، وعدم ثقتنا بادّعاءاته».
رابعًا: يؤكد بيان أمانة مجلس الدفاع الإيرانى أن إيران فى دفاعها عن النفس «لا تحصر نفسها فى الردّ بعد وقوع الفعل فحسب، بل تعتبر المؤشّرات الملموسة على وجود تهديد جزءًا من المعادلة الأمنية».
الجديد فى هذا الأمر هو أن إيران نقلت «المؤشرات الملموسة» من خانة العمل الاستخبارى إلى خانة «الموجِب للرد العسكرى»، ما يعنى أن إيران لن تنتظر سقوط الصواريخ على أراضيها لتتحرك، بل باتت «المؤشرات» «التحشيد، المناورات، النشاط السيبرانى المكثف» بمثابة « مؤشرات اعتداء» توجب الرد الفورى بالرغم مما سيثيره ذلك من جدلية دولية حول أحقية الضربة الإيرانية الأولى.
وعليه إن انتقال إيران إلى مربع الاستباق قد يدفع المنطقة الى حرب إقليمية، وتؤسس لمرحلة خطيرة تبرز فى ما يلى:
1- نهاية «المناطق الرمادية»:
لطالما لعبت إسرائيل وإيران فى المناطق الرمادية «حروب الظل». العقيدة الإيرانية الجديدة تضيّق هذه المساحة؛ فأى خطوة إسرائيلية غامضة قد تُفسر فى طهران كـ«مؤشر ملموس» لتهديد وجودى، ما يستدعى ضربة وقائية «حازمة ومتناسبة» «كما يشير البيان».
2- خطورة سوء التقدير:
بما أن «النوايا» و«المؤشرات» باتت هى معيار الحرب، فأى خطأ فى قراءة «مؤشر» ما، قد يشعل حربًا إقليمية شاملة لا يريدها أحد.
- الاستقرار الإقليمى يحتاج إلى آليات دولية جديدة
لم يعد نقل الرسائل كافيًا؛ بل بات المطلوب «ضمانات مادية» بوقف التحركات العسكرية لتخفيف التوتر الإقليمى.
وهكذا، يبدو الشرق الأوسط أمام لحظة تأسيسية جديدة، تعكس هذه المقاربة الجديدة رسالة مفادها، من المنظور الإيرانى، بأن كلفة الانتظار باتت أعلى من كلفة المبادرة. وإذا كان «الصبر الاستراتيجى» قد حمى النظام لعقود، فإن «الدفاع الاستباقى» هو الرهان الجديد لحماية الدولة والنظام فى وجه ما تعتبره طهران «حرب وجودية حقيقية»، وفق ما توصلت اليه الباحثة نقولا، وهى كما يبدو ترجح لعبة الحرب مهما كان نمطها.
وثائق الأزمة:
احتجاجات إيران بالأرقام
لغاية تاريخ 10-01-2026، وصل «الدستور»، مجموعة من الوثائق والبيانات حول التظاهرات فى إيران وما قد يكون نتج عنها، فى الجوانب المتعلقة بخراك وحياة الناس.
ووفق ذلك ترصد الدستور:
1- ذكرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان «هرانا»، ومقرها الولايات المتحدة، أن 65 شخصًا على الأقل قُتلوا، فيما اعتُقل أكثر من 2300 فى أنحاء إيران خلال الاحتجاجات الأخيرة المناهضة للنظام الإيرانى.
2- فى بيان نشر الجمعة، قالت «هرانا» إنها رصدت احتجاجات فى 512 موقعًا موزعة على 180 مدينة.
وبحسب المصدر فإن 50 من القتلى كانوا من المتظاهرين، و14 من عناصر إنفاذ القانون أو قوات الأمن، إضافة إلى شخص واحد مدنى يعمل لصالح الحكومة. وأشارت إلى أن تحديد الأعداد بدقة يبقى صعبًا بسبب انقطاع الاتصالات المستمر فى إيران، حسب ما نقلت «سى إن إن».
3- رصدت وكالة «تسنيم» الإيرانية شبه الرسمية، عن مسئول محلى القول إن السلطات ألقت القبض على 100 شخص فى مقاطعة بهارستان قرب طهران بتهمة الإخلال بالنظام العام وقيادة «أعمال شغب». وأضافت «تسنيم» أن محافظ بهارستان اتهم هؤلاء باستخدام أسلحة نارية وبيضاء ضد المدنيين، إضافة إلى قوات الأمن وإنفاذ القانون.
