عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Jan-2026

فلسطين.. من نكبة الأرض إلى حرب الإبادة العرقية والثقافية

 الغد-عزيزة علي

أصدرت مجلة "الأهرام العربي" في عددها "1486"، ملفا خاصا بعنوان "إبادة الهوية: خرائط القتل والتجويع والتدمير الثقافي والتغييب السياسي". يتضمن "الإبادة الثقافية والسياسية عبر التاريخ والحاضر، ويستعرض مواضيع مثل: تجاهل الأمم المتحدة للإبادة الثقافية، استمرار قتل الفلسطينيين، معاناة الهنود الحمر، مأساة طرد الموريسكيين من الأندلس، إبادة الكتب، القتل جوعا، منع الطعام عن الأبرياء، معاناة الفلسطينيين اليومية، دور الشاعر محمود درويش في التعبير عن الهوية، والثقافة الروسية في سياق المحرقة الأوكرانية".
 
 
تقدّم مقدمة ملف "إبادة الهوية"، صورة للوضع في غزة بوصفه أحد أبرز نماذج الإبادة الإنسانية والسياسية المعاصرة.
 وتشير إلى أن شاحنات الغذاء والمساعدات، التي يُفترض دخولها بموجب اتفاقات وقف إطلاق النار، تُستخدم أداة ضغط من قبل الاحتلال الإسرائيلي على سكان القطاع، في محاولة لإيهام العالم بأن السيطرة الكاملة ما تزال بيده.
يوضح الملف أن الإبادة الجماعية باتت قضية مركزية في السياسات الدولية، وتُعد من الجرائم ضد الإنسانية، إذ تشمل القتل والتهجير والأفعال اللاإنسانية القائمة على أسس سياسية أو عرقية أو دينية.
 ويضيف نمطا ثالثا إلى الإبادة الجماعية والإثنية، هو إبادة الكتب، باعتبار المكتبات رمزا للذاكرة والتاريخ والهوية، مستشهدا بحرق الكتب في عهد هتلر وتدمير المكتبة الوطنية في سراييفو خلال الحرب، كنماذج لاستهداف الثقافة في حروب الإبادة.
ويتناول الملف الهجمات الإسرائيلية على التراث الفلسطيني، التي لم تقتصر على الأراضي المحتلة، بل امتدت إلى دول أخرى مثل لبنان، مستهدفة المكتبات والأرشيف والمواقع الأثرية.
 كما يشير إلى أن الممارسات الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023 اتسمت بوحشية غير مسبوقة، شملت تدميرا واسعا للمواقع التاريخية، في انتهاك صريح للاتفاقات الدولية التي تحمي التراث الثقافي أثناء النزاعات المسلحة.
كتب مدير تحرير المجلة، عزمي عبدالوهاب، عن التطهير العرقي واستمرار قتل الفلسطينيين، موضحا أن الاحتلال الصهيوني أسّس اقتصادا يهوديا حصريا، وأجبر الفلسطينيين على العمل كقوة عاملة رخيصة، بالتوازي مع محاولات طردهم من أراضيهم، في ظل تجاهل كامل لمطالبهم الشرعية في فلسطين.
يسلط الملف الضوء على خطة التطهير العرقي للفلسطينيين خلال مرحلة تأسيس دولة إسرائيل، مع التركيز على الأحداث التي سبقت عام 1948 وتلته. ومقترحات ترحيل الفلسطينيين إلى العراق وسورية، والضغوط التي مارسها الصهاينة على بريطانيا لدعم هذه الفكرة ضمن خطة تقسيم فلسطين.
مع اقتراب الحرب العالمية الثانية، تراجعت بريطانيا عن دعم التقسيم لكسب ثقة العرب، بينما واصل قادة الحركة الصهيونية، مثل وايزمان وبن غوريون، الترويج للترحيل والتطهير العرقي. وقد أيّد بن غوريون الترحيل القسري، واعتبر العرب "طابورا خامسا"، يستوجب الاعتقال أو التهجير، مع استخدام المجازر ونشر الذعر، ولا سيما في المناطق الحضرية.
وخلال حرب عام 1948، التي رافقت قيام دولة إسرائيل، شهد الفلسطينيون واحدة من أكبر موجات التهجير القسري في التاريخ الحديث، إذ طُرد نحو مليون فلسطيني، ودُمّرت مئات القرى، وارتُكبت مجازر بحق المدنيين، وكان "الترانسفير"، عنصرا أساسيا في الإستراتيجية الصهيونية.
في 10 مارس 1948، وضعت مجموعة من القادة الصهاينة والخبراء العسكريين خطة لتطهير فلسطين عرقيا، وصدرت أوامر ببدء التهجير المنهجي للفلسطينيين من مناطق واسعة.
 وتضمنت الخطة أساليب طرد قسري محددة، شملت نشر الرعب، ومحاصرة القرى وقصفها، وحرق المنازل والممتلكات، وهدم البيوت وزرع الألغام لمنع عودة السكان. كما جرى تحديد القرى والأحياء المستهدفة لكل وحدة عسكرية ضمن تنظيم دقيق.
كان الهدف هو تدمير المناطق الفلسطينية الريفية والحضرية تمهيدا لإقامة كيان يهودي حصري، مستغلا اقتراب نهاية الانتداب البريطاني. وخلال أشهر قليلة من تنفيذ الخطة، جرى اقتلاع أكثر من نصف السكان الأصليين من فلسطين.
 ويؤكد النص أن هذه الممارسات تمثل نموذجا واضحا للتطهير العرقي، وتُعد وفق القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية.
