عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Feb-2026

مخاطر قضم إسرائيل للضفة الغربية

 الغد

شيرا عفرون* - (إندبندنت عربية) 14/2/2026
 
تقوم الحكومة الإسرائيلية، تحت ضغط اليمين الاستيطاني، بتسريع خطوات تحويل الضم الزاحف للضفة الغربية إلى سياسة رسمية. وتفعل ذلك عبر توسيع المستوطنات، وشرعنة البؤر غير القانونية، وإضعاف السلطة الفلسطينية مالياً ومؤسسياً، وهو مسار يقوض حل الدولتين ويهدد بانهيار السلطة وانفجار أمني واسع، وينسف أي فرصة لاستقرار غزة أو إطلاق تسوية إقليمية مستدامة، ويعرض إسرائيل لعزلة دبلوماسية متفاقمة وكلف أمنية وإدارية باهظة على المدى الطويل.
 
 
***
لا يخلو الشرق الأوسط من التقلبات. في أعقاب الاحتجاجات التي شهدتها إيران، هددت واشنطن بشن ضربة عليها. وفي الوقت نفسه يستمر العنف في غزة على الرغم من وقف إطلاق النار، ويعيد "حزب الله" تسليح نفسه في لبنان، في حين تزعزع الصراعات الفصائلية استقرار سورية. لكن الجبهة التالية التي قد تنفجر ربما تكون تلك التي يعتبرها صانعو السياسات مسألة ثانوية: الضفة الغربية. منذ هجوم "حماس" في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، والهجوم العسكري الإسرائيلي اللاحق على غزة، شرعت الحكومة الإسرائيلية في حملة ضم بحكم الأمر الواقع. وتجلى ذلك بتكثيف وجودها العسكري في الضفة الغربية، وممارسة ضغوط مستمرة على السلطة الفلسطينية لإضعافها، وتسريع الموافقة على بناء وتوسيع المستوطنات اليهودية، وشرعنة البؤر الاستيطانية غير القانونية بأثر رجعي. وقد أصبحت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون شبه يومية.
ثم، في 8 شباط (فبراير)، وافق المجلس الوزاري الأمني برئاسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مجموعة استثنائية من الإجراءات التي تحول ضم الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع إلى سياسة بحكم القانون. وكان توقيت هذه الخطوة جريئاً للغاية، إذ سبقت زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض الأربعاء، 11 شباط (فبراير). وبموجب هذه الإجراءات ستخفف إسرائيل القيود المفروضة على بيع الأراضي للمستوطنين، وستتولى صلاحية تحديد كيفية استخدام الأراضي في المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين كانتا رسمياً تحت حكم السلطة الفلسطينية. وصرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأن الهدف هو "القضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية".
هذه الخطوة ليست سوى أحدث تطور في سلسلة تطورات أوصلت الضفة الغربية إلى شفا أزمة حادة. وفي الواقع، قد تصبح السلطة الفلسطينية عاجزة عن سداد ديونها خلال أشهر، مما سيؤدي إلى توقف تقديم الخدمات الأساسية لملايين الفلسطينيين، وإجهاض جهود التعاون الأمني مع إسرائيل التي حالت حتى الآن دون اندلاع اضطرابات واسعة النطاق. ويبدأ شهر رمضان هذه الأيام، وهو حدث يؤجج في العادة التوترات حول المسجد الأقصى في القدس الشرقية، المعروف لدى المسلمين بالحرم الشريف ولدى اليهود بجبل الهيكل. ومن يذكر أن التغييرات في أساليب الشرطة الإسرائيلية التي تضعف القيود المفروضة على السلوك الاستفزازي، إلى جانب غياب قنوات وساطة خارجية فعالة للمساعدة في تهدئة التوترات، تشكل خطراً حقيقياً يتمثل في أن الحوادث في المواقع المقدسة قد تشعل فتيل اضطرابات أوسع.
