عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Mar-2026

تصنيع حرب أهلية لبنانية

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
روبرت إنلاكيش* - (مينت برس نيوز) 17/3/2026
بعد فشلها في تدمير "حزب الله" اللبناني، تبدو تل أبيب متحمسة لاستخدام الحكومة اللبنانية الحالية الموالية للولايات المتحدة في بيروت لمحاربة جماعة المقاومة الأكبر والأفضل تسليحًا والأكثر شعبية.
 
 
بعد أن تفاجأت بشدة الهجمات الانتقامية التي شنّها "حزب الله" اللبناني عليها، يبدو أن إسرائيل تتجه نحو زرع فوضى داخلية داخل حدود لبنان، في محاولة لإشعال حرب أهلية كارثية. وقد يكون انقلاب مُحتمل ضد قيادة الجيش اللبناني هو الشرارة التي تُشعل ذلك.
في بداية شهر آذار (مارس)، أصابت كثافة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقها "حزب الله" على أهداف عسكرية إسرائيلية تل أبيب بالمفاجأة. ومع ذلك، سارعت وسائل الإعلام الكبرى في الغرب إلى بناء سردية تهدف إلى التقليل من شأن قدرات جماعة المقاومة اللبنانية وتحميلها المسؤولية عن تجدد الأعمال العدائية. ونشرت "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي. بي. سي) عنوانًا يقول: "حزب الله"، المنهك والمعزول، يجر لبنان إلى حرب أخرى".
ولكن، وعلى الرغم من ذلك، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية سريعًا في تفكيك فكرة أن "حزب الله" قد هُزم بعد أن بدت كثافة هجماته وأنها تفوق ما كانت عليه في مواجهات سابقة. وقال مسؤول أمني إسرائيلي سابق رفيع لصحيفة "يديعوت أحرونوت" إن "الحكومة تبيع أوهامًا للجمهور"، في إشارة إلى رواية الحكومة الإسرائيلية عن إلحاق الهزيمة بـ"حزب الله".
كما أقرّ أحد أبرز مراكز الأبحاث الإسرائيلية، وهو "مركز مئير عميت للاستخبارات والإرهاب"، بأن "’حزب الله‘ اتخذ منذ وقف إطلاق النار في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 خطوات تمكّنه من التعافي من ضربات الحرب السابقة".
وكتب رافيد دروكر في صحيفة "هآرتس"، منتقدًا فشل الحكومة في إضعاف "حزب الله" بما يكفي: "لقد وعد بنيامين نتنياهو وإسرائيل كاتس وإيال زامير بإزالة تهديد ’حزب الله‘ بالكامل ونزع سلاحه. وكما قد تتذكرون، فشلت إسرائيل في نزع سلاح ’حماس‘، وهي أضعف (من حزب الله، على مدى عامين".
وبدلًا من ذلك، جادل دروكر بأن الخيار الاستراتيجي الأذكى هو القبول بعرض الحكومة اللبنانية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
تحول كبير في السياسة اللبنانية
في أعقاب وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، شهدت السياسة اللبنانية تحولًا كبيرًا.
تم اختيار جوزيف عون رئيسًا للبلاد، بينما تولى نواف سلام (القاضي السابق في "محكمة العدل الدولية") منصب رئيس الوزراء؛ وكلاهما من الخيارات المفضلة لدى الولايات المتحدة.
وخلال الأشهر الخمسة عشر التالية، ارتكبت إسرائيل 15.400 انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار، في أعمال أدت إلى مقتل مئات اللبنانيين -بل وتوسيع احتلالها العسكري لأراضٍ لبنانية. وخلال هذه الفترة، ركّز رئيس الوزراء، سلام، جهوده على تنفيذ خطة أميركية لنزع سلاح "حزب الله"، والتي وصل الأمر حتى إلى إقرارها في مجلس الوزراء اللبناني في آب (أغسطس) 2025.
في الرد على ذلك، رفض الأمين العام لـ"حزب الله"، الشيخ نعيم قاسم، فكرة تسليم الحزب سلاحه، معتبرًا أن ذلك سيجرّد لبنان من قدرته على مقاومة التوسع الإسرائيلي وتهديداته بتحقيق "إسرائيل الكبرى".
بدلًا من ذلك، دعا قائد "حزب الله" الحكومة إلى القيام بواجبها المتمثل في طرد المحتلين الأجانب. وعند إعلان دخوله الحرب في وقت سابق من هذا الشهر، أوضح "حزب الله" أنه منح الحكومة 15 شهرًا للتعامل مع مسألة الهجمات الإسرائيلية اليومية على الأراضي اللبنانية، لكن صبره نفد.
وفي خطوة أثارت المزيد من انتقادات الرأي العام اللبناني، قال سلام لشبكة (سي. إن. إن) إن "السلام سيؤدي إلى التطبيع" مع إسرائيل، معربًا عن أمله في أن يحدث ذلك "غدًا، وليس بعد غد".
