عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Jan-2026

كتاب جديد يقدم قراءة نفسية للنقوش العربية الشمالية الصفائية

 الغد-عزيزة علي

 يقدم كتاب "التفسير النفسي لمفردات النص في النقوش العربية الشمالية الصفائية: (نقوش عربية شمالية من بادية الصفاوي) دراسة وتحليل"، للباحث الأردني زياد عبد الله طلافحة، الصادر بدعم من وزارة الثقافة، مقاربة علمية جديدة لدراسة النقوش الصفائية، تنطلق من تحليل لغوي ونفسي يسعى إلى فهم البنية الذهنية والاجتماعية للإنسان العربي الشمالي في عصور ما قبل الإسلام.
 
 
ويعالج الكتاب النقوش بوصفها وثائق ثقافية وإنسانية تعبر عن أنماط العيش، والبنية القبلية، والبيئة الرعوية، والتصورات الفكرية والوجدانية لأصحابها، متجاوزاً المنهج الوصفي التقليدي إلى قراءة تفسيرية تربط النص بسياقه النفسي والاجتماعي والتاريخي. ويأتي هذا العمل ليسهم في إثراء الدراسات العربية القديمة، ويعيد النظر في صورة المجتمع البدوي من خلال شواهده النقشية الأصيلة.
الكتاب يتناول مجموعة من الموضوعات المتنوعة، من أبرزها دراسة كيفية تعلم أبناء القبائل العربية كتابة النقوش على الصخور، والأسباب التي دفعتهم إلى ذلك، والطرائق التي اتبعوها في ممارسة هذا الفعل الكتابي. كما يركز على التفسير النفسي لمفردات النص في النقوش العربية الشمالية الصفائية، من خلال مقاربة تتجاوز القاعدة التقليدية في دراسة النقوش، وتسعى إلى تقديم تعليل نفسي لها قدر الإمكان.
ويعالج المؤلف ضمن عناوين متعددة: "بنية النص النقشي، لام الملكية، النسب، فلسفة الأسماء، التفاخر بالأنعام، الكرم، النخوة، الحب، الغناء والموسيقى، التدين، نظرتهم إلى الموت وتعبيراته، الخوف من الشانئ، الأفعال القلقة والهادئة، التحذير من إتلاف النقش، الأخذ بالثأر، إضافة إلى الغارة والسبي".
وجاءت المقدمة بعنوان: "هل كان العرب قبل الإسلام بدواً رحّلاً أم أصحاب مدنية وحضارة؟"، إذ يشير المؤلف إلى أن بعض الباحثين يرون أن القبائل العربية ومن جاورها تعود إلى أصل واحد، إلا أن من حولهم تحضروا فيما ظل العرب يغلب عليهم الطابع البدوي، رغم تحضر سكان مناطق مثل الفرات ووادي النيل.
وسواء صح هذا الرأي أم لم يصح، فإن العرب تأخروا حضارياً عمن جاوروهم، وعاش معظمهم حياة القبائل الرحّل التي لا تستقر في مكان واحد، ولا ترتبط بالأرض ارتباطاً دائماً كما يفعل الزراع.
ويبين المؤلف أن العرب كانوا يترقبون مواسم الغيث، فينطلقون بما يملكون من ماشية وإبل بحثاً عن المرعى، من دون جهد عقلي منظم في تهيئة البيئة الطبيعية أو إدارتها، على خلاف المجتمعات الحضرية، إذ اعتمدوا على ما تجود به الأرض والسماء؛ فإن هطل المطر رَعَوا، وإن شح انتظروا القدر.
وكانت هذه الحياة البدوية هي السائدة في الجزيرة العربية وبادية الشام، حيث انقسم البدو وأشباههم إلى قبائل، شكلت القبيلة الوحدة الاجتماعية الأساسية التي قام عليها نظامهم المعيشي بأكمله.
ويبين طلافحة أن معظم الدارسين للنقوش العربية الشمالية اتفقوا على بداوة المجتمع العربي الشمالي، في حين عدّه بعضهم من أشباه البدو. وتكشف بعض النقوش عن ممارسة محدودة لأنشطة زراعية، غير أن ذلك لم يؤد إلى التخلي الكامل عن نمط الحياة البدوية. كما تُظهر آلاف النقوش ارتباطهم الوثيق بالبيئة الصحراوية الرعوية، وهي السمة الغالبة على حياتهم، بما يؤكد بداوتهم وتنقلهم الدائم أو الموسمي، واعتمادهم أساساً على الرعي وتربية الماشية.