ليس وجود نقاط التوتر هذه من قبيل الصدفة، بل هو استراتيجية إسرائيلية. فقد جادل وزراء إسرائيليون نافذون منذ زمن طويل بضرورة دمج الضفة الغربية في فلك إسرائيل السياسي والإداري. وهناك بيان صدر في العام 2017 عن سموتريتش بعنوان "الخطة الحاسمة"، والذي وضع خريطة طريق لهذه الاستراتيجية: على إسرائيل أن تخلق واقعاً لا رجعة فيه على الأرض، يقضي على أي إمكان لإقامة دولة فلسطينية، ويجبر الفلسطينيين على قبول وضع التبعية الدائمة أو مغادرة الضفة الغربية.
منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، استغل سموتريتش وغيره من قادة اليمين الإسرائيلي ضبابية الحرب لتحويل هذه الرؤية إلى سياسة. وعلى الرغم من أن موقف نتنياهو أكثر غموضاً، حيث يصر مراراً وتكراراً على أن إسرائيل لا ترغب في تولي الحكم الكامل على الأراضي الفلسطينية، فإن بقاءه السياسي يعتمد على الناخبين القوميين المتدينين، مما يحد من قدرته وحافزه لكبح جماح القادة الساعين إلى الضم. ويتشبث كثير من المعتدلين الإسرائيليين والفاعلين الدوليين بافتراض مطمئن مفاده بأن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في وقت لاحق من هذا العام قادرة على إعادة ضبط نهج البلاد تجاه الضفة الغربية. لكن الاعتماد على مثل هذا التحول هو أمر بالغ الخطورة. فكثير من التغييرات التي طرأت خلال العامين الماضيين لا رجعة فيها، خاصة وأن المعارضة الإسرائيلية لم تقدم بديلاً واضحاً يحل محل الرؤية التي يتبناها دعاة الضم.
إذا استمر أنصار الضم في مسارهم من دون رادع، فإن أفعالهم التراكمية ستزيد من احتمالات تجدد الاضطرابات، وستستلزم تعبئة مستمرة لقوات الدفاع الإسرائيلية، وستعمق عزلة إسرائيل الدبلوماسية، وستجبر تل أبيب على تحمل أعباء الإدارة المدنية في الضفة الغربية، مهما ادعى نتنياهو رغبته بخلاف ذلك. كما سيقوض ذلك بصورة خطيرة تنفيذ خطة السلام التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، المؤلفة من 20 بنداً، والمعتمدة على عودة سلطة فلسطينية معاد إصلاحها لتولي إدارة القطاع. إن الأوضاع على الأرض تجعل استقرار القطاع مستحيلاً بالفعل، وتخلق الظروف المناسبة لتحويله إلى بؤرة تمرد مستحكمة بصورة دائمة.
تفكيك الضفة
تعمل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية وفق مجموعة من المبادئ غير المريحة -لكنها عملية- على غرار منع حركة "حماس" من السيطرة، واحتواء العنف من خلال العمل الاستخباراتي، والاعتماد على أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية كشريك (مهما كانت أوجه قصور هذه القوات) للحيلولة دون اندلاع تمرد منسق واسع النطاق. لأعوام قبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، ظل عدد القوات الإسرائيلية ووتيرة عمليات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية ثابتين نسبياً. ولكن بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، أعلن الجيش الإسرائيلي الحرب على "حماس" في كل مكان، فصعد مداهماته في الضفة الغربية ووسع نقاط التفتيش وفرض إغلاقات مؤقتة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك مخيمات اللاجئين. وقد أدت هذه العمليات إلى موجات نزوح جماعي، لكنها في الوقت نفسه عطلت مبدئياً شبكات المسلحين ومنعت وقوع هجمات إرهابية، ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى زيادة التنسيق الأمني بين الجيش الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية. ووفقاً للجيش الإسرائيلي، سجل العام 2023 نحو 397 هجوماً إرهابياً "كبيراً" في إسرائيل والضفة الغربية، بينما انخفض هذا العدد إلى 255 هجوماً في العام 2024، ثم إلى 54 هجوماً في العام 2025. وليس هذا إنجازاً بسيطاً، إذ إن إحباط الأعمال الإرهابية يشكل ركيزة أساسية من ركائز الأمن الداخلي الإسرائيلي.
