مادبا تكتب ذاكرتها.. توقيع رواية ملحمة عالهامش ليوسف غيشان
الغد- أحمد الشوابكة
مادبا– في أمسية ثقافية حملت دلالات خاصة، واستعادت روح مادبا بوصفها مدينة حاضنة للذاكرة والسرد، شهدت قاعة مكتبة كون في وسط المدينة حفل توقيع رواية ملحمة عالهامش للزميل الكاتب الساخر يوسف غيشان، بتنظيم من الدائرة الثقافية في بلدية مادبا الكبرى، وبرعاية راعي الحفل رئيس لجنة بلدية مادبا الكبرى المهندس هيثم جوينات، وقدمه الروائي جلال برجس، وسط حضور جماهيري لافت امتلأت به القاعة، وضم مثقفين وكتابا وناشطين ووجوها اجتماعية، في مشهد أكد تعطش المكان للفعل الثقافي بوصفه مساحة جامعة للحوار والذاكرة.
وشهدت جدران المكتبة العتيقة تهافت الحضور على شراء نسخ من الرواية، في مشهد عكس شغفهم بالقراءة وثقة مسبقة بتجربة الكاتب يوسف غيشان، إذ عبر كثيرون عن يقينهم بأن غيشان يمتلك الجرأة في نقل الأحداث، والقدرة على مقاربتها بأسلوب تشويقي ساخر، يلتقط التفاصيل الصغيرة ويعيد صياغتها بحس نقدي وإنساني، يجعل القارئ مشدودا للنص حتى آخر صفحاته.
الرواية، كما أوضح غيشان، ليست وليدة لحظة كتابة متأخرة، بل تعود جذورها إلى مخطوط قديم دونه خلال فترة المراهقة الأولى على دفاتر مدرسية، قبل أن يعيد الاشتغال عليه بعد سنوات طويلة، موجها إياه إلى ذاته في مرحلة النضج.
ويشير المؤلف إلى أن هاجس الكتابة انطلق من خوف حقيقي من ضياع الذكريات أو تشوهها مع الزمن، ومن انزلاقها نحو التحريف بفعل الذاكرة المشتبكة مع الأحلام والمخيلة، فجاءت الرواية محاولة واعية لتثبيت لحظات إنسانية واجتماعية كما عاشها وسمعها، قبل أن يطالها النسيان.
وفي تجربته السردية، يعلن غيشان تمرده على القوالب الجاهزة، رافضا تقليد أساليب معروفة، ومفضلا ابتكار لغته الخاصة. وقد استثمر أحداثا واقعية جرت في مدينة مادبا، من دون أن يسميها صراحة في الرواية، في إشارة إلى أن ما يرويه لا ينحصر في مكان بعينه، بل يعكس ما يحدث في القرى والمدن العربية عموما، حيث تتشابه التفاصيل وتتكرر المفارقات الاجتماعية والإنسانية.
وتنطلق الرواية من حدث عزومة الأمير إلى مادبا، وما رافقها من مفارقات ومشاهد اجتماعية، يستعيدها الكاتب من ذاكرة الطفل الذي كانه، معتمدا على ما شاهده وسمعه، ليبني مشهدا أقرب إلى اللقطة السينمائية، تعج بالشخصيات المتعددة التي تتقاطع مصائرها بين الطرافة والمأساة.
ورغم اعتماد النص على وقائع حقيقية، إلا أن غيشان لا ينكر إدخال إضافات محدودة تخدم البناء الدرامي الساخر، من دون المساس بروح الحدث وصدقيته.
ويمتد هذا الاشتغال الفني إلى مشهد جنازة الشهيد نورس اليعقوب، وهي جنازة حقيقية أقيمت وفق الطقوس المسيحية، قبل أن تتحول في ختامها إلى تظاهرة ضد الصهيونية والاستعمار. وفي هذا المشهد، يمزج غيشان بين السخرية والتحليل الفلسفي للشخصيات المشاركة، ليصل إلى خلاصة تؤكد أن الألم لا يلغي الأمل، وأن الفعل الجمعي قادر على تحويل الحزن إلى موقف واع.
وخلال الحفل، تحدث الروائي جلال برجس عن تجربة يوسف غيشان الإبداعية، واصفا إياها بالتجربة المتفردة في المشهد الثقافي العربي، لما تتسم به من جرأة في المقاربة وصدق في التقاط التفاصيل اليومية، وقدرة على تحويل الهامشي والعابر إلى مادة سردية عميقة.