ويعود ذلك إلى بدايات هجراتهم الأولى من الجزيرة العربية إلى بادية الشام، حيث تأقلم الإنسان العربي مع البيئة الزراعية الرعوية، ولا سيما أن أرض الحماد كانت ملائمة لتربية الماشية. وكان البدوي يقايض سكان المدن المجاورة لحوم ماشيته وغيرها من المنتجات. 
ولو قورنت النقوش العربية القديمة بالوثائق الحضرية المعاصرة المعروفة في تراث شمال الجزيرة العربية، سواء تلك القادمة من تدمر أو البترا أو الحضر، أو من مدن الهلال الخصيب الداخلية، لتبين التباين الواضح بينها؛ إذ تعكس النقوش العربية الصفائية عقلية البدو وأنماط حياتهم المختلفة، فهي نقوش بدوية دوّنها أفراد القبائل التي جابت بادية الشام في الفترة الرومانية حياةَ ترحال وتنقل.
ويرى المؤلف أن هذه النقوش تتضمن ذكراً للقبائل التي ينتسب إليها أصحابها، فهي تمثل تراثاً قبلياً عاماً لا يقتصر على قبيلة واحدة، وتنتشر في البادية بوصفها موطن البدو. ويتسم طابعها العام بالبداوة، كما أنها نُقشت على الصخر، ولم يُعثر عليها مكتوبة على الطين أو البردي، وهما مادتا الكتابة الشائعتان لدى الحضر آنذاك، ولا حتى على الأنصاب الحجرية.
وتعكس موضوعاتها ونصوصها عقلية البدوي، وتبرز مقومات تفكيره وملامح حياته اليومية. فنحن لسنا أمام مملكة أو حكومة مدنية كالأنباط أو تدمر، بل أمام قبائل عربية عديدة امتهنت الرعي والغزو. 
وكانت هذه القبائل تقضي فصلي الربيع والشتاء في مناطق الصفا وقلعة الأزرق وجبل سيس ووادي راجل ووادي غرز، ثم ترتحل صيفاً بقطعانها إلى المنحدرات الشرقية من حوران، بحثاً عن الماء والكلأ لرعي ماشيتها التي شكلت مصدر رزقها الرئيس. وقد اتسم أفراد هذه القبائل بنزعة قوية إلى تخليد ذواتهم وتسجيل ذكرياتهم، فدونوا آلاف النقوش التي عبرت عن حنينهم لمن يحبون، وتضرعهم ودعائهم للآلهة طلباً لشفاء مرضاهم وقضاء حوائجهم، بصيغ التماس نقشت على الصخور والأحجار البركانية في المواقع التي استوطنوها مؤقتاً.
وفي ضوء ذلك، يمكن الحديث عن نقوش بدوية خالصة؛ إذ يرى المؤلف أن هذه الخطوط تمثل خط عرب البادية في الشام، أو قبائل عربية ذات جذور يمنية استوطنت صحراء الشام، وتعكس حياة البدوي بكل أبعادها القبلية والاجتماعية والاقتصادية. فالرعي والصيد والغزو والحرب تشكل المحاور الرئيسة لمعظم ما دوّنوه من كتابات وأفكار، بما يؤكد أن هذه الخطوط هي بالفعل خط القبائل العربية في بادية الشام.
ويرى طلافحة أن الطابع العام لهذا المجتمع يقوم على النظام القبلي، الذي يتزعمه شيخ القبيلة ويعاونه أبناؤه وأفرادها في الحرب والسلم، وفي الحل والترحال. ولذلك يحرص أصحاب النقوش على ذكر أسماء قبائلهم، وقد تجاوز عدد القبائل التي جرى توثيقها من خلال النقوش المكتشفة حتى الآن مائة وثلاثين قبيلة. وبناء على ما تقدم من عرض لحياة هذه الجماعات.
وخلص المؤلف إلى أنها قبائل بدوية متنقلة وليست متحضرة، إذ لم يُعثر حتى اليوم في البوادي والبيئات الصحراوية على آثار تدل على قيام مدن أو قرى تؤكد استقرارها وتحضرها، ولا حتى على ضفاف وادي راجل في البادية الأردنية، التي بدت خالية تماماً إلا من بعض القبور والرجوم العالية، وهي من عاداتهم وتقاليدهم المرتبطة بنظرتهم العامة إلى الموت.