ومع ذلك، تعمل بعض الجهات في الحكومة الإسرائيلية على تقويض هذه المكاسب الأمنية من خلال زعزعة استقرار الضفة الغربية وإضعاف المؤسسة ذاتها، السلطة الفلسطينية، التي ساعدت في منع اندلاع انتفاضة مستدامة. وفي طليعة الجهود الرامية إلى تغيير واقع الضفة الغربية تقف حركة الاستيطان الإسرائيلية التي شكلت سياسات الحكومة من خلال حشد كتلة تصويتية منضبطة، والضغط على وزراء أساسيين، وتعيين أعضائها في مناصب بيروقراطية محورية، وهو جهد بلغ ذروته بتعيين سموتريتش وزيراً للمالية ووزيراً مسؤولاً عن الإدارة المدنية في وزارة الدفاع في العام 2022، حيث يتولى مسؤولية كثير من جوانب التخطيط في الضفة الغربية. وبفضل نفوذها المتزايد واستفادتها من معارضة منقسمة ومثبطة، استغلت حركة الاستيطان حالة القلق لدى الإسرائيليين وانشغالهم بالأزمة في غزة لإعادة تشكيل الوضع القائم في الضفة الغربية من خلال برنامج طموح للغاية لإعادة هندسة الحيز الجغرافي.
وفقاً لمؤسسة "تمرور بوليتوغرافيا" البحثية التي تجمع بيانات حول السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، أشرفت هذه الحكومة الإسرائيلية على طفرة هائلة في توسيع المستوطنات في الضفة الغربية منذ العام 2023. وقد أصدرت في العام 2025 وحده عدداً من الموافقات على وحدات سكنية يكاد يبلغ ضعف ما صدر خلال العامين 2019 و2020. وتتجاوز هذه الطفرة الأخيرة بكثير المعدلات المعتادة المتراكمة خلال الأعوام العشرة الماضية، مما يشير إلى تسارع واضح في كل من الموافقات على المستوطنات الجديدة وشرعنة البؤر الاستيطانية غير القانونية بأثر رجعي.
ولا تؤدي هذه الخطوات إلى زيادة عدد الإسرائيليين المقيمين في الضفة الغربية فحسب، بل إنها تضعف أيضاً السلطة الفلسطينية يوماً بعد يوم وتحول الضفة جذرياً. وقد بدأت الحكومة الإسرائيلية في إنشاء ممرات سيطرة استراتيجية عن طريق توسيع حدود الصلاحيات البلدية، وإنشاء طرق جانبية بديلة، وربط البنية التحتية بين المستوطنات، مما يصعب على قوات الأمن الفلسطينية والقيادات السياسية بسط سلطتها على المدى القريب، ويقوض على المدى الطويل أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
من بين أوضح الأمثلة على هذه العملية كانت الجهود الرامية إلى ربط القدس الشرقية بالمستوطنة الكبيرة القائمة "معاليه أدوميم"، الواقعة على بعد سبعة كيلومترات إلى الشرق، وذلك من خلال بناء آلاف الوحدات السكنية، فضلاً عن البنية التحتية السياحية والصناعية. وقد عرف هذا المشروع باسم "إي1" (E1)، وطُرح للمرة الأولى في أواخر ستينيات القرن العشرين. إلا أن رؤساء وزراء سابقين امتنعوا، تحت ضغط دولي، عن المضي قدماً فيه بصورة جوهرية، إدراكاً منهم أنه سيؤدي فعلياً إلى فصل الضفة الغربية، ويقضي على أي فرصة أمام الفلسطينيين لبسط سلطتهم على منطقة متصلة جغرافياً هناك. لكن الحكومة الحالية سارعت خلال العام الماضي من تنفيذ مشروع "إي1". في آب (أغسطس) الماضي، وافق سموتريتش رسمياً على بناء 3.400 منزل في الممر، متباهياً صراحة بأن "الدولة الفلسطينية تُمحى من على الطاولة -ليس بالشعارات بل بالأفعال. وستكون كل مستوطنة، كل حي، وكل وحدة سكنية مسمارًا آخر في نعش" حل الدولتين.