4- ضمن الحصر الوثائقى، دعا القائد العام للجيش الإيرانى أمير حاتمى الشعب إلى «البقاء يقظًا» وحث على الوحدة والتلاحم الوطنى «لمنع العدو من تحقيق أهدافه». وقال، فى بيان نقلته وسائل إعلام إيرانية رسمية، إن «العدو» يسعى «بمؤامرة جديدة وبدعم من الكيان الصهيونى والجماعات الإرهابية المعادية» إلى زعزعة الاستقرار وتقويض الأمن العام، معتبرًا أن الاحتجاجات تُحرَّض من «عدو» إيران، فى إشارة إلى «حرب الأيام الاثنى عشر» التى اندلعت بين دولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية وإيران فى حزيران من العام الماضى.
5- بدأت التحركات كمظاهرات فى بازارات طهران احتجاجًا على ارتفاع التضخم، قبل أن تمتد إلى مختلف أنحاء البلاد وتتحول إلى احتجاجات أوسع ضد النظام وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
6- ذكرت «تسنيم» أن جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثورى أصدر بيانًا مساء الجمعة حذر فيه من «الرد»، معتبرًا أن استمرار الوضع «غير مقبول»، وأن «دماء ضحايا الهجمات الإرهابية الأخيرة» تقع على عاتق «مخططيها».
وأضاف البيان أن «الشعب الإيرانى يعتبر حق الرد على انتشار انعدام الأمن حقًا مشروعًا»، وأن الحفاظ على «مكتسبات» النظام و«صون أمن المجتمع» من «الخطوط الحمراء»، مؤكّدًا الوقوف «إلى جانب الأمة الإيرانية» حتى «دحر خطة العدو بالكامل» وترسيخ أمن المواطنين.
7- فى إحصاء غير موثق، كشف موظفون فى ثلاثة مستشفيات داخل إيران عن هيئة الإذاعة البريطانية «بى بى سى» أن مرافقهم باتت مكتظة بالقتلى والجرحى، بالتزامن مع استمرار احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة.
ونقلت «بى بى سى» عن عاملين فى المجال الطبى قولهم إنهم عالجوا إصابات ناتجة عن استخدام ذخيرة حية ورصاصات خرطوش، فيما أشار مسعف فى أحد مستشفيات طهران إلى أن عدد الحالات كان كبيرًا، وتحدث طبيب عن دخول مستشفى للعيون فى العاصمة حالة طوارئ وتعليق بعض الإجراءات غير العاجلة واستدعاء موظفين إضافيين للتعامل مع الحالات الطارئة.
8- وثائق الأزمة الإيرانية، أظهرت ان الولايات المتحدة الجمعة، ما زالت تكرر تهديداتها بالرد العسكرى على قتل المتظاهرين، بينما اتهمت إيران واشنطن بتحويل احتجاجات سلمية إلى ما وصفته بـ«أعمال تخريبية». وفى منشور على وسائل التواصل الاجتماعى، كتب الرئيس ترامب: «إيران تتطلع إلى الحرية، ربما أكثر من أى وقت مضى. الولايات المتحدة الأمريكية على أهبة الاستعداد للمساعدة!».
9- بالرغم من تباين المعلومات، بدأت الاحتجاجات فى طهران قبل نحو أسبوعين على خلفية المصاعب الاقتصادية، ثم امتدت إلى أكثر من 100 مدينة وبلدة فى مختلف المحافظات. كما أشارت «بى بى سى» إلى صعوبة التحقق وجمع المعلومات بسبب منعها ومعظم المؤسسات الدولية من التغطية من داخل إيران، وبسبب انقطاع شبه كامل للإنترنت منذ مساء الخميس الماضى.
10- شبكة «بى بى سى»، توصلت إلى رصد نحو 70 جثة نُقلت إلى مستشفى بورسينا فى رشت ليلة الجمعة، وإن مصدرًا طبيًا تحدث عن طلب 7 مليارات ريال مقابل السماح بدفن الجثث. كما نقلت عن مسعف فى شيراز أن المستشفى يستقبل أعدادًا كبيرة من المصابين مع نقص فى عدد الجراحين.