أما الخطة الكبرى للتطهير العرقي، فقد وُضعت فيما عُرف بـ"البيت الأحمر"، الذي شُيّد أصلا مقرا لمجلس العمال المحليين، ثم أصبح في أواخر عام 1947 مقر قيادة "الهاجاناه". ويشير المؤرخ إيلان بابيه إلى أن الاجتماعات التي عُقدت فيه رفعت شعارات ذات طابع ماركسي مثل "إخوة في السلاح"، "القبضة الفولاذية"، وترافقت مع صور تُمجّد "اليهودي الجديد"، المقاتل، في مواجهة ما وُصف بالغزاة العرب، بما يعكس الطابع العسكري والثقافي للصهيونية في تلك المرحلة.
أما المذبحة الثقافية تجلّت في تدمير 419 قرية ومدينة فلسطينية، قُتل أو شُرّد معظم سكانها، ما حوّل الغالبية العظمى من الفلسطينيين إلى لاجئين، بينما بقي نحو 150 ألف فلسطيني داخل ما أصبح يُعرف لاحقا بإسرائيل، وهو ما وفّر لبن غوريون تفوقا ديموغرافيا لصالح الدولة الجديدة.
اما مرحلة ما بعد التطهير العرقي فقد شهدت إبادة منهجية للتراث والثقافة العربية الفلسطينية، من خلال تهويد القرى والمدن وإعادة تسميتها، ومحو التاريخ العربي من الخرائط والتقارير وكتب التاريخ الرسمية. وخلال خمسينيات القرن العشرين سُمِح للجنود بنهب وتدمير المواقع المقدسة الإسلامية والمسيحية والمتاحف والسجلات، ما سهّل تنفيذ الإبادة الثقافية بعد عام 1948 نتيجة غياب السكان العرب.
واستمرت سياسات طمس الثقافة الفلسطينية ومنع ظهورها، حيث حظرت إسرائيل عام 2009 الاحتفالات باختيار القدس الشرقية عاصمة للثقافة العربية، ومنعت أي فعاليات مدعومة من اليونسكو، وجرّمت رفع العلم الفلسطيني أو الاستماع إلى الموسيقا الوطنية. إضافة إلى ذلك، صوّرت المناهج الدراسية الإسرائيلية العرب بصورة سلبية، مقابل تمجيد الدور اليهودي، فيما حُرم فلسطينو الداخل من المشاركة في تأليف مناهجهم التعليمية رغم كتابتها باللغة العربية.
اعترف الجنرال الإسرائيلي موشيه دايان بأن القرى اليهودية بُنيت على أنقاض القرى العربية، حتى اختفت أسماء هذه القرى من كتب الجغرافيا، مؤكدا أن كل مكان في البلاد كان يسكنه العرب سابقا.
في عام 2010، أظهر تقرير شبكة الجزيرة ومقابلة مع باحث إسرائيلي أن القوات الإسرائيلية نهبت ودمرت عشرات الآلاف من كتب فلسطين بعد إعلان تأسيس الدولة، ضمن خطة تهويد ممنهجة لطمس الهوية الفلسطينية وبتر السكان العرب عن تاريخهم وثقافتهم، ما اعتُبر مذبحة ثقافية.
تعرضت المكتبات والأرشيف الفلسطيني لهجمات متكررة، ليس فقط داخل إسرائيل والمناطق المحتلة، بل أيضا في دول أخرى مثل لبنان. وفي 2002، أصدرت جمعية المكتبة الأميركية بيانا تعرب فيه عن أسفها لتدمير المصادر الثقافية، لكنها اختفت بعد الإشارة إلى أن الحكومة الإسرائيلية هي المسؤولة عن هذا التدمير.
إن المشروع الصهيوني، سواء كان علمانيا أو دينيا، يقوم على إلغاء الآخر وإبادته، ولا يتحقق إلا بإزاحته من أرضه، وهو ما عبّر عنه تيودور هرتزل حين شبّه إقامة المشروع بهدم بناء قديم لإقامة آخر جديد.
دخل إنكار وجود الشعب الفلسطيني كان جزءا أساسيا من الخطاب الصهيوني، إذ صرّح حاييم وايزمان بأن فلسطين "أرض بلا شعب، لشعب يهودي بلا وطن"، بينما أنكرت جولدا مائير وجود شعب فلسطيني أصلا، مدعية أنهم لم يُهجَّروا ولم تُغتصب أرضهم.
يوضح إيهاب الحضري أن إسرائيل منذ نشأتها مارست هجمات متكررة على المواقع التاريخية، لكن اعتداءات أكتوبر 2023 اتسمت بوحشية أكبر، مع إبادة جماعية للمواقع والمنشآت الأثرية رغم الاتفاقيات الدولية التي تحمي التراث أثناء النزاعات المسلحة.
تقديرات اليونسكو تشير إلى تدمير 69 موقعا أثريا كليا أو جزئيا، لكن الواقع أكبر بكثير، إذ شملت الأضرار آثارا رومانية وبيزنطية وإسلامية ومسيحية، إضافة إلى متاحف ومخازن أثرية تضم مئات الآلاف من القطع، ما يشير إلى كارثة حضارية كبيرة.
وحسب إحصاءات رسمية بريطانية عام 1944 أحصت 130 موقعا أثريا في غزة، إلا أن الاعتداءات المتكررة قلّلت العدد إلى 83 موقعا بحلول 2020، ومع حرب أكتوبر 2023 استهدف معظمها تدمير كلي أو جزئي.
تشير الدلائل على أن الحرب الأخيرة دمرت عشرات المواقع الأثرية والفنية في فلسطين، وأن الإحصاءات السابقة لم تكن دقيقة أو شاملة، بل كانت مجرد عينة بسيطة مقارنة بالواقع الفعلي على الأرض، ما يعكس حجم الكارثة الثقافية والحضارية الحقيقية التي تعرض لها التراث الفلسطيني.