وليس مشروع "إي1" استثناءً، بل هو نموذج أولي. فهناك منطق مشابه يقف وراء مشاريع البناء الجديدة وخطط تقسيم المناطق حول "غوش عتسيون" و"أريئيل" و"معاليه أدوميم": هذه المشاريع تهدف إلى تعزيز كتل السيطرة الإسرائيلية وتفتيت الأراضي الفلسطينية. وفي الوقت نفسه تنتشر البؤر الاستيطانية الصغيرة في جميع أنحاء الضفة الغربية. بعضها يبدو ظاهرياً مواقع للرعي، لكنها تخدم وظيفة سياسية لا لبس فيها من خلال الاستيلاء على الأراضي وجعل بسط السلطة الفلسطينية على مساحات واسعة نسبياً أمراً مستحيلاً.
بل إن الحكومة الإسرائيلية غيرت خطابها لمنح الشرعية لبؤر كانت تُعد على نطاق واسع غير قانونية. فهي تروج بصورة متزايدة لضرورة إنشاء "مزارع أمنية"، في محاولة لإعادة تسمية البؤر الاستيطانية غير المرخصة وتقديمها كأصول يُزعم أنها استراتيجية. وقبل أسبوع من كتابة هذه السطور فحسب، وفي كلمة ألقاه عبر الفيديو في "مؤتمر تقدير" للبؤر الزراعية غير القانونية، حضره سموتريتش ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أنه سيضفي الشرعية على نحو 140 بؤرة زراعية غير مرخصة في الضفة الغربية. وأشاد بالمستوطنين غير القانونيين واصفاً إياهم بـ"رواد عصرنا"، الذين "يضعفون جهود الفلسطينيين لترسيخ وجودهم في المنطقة". كما أشار نتنياهو أخيراً إلى دعمه الاعتراف الرسمي بهذه المواقع. وقد يكون هذا النوع من الاستيلاء على الأراضي أقل دراماتيكية من الضم الرسمي، ولكنه لا يقل عنه فعالية.
تصريح ضمني 
يواجه الفلسطينيون أيضاً تصاعداً حاداً في أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون إسرائيليون بصورة مباشرة، وهو نوع من العنف تحظى ممارسته بموافقة ضمنية من الحكومة الإسرائيلية. وقد ارتكب المستوطنون في العامين 2024 و2025 عدداً غير مسبوق من عمليات الحرق المتعمد وأعمال التخريب والاعتداءات الجسدية. ووفقاً لإحصاءات نشرها الشهر الماضي كل من الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك، (جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي)، ارتفعت هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين وضد قوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية بنسبة 27 في المائة بين العامين 2024 و2025. كما ارتفع عدد الحوادث الخطرة المصنفة كأعمال إرهابية بأكثر من 50 في المائة، كان معظمها متركزاً في بؤر ساخنة، مثل نابلس والخليل ومنطقة رام الله.
غير أن السمة الأشد خطورة في هذه الهجمات ليست وتيرتها، بل سماح الحكومة الإسرائيلية بحدوثها. كان تنفيذ القوانين التي تحظر عنف المستوطنين متذبذباً وغائباً في الغالب. وكانت التحقيقات في كثير من الأحيان محدودة أو معدومة. والملاحقات القضائية نادرة، ومعدلات الإدانة تبقى في حدود الأرقام الأحادية. ولا يرى الجيش الإسرائيلي أن من مهامه اعتقال المتطرفين اليهود، بينما تغض الشرطة، الخاضعة لسيطرة المحرض اليميني الذي أصبح وزيراً للأمن القومي، إيتمار بن غفير، الطرف عن الأمر. وفي الشهر الماضي، وللمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، أفادت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بوقوع عدد من الأعمال الإرهابية اليهودية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية يفوق عدد الأعمال الإرهابية الفلسطينية ضد اليهود هناك وداخل إسرائيل نفسها.