11- من وثائق الأزمة الإيرانية، ما أعلنه الجيش الإيرانى، والحرس الثورى، عن أنهم سينضمون إلى قوات الأمن فى حماية الممتلكات العامة، فيما قالت السلطات إنها ستتخذ إجراءات قانونية «حاسمة» ضد من وصفتهم بـ«المخربين المسلحين»، وهو وصف تم رصده بشكل جديد ويدل على ظهور مصطلحات لتسجيل حالات الأزمة.
مؤشرات ما قبل الغارة الأولى:
بريطانيا تطلب من رعاياها مغادرة إيران.
الهند تطلب من رعاياها مغادرة إيران.
كندا تطلب من رعاياها مغادرة إيران.
روسيا تدعو رعاياها مغادرة إيران فورًا.
روسيا تطلب من حاملى الجنسية الروسية مغادرة إسرائيل فورًا.
إخلاء السفارة الروسية فى إسرائيل.
تركيا تُخلى رعاياها من إيران، وأكثر من 12 طائرة غادرت البلاد خلال ساعات.
ما يحدث ليس بيانات عابرة ولا إجراءات روتينية. عندما تطلب بريطانيا، الهند، كندا من رعاياها مغادرة إيران، وتدعو روسيا مواطنيها لمغادرة إيران وإسرائيل معًا، ثم تُخلى سفارتها فى تل أبيب، وتُسيّر تركيا أكثر من 12 طائرة إجلاء خلال ساعات… فنحن أمام مؤشر خطر استثنائى.
الدلالة الأولى:
الدول لا تُجلى رعاياها إلا عندما تمتلك معلومات استخباراتية أدق مما يُقال للإعلام. هذا يعنى أن نافذة التهدئة إما أُغلقت أو على وشك الإغلاق.
الدلالة الثانية:
توسيع الإجلاء ليشمل إيران وإسرائيل معًا يوحى بأن السيناريو المحتمل ليس ضربة محدودة، بل سيكون تصعيدًا إقليميًا قد يطال عدة ساحات فى وقت متزامن.
الدلالة الثالثة:
إخلاء السفارات خطوة تُتخذ عادةً قبل:
مواجهة عسكرية مباشرة، أو ضربات كبيرة غير قابلة للاحتواء، أو انهيار أمنى مفاجئ.
الدلالة الرابعة:
صمت الإعلام الغربى مقارنة بحجم هذه التحركات يعكس محاولة منع الهلع لا نفى الخطر.
اعتقالات جماعية
ما أعلن وأفادت به وكالة «تسنيم» باعتقال 100 من «المشاغبين المسلحين» فى قضاء بهارستان جنوب غربى طهران. وقال حاكم القضاء عبدالحميد شرفى إن المعتقلين كانوا يحملون أسلحة نارية وبيضاء لاستخدامها ضد المواطنين وقوات الأمن.
وفى محافظة لرستان غرب البلاد، أعلنت الشرطة عن اعتقال أكثر من 100 شخص، إضافة إلى تفكيك خليتين «إرهابيتين» فى مدينتى بروجرد وخرم آباد، كانتا مزودتين بأسلحة نارية لاستخدامها فى الاحتجاجات، وفق الرواية الرسمية.
فى المقابل، نقلت «رويترز» عن طبيب فى شمال غرب إيران قوله إن المستشفيات استقبلت منذ الجمعة أعدادًا كبيرة من المتظاهرين المصابين، بعضهم تعرّض للضرب المبرح، وآخرون أُصيبوا بطلقات نارية حية. وأوضح أن ما لا يقل عن 20 شخصًا أُصيبوا بالرصاص فى أحد المستشفيات، توفى خمسة منهم لاحقًا.
وقال مكتب العلاقات العامة للحرس الثورى إن ثلاثة من عناصر قوات «الباسيج» قتلوا وأصيب خمسة آخرون فى اشتباكات بمدينة غاشساران جنوب غرب البلاد. كما قُتل ضابط أمن طعنًا فى همدان، وقُتل نجل العميد الراحل نور على شوشترى فى مشهد، إضافة إلى مقتل عنصرين آخرين فى شوشتر بمحافظة خوزستان.
.. الأزمة، وتاليًا الحرب، وفى المحصلة عودة ما لشكل من أشكال الحرب الخطيرة الشاملة، الأسوأ، إنها قد تمتد لأكثر من المتوقع، إذ إن المؤشرات تدل على حرب على الأرض فى الداخل الإيرانى.. وهنا الكارثة.