وعلى الرغم من محاولاته احتواء ردود الفعل بالقول إن تصريحاته أُخرجت من سياقها، فإن ما أثار الجدل لم يكن تخليه عن "حل الدولتين"، وإنما إعلانه الرغبة في التطبيع في وقت يشهد صراعًا.
خلال فترة وقف إطلاق النار، تفاخر مسؤولون في إدارة ترامب مرة تلو المرة بنفوذهم الإقليمي، في ما أثار موجات من الغضب. وفي مقابلة أُجريت معه في أيلول (سبتمبر) الماضي، سخر المبعوث الأميركي توم باراك من فكرة السماح للجيش اللبناني بالدفاع عن أراضيه ضد إسرائيل، وقال إن واشنطن تسلّحه "ليحارب شعبه".
الشرارة
عندما أطلق "حزب الله" النار على إسرائيل في وقت سابق من هذا الشهر، سارع رئيس الوزراء اللبناني إلى مهاجمة الجناح السياسي للحزب، واعتبر الهجمات على الأهداف الإسرائيلية "غير قانونية". وبموجب سلطته، ومع تعرض العاصمة اللبنانية للقصف، وافقت الحكومة على حظر جميع الأنشطة العسكرية لـ"حزب الله".
لكنّ العقبة أمام إصدار أوامر باستخدام القمع العنيف تمثلت في قائد الجيش اللبناني الحالي، الذي قاوم الضغوط الرامية إلى استهداف القوى التي تقاوم العدوان الإسرائيلي. وتشير التقارير إلى أن القائد رودولف هيكل لا يسعى إلى نزع سلاح "حزب الله" قبل انتهاء الحرب. بل إن الجيش اللبناني أعلن مشاركته في إحباط محاولة إسرائيلية للتسلل إلى وادي البقاع من خلال عملية إنزال مروحي، ما أدى إلى استدعاء قائد الجيش.
بسبب مواقفه، تصاعدت الضغوط من الولايات المتحدة وفرنسا وبعض العرب لإقالة القائد هيكل. لكنّ هذا التوجه قوبل بالرفض من داخل قيادة الجيش التي حذّرت من أن عواقبه قد تزعزع استقرار البلاد.
في الآونة الأخيرة، أعلن رئيس الوزراء سلام والرئيس عون عن مبادرة لإطلاق محادثات مباشرة غير مسبوقة مع إسرائيل، في حين اقترحت فرنسا خطة تتضمن اعتراف بيروت بإسرائيل. كما دعا السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، الذي يتمتع بنفوذ على الرئيس الأميركي، إلى إقالة قائد الجيش اللبناني.
في حال وقوع انقلاب من هذا النوع على قيادة الجيش، فقد يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب أهلية جديدة داخل البلاد -وربما إلى تفكك القوات المسلحة اللبنانية.
منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين إسرائيل ولبنان، نزح أكثر من 800 ألف مدني من مدنهم وقراهم، في وقت أطلقت فيه إسرائيل مؤخرًا غزوًا بريًا للبلاد.
وتُقدّر القوات البرية لـ"حزب الله" بنحو 100 ألف مقاتل، بينما يبلغ عدد الجيش اللبناني نحو 80 ألفًا فقط. كما أنه لا يُسمح للجيش اللبناني بامتلاك أسلحة استراتيجية، وهو يؤدي دورًا أقرب إلى قوة شرطة داخلية، نتيجة للقيود التي تفرضها الولايات المتحدة. ومن غير المرجح أن يبقى الجيش اللبناني متماسكًا إذا طُلب منه مهاجمة "حزب الله"، ويُعتقد أن نسبة كبيرة من عناصره تتعاطف مع الجماعة التي تقاوم العدوان الإسرائيلي.
على الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية، يُرجّح أن نسبة المسلمين الشيعة داخل الجيش اللبناني تتراوح بين 25 و50 في المائة، وهم من الطائفة نفسها التي ينتمي إليها "حزب الله". ومن العوامل الأخرى المؤثرة ولاءات القوى العشائرية، خاصة في منطقة البقاع، التي قاتلت تاريخيًا إلى جانب كل من "حزب الله" والجيش اللبناني في الدفاع عن حدود البلاد.
ولكن، على الرغم من كل هذه العوامل، تبدو تل أبيب حريصة على استخدام الحكومة اللبنانية الحالية الموالية للولايات المتحدة لمحاربة "حزب الله" نيابة عنها، من دون أن تأخذ النتائج المحتملة في الحسبان.
 
*روبرت إنلاكيش Robert Inlakesh: محلل سياسي وصحفي وصانع أفلام وثائقية مقيم حاليًا في لندن. عمل وغطّى الأحداث من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويقدّم برنامج "ملفات فلسطين". وهو مخرج فيلم "سرقة القرن".
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Failing to Destroy Hezbollah, Israel Seeks to Spark a Lebanese Civil War