أسهمت القرارات المتخذة على أعلى مستويات الحكومة الإسرائيلية في منح مرتكبي هذه الأفعال سلطة أكبر. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، أعلن كاتس أن مكتبه سيتوقف عن استخدام الاعتقال الإداري ضد المستوطنين اليهود -وهو إجراء احترازي يسمح بالاحتجاز من دون توجيه تهمة، وغالباً ما يستخدم في حق الفلسطينيين، في إشارة إلى قبول الحكومة بعنف المستوطنين في وقت كانت فيه إسرائيل في أمس الحاجة فيه إلى إظهار مزيد من الردع تجاههم. وفي مقابلة في أواخر كانون الأول (ديسمبر) مع قناة "فوكس نيوز"، زعم نتنياهو أن الصحافة الدولية "بالغت" في تغطية ظاهرة عنف المستوطنين، وعزاها إلى سوء سلوك "نحو 70 فتى" جاؤوا من "أسر مفككة" من خارج الضفة الغربية. ولم يوضح نتنياهو مصدر بياناته، لكن إشارته إلى أن معظم المستوطنين لا يؤيدون مثل هذا العنف غير صحيحة: ففي استطلاع رأي أجرته جامعة رايخمان بين المستوطنين في حزيران (يونيو) 2025، وافق نحو نصف المشاركين في الاستطلاع على أن "المقاومة العنيفة من جانب اليهود ضد الفلسطينيين قد تكون مبررة حالياً"، بينما رأى ما يزيد قليلاً على الثلث أن هذا العنف يجب أن يعاقَب عليه.
الاستيلاء العدائي
على الرغم من انتهازيته السياسية، تجنب نتنياهو تاريخياً دفع السلطة الفلسطينية نحو الانهيار الكامل. فهو يدرك أن ما قد يوفره مثل هذا التحرك من مكاسب أيديولوجية قصيرة الأمد، ستكون كلفته على المدى الطويل باهظة. من دون السلطة الفلسطينية، ستضطر إسرائيل إلى تولي مسؤولية تقديم الخدمات المدنية، مثل الرواتب والصحة والتعليم والأمن، لملايين الفلسطينيين.
ولكن مع إعطائه الأولوية لبقائه السياسي، لم يعد نتنياهو يسيطر بالكامل على ملف الضفة الغربية، حيث يتولى سموتريتش وشركاؤه إدارته. وقد سعى هؤلاء عمداً إلى خنق اقتصاد الضفة وتقويض قدرة السلطة الفلسطينية على العمل بفاعلية، من خلال إبطاء الموافقات على مشاريع البناء الفلسطينية وتقييد قدرة الفلسطينيين على كسب رزقهم في إسرائيل. ومنذ أيار (مايو) 2025، أوقفت الحكومة الإسرائيلية تحويل عائدات الجمارك والضرائب إلى السلطة الفلسطينية -وبعض هذه التحويلات، وليس كلها، مقيد قانونياً، لأن السلطة الفلسطينية تقدم ما يسمى مدفوعات الشهداء للأسرى والمقاتلين وعائلاتهم.
والآن، أصبحت قدرة السلطة الفلسطينية تقتصر حالياً على دفع رواتب جزئية لموظفيها البالغ عددهم 150 ألفاً، بالإضافة إلى عدد أكبر من المتقاعدين والمتعاقدين. وانتقلت المدارس إلى نظام أربعة أيام في الأسبوع، مما حد من قدرة أولياء الأمور على العمل. كما جرى تقليص خدمات الرعاية الصحية وجمع النفايات، مما أدى إلى تدهور مستوى المعيشة.
تقود السلطة التنفيذية الإسرائيلية جهود الضم، لكن البرلمان الإسرائيلي ساعد أيضاً في محاولة خنق الضفة الغربية، مما يجعل التراجع عن هذه الجهود أكثر صعوبة بكثير. وعلى مدى العامين الماضيين، سعى الكنيست إلى سن تشريعات تُحكم قبضته المالية والاقتصادية والقانونية على الضفة الغربية بصورة منهجية، وتضعف السلطة الفلسطينية بصورة مباشرة. وبالإضافة إلى ذلك، قدم المشرعون حديثاً مقترحات تسمح للضحايا الإسرائيليين برفع دعاوى مدنية بأثر رجعي ضد السلطة الفلسطينية عن هجمات إرهابية سابقة، وهو ما قد يثقل كاهل السلطة إلى حد قد يتجاوز قدرتها على التحمل ويدفعها إلى الانهيار في حال إقراره.