وأشار إلى أن غيشان لا يكتب السخرية بوصفها أداة للضحك فحسب، بل يوظفها كوسيلة كشف ومساءلة، تعري الواقع الاجتماعي والسياسي، وتضع القارئ أمام مرآة صادقة، وإن كانت قاسية احيانا.
وأضاف برجس أن رواية ملحمة عالهامش تشكل امتدادا عضويا لمشروع غيشان الكتابي، حيث تتقاطع الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجمعية، ويتحول المكان إلى بطل غير معلن، حاضر في تفاصيل النص حتى وإن غاب اسمه.
من جانبه، أكد راعي الحفل رئيس لجنة بلدية مادبا الكبرى المهندس هيثم جوينات أن البلدية تولي اهتماما واسع النطاق بالعمل الثقافي في المدينة وجوارها، انطلاقا من ايمانها بدور الثقافة في بناء الوعي الجمعي وتعزيز الهوية.
وأشار إلى أن مادبا شكلت عبر تاريخها حاضنة للفكر والإبداع، وخرج من رحمها العديد من المثقفين والمبدعين الذين تركوا بصماتهم في الثقافة الوطنية والعربية، أمثال العلامة روكس بن زايد العزيزي، والروائي الراحل غالب هلسا، وغيرهم كثيرون لا يتسع المقام لحصرهم. ولفت إلى أن دعم البلدية للمشاريع والمنافذ الثقافية يأتي في إطار رؤية تسعى إلى ترسيخ مادبا مدينة للثقافة والحوار، وفتح فضاءاتها أمام الكتاب والفنانين والمبدعين.
وتنتمي رواية ملحمة عالهامش بوضوح إلى الأدب الساخر، ذلك الأدب الذي لا يهرب من الجراح، بل يواجهها، ويحول المصائب والآلام إلى ضحكات مرة، تكشف البؤس وتفككه، وتعيد تقديمه بوصفه مهزلة سوداء قابلة للتأمل والمساءلة. أما عنوان الرواية، فيحمل بعدا رمزيا، اذ يستلهم ملحمة جلجامش، ذلك الصراع الأسطوري بين الأبطال والآلهة في الحضارات الأشورية والبابلية، ليعيد غيشان صياغته في ملحمة عالهامش، حيث يخوض الفقراء والمهمشون معركتهم اليومية مع واقع قاس، كاشفين عن طرق انتصارهم عليه أو تحايلهم الذكي للاستمرار في الحياة.
ولم يكن حفل التوقيع مجرد مناسبة لتقديم رواية جديدة، بل كان احتفاء بحالة ثقافية متكاملة، وبأدب قادر على تحويل الذاكرة الشخصية إلى شأن عام، وعلى جعل السخرية فعلا مقاوما للنسيان. وفي مادبا، بدت الكلمة مرة أخرى قادرة على جمع الناس حولها، والتأكيد أن الكتاب ما يزال يمتلك سطوته في زمن السرعة.
وقال الفنان نبيل صوالحة إن هذه الفعالية تبرهن القيمة الأرثية الثقافية والاجتماعية لمادبا، بوصفها نسيجا اجتماعيا قل نظيره، الأمر الذي يستدعي تكريس مفهوم ثقافة الجمهور والحضور، وتعزيز العلاقة بين المكان وفعله الثقافي المستمر.
من جهتها، اعتبرت الفنانة مكادي نحاس، وهي ابنة الأديب والروائي والسياسي الراحل سالم النحاس، أن مثل هذه الفعاليات تعيد الألق الثقافي الذي تتمتع به مادبا المدينة وجوارها، مؤكدة أن المسألة الإبداعية غير منتهية في هذه المدينة التي لطالما شكلت عنوانا للثقافة والفن والتنوع.
فيما أشار الكاتب والمحامي إسلام حيدر إلى التجانس الثقافي والاجتماعي الذي تتميز به مادبا، معتبرا أن هذا التنوع يشكل بيئة خصبة للإبداع، ويسهم في إنتاج خطاب ثقافي متوازن ومنفتح.
وحضر حفل التوقيع، الذي استهله صاحب مكتبة كون غيث حبوش بالترحيب بالحضور، رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء الأردنية بترا الزميل نبيل غيشان، إلى جانب نخبة من المثقفين والكتاب والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي، في مشهد عكس مكانة الحدث وأهميته في المشهد الثقافي المحلي.