تغيير المسار
تعاني السلطة الفلسطينية عيوباً عميقة وهشاشة شديدة. فقد أدت أعوام من الفساد، وإخفاقات الحوكمة، والعجز عن التفاوض مع إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية، إلى تقويض صدقيتها لدى الفلسطينيين. لكن إسرائيل في حاجة إلى سلطة فلسطينية أكثر فاعلية وليس إلى سلطة أكثر هشاشة. وكذلك هو الأمر بالنسبة إلى ترامب، حيث تنص خطته للسلام في غزة، المكونة من 20 بنداً، على أن السلطة الفلسطينية المعاد إصلاحها ستستعيد في نهاية المطاف السيطرة على غزة. ولا يمكن لعملية السلام أن تصمد إذا لم يكن لدى الفلسطينيين تمثيل سياسي شرعي وكفؤ ومستقر، وهو ما يعتمد حالياً على مؤسسات السلطة الفلسطينية، إن لم يكن على قيادتها الحالية. كما أن الجهات المانحة العربية والأوروبية التي يفترض أن تتولى مسؤولية إعادة إعمار غزة طالبت بمسار نحو حل الدولتين، وهو مسار لا يمر إلا عبر السلطة الفلسطينية. ولا يوجد حالياً بديل ذو صدقية يتمتع بشرعية قانونية وقدرة تنفيذية. وهكذا يقوّض الإجهاز على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تعافي غزة قبل أن يبدأ.
والفاعل الوحيد الذي لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية تجاهله هو ترامب. كما أن لشركاء إسرائيل العرب، وفي مقدمهم الإمارات العربية المتحدة، نفوذاً أيضاً. ويتعين على واشنطن وشركاء إسرائيل العرب، ولا سيما الإمارات والمغرب، ممارسة الضغط على إسرائيل لفرض قيود صارمة على الاستفزازات المرتبطة بشهر رمضان، والمساعدة في تنسيق الترتيبات الأمنية الخاصة برمضان مع الأردن.
إذا كانت واشنطن تريد منع فتح جبهة أخرى في الشرق الأوسط بينما تقف على أعتاب مواجهة مع إيران، فعليها أن تبذل جهداً أكبر بكثير لضمان ألا تقوم إسرائيل بتدمير السلطة الفلسطينية. وهذا يعني العمل مع إسرائيل على استعادة تحويل عائدات الضرائب، ومطالبتها بالتوقف عن سن تشريعات مناهضة للسلطة الفلسطينية، وإلزامها بتطبيق قوانينها ضد المستوطنين العنيفين. ومن شأن هذه الإجراءات الملموسة أن تزيل التهديدات الأكثر إلحاحاً لبقاء السلطة الفلسطينية.
لذلك، يجب اتخاذ خطوات فورية لوقف النهج الإسرائيلي المدمر في الضفة الغربية. ولا يتطلب تفادي انفجار الأوضاع هناك حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني برمته، بل يستلزم تدابير فورية لمنع التدمير المتعمد للمؤسسات الفلسطينية.
من جهة أخرى، يتعين على السلطة الفلسطينية أن تؤدي دورها من خلال تنفيذ إصلاحات سريعة وملموسة. وقد بدأت السلطة الفلسطينية بالفعل في تعزيز الشفافية في حوكمتها وشؤونها المالية، من خلال نشر مخططات الموازنة، والتفاعل مع المؤسسات المالية الدولية، والتعهد بإجراء تدقيق في البرامج المثيرة للجدل. كما أنها أبدت استعدادها لتقييد ما يُعرف بـ"مدفوعات الشهداء"، وشرعت في مراجعة مناهجها التعليمية للمرحلة الابتدائية بما يتوافق مع المعايير الدولية. وأعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أنه في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وللمرة الأولى على الإطلاق، ستجري منظمة التحرير الفلسطينية (الهيئة الجامعة التي تمثل الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم) انتخابات لمجلسها التشريعي، وهي خطوة مهمة نحو استعادة الصدقية. ويتعين على السلطة الفلسطينية تسريع هذه الإصلاحات وإضفاء الطابع المؤسسي عليها من خلال نشر تقارير تفصيلية للرأي العام، وإجراء تدقيقات خارجية لبرامج المدفوعات المثيرة للجدل، وإطلاق مبادرات شاملة لمكافحة الفساد وتعزيز شفافية المشتريات، وضمان مهنية أجهزتها الأمنية، وجعل العملية الانتخابية ذات صدقية، وتحسين تقديم الخدمات الأساسية على مستوى البلديات.
ركزت الجهود الأوروبية الرامية إلى إصلاح السلطة الفلسطينية على تعزيز قدرتها المؤسسية وترسيخ الحوكمة الرشيدة، وهو توجه في محله. إلا أنها تعتمد على أطر عمل معقدة. بدلاً من ذلك، ينبغي على واشنطن وشركائها العرب أن يقودوا المبادرة من خلال حزمة إصلاحات واضحة وبسيطة، متفق عليها بين الأطراف المعنية الرئيسة، بما في ذلك إسرائيل، ومدعومة بحوافز حقيقية.
فرصة أخيرة قبل فوات الأوان
في الواقع، تتيح الخطة التي وضعها ترامب لغزة فرصة لتحقيق استقرار اقتصادي في الضفة الغربية. هناك فرصة تاريخية لتعديل "بروتوكول باريس" المتقادم، الموقع قبل 30 عاماً، الذي يمنح إسرائيل السيطرة على تحصيل وتحويل عائدات الضرائب الفلسطينية، مما يعوق استقلال الاقتصاد الفلسطيني من خلال ربطه بسياسات إسرائيل التجارية وارتفاع كلف المعيشة، وهو بروتوكول لم يعد ملائماً لعالمنا الرقمي اليوم. كما يمكن لـ"مجلس السلام" الذي يشكله ترامب أن يجعل من الضفة الغربية مركزاً لوجيستياً رئيساً لإنتاج وتجميع المساعدات الإنسانية، وفي وقت لاحق، مستلزمات البنية التحتية. ولا يوجد أي مبرر استراتيجي يجعل إعادة إعمار غزة تثري جهات خارجية بينما يظل الفلسطينيون، بمن فيهم سكان الضفة الغربية، يعانون ركوداً اقتصادياً.
إن اتخاذ هذه الخطوات الفورية لا يعني الدفاع عن الوضع الراهن غير المستدام في الضفة الغربية، بل على العكس تماماً؛ إنها ضرورية لإنقاذ الخيارات المتاحة مستقبلاً. وما تفعله الحكومة الإسرائيلية هو تسريع لإغلاق جميع الخيارات بسرعة تفوق قدرة أي انتخابات على كبحها. في الشهر الماضي، طرحت الحكومة مناقصات بناء لآلاف المنازل في ممر "إي1"، وهو ما من شأنه أن يقسم الضفة الغربية إلى قسمين. وعلى الرغم من أن الإجراءات التي أقرت في الثامن من شباط (فبراير) الماضي قدمت على أنها ضرورات إدارية، فإنها تعزز بصورة كبيرة صلاحيات إسرائيل في الضفة الغربية، لا سيما من خلال تقويض جوانب أساسية من سيطرة السلطة الفلسطينية المدنية، بما في ذلك إدارة "قبر راحيل" في بيت لحم والموقع المعروف لدى اليهود باسم "مغارة البطاركة" ولدى المسلمين باسم المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، وهما مكانان مقدسان لدى اليهود والمسلمين والمسيحيين.
يبدو أن اليمين المتطرف في إسرائيل يعتقد أن تدمير الحوكمة الفلسطينية سيمنح إسرائيل مزيداً من القوة. لكنه، على النقيض من ذلك، خطأ فادح سيصبح مكلفاً ودموياً ومدمراً للذات، حيث سيسرع حلقات الاستياء والعنف. كما أن واشنطن ستخسر كثيراً إذا غضت الطرف عن الوضع في الضفة الغربية. سوف يقضي انهيار السلطة الفلسطينية على أي مسار ممكن نحو تحقيق الاستقرار الإقليمي والتسوية الفعالة لمرحلة ما بعد الحرب، وهما من الركائز التي اعتمدت عليها إدارة ترامب في جزء كبير من إرثها في السياسة الخارجية.
 
*شيرا عفرون: المديرة المتميزة لـ"منتدى السياسة الإسرائيلية" وزميلة رفيعة الشأن في "مؤسسة راند".
المقال مترجم عن "فورين أفيرز"، حيث نُشر 12 شباط (فبراير) 2026.