عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Feb-2026

خديعة إسرائيل في حرب الأيام الاثني عشر مع إيران*د.عثمان الطاهات

 الدستور

سعت إسرائيل إلى توريط الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة عسكرية مع إيران، غير أن وصول دونالد ترمب إلى السلطة ترافق مع قناعة راسخة لديه برفض الانخراط في حروب طويلة ومكلفة وفي ظل هذا التوجه، لم تكن الولايات المتحدة ولا الدول الغربية مقتنعة، في تلك المرحلة، بحجم القوة الصاروخية التي تمتلكها إيران، ولا بقدرتها الفعلية على تهديد الغرب برمته أو إلحاق خسائر جسيمة بدوله ومصالحه.
 
أمام هذا الواقع، حاولت إسرائيل توجيه رسائل حاسمة إلى الغرب، تهدف إلى إبراز خطورة القدرات الصاروخية الإيرانية والتأكيد على أنها تشكل تهديدًا استراتيجيًا متناميًا يتجاوز حدود الإقليم حيث  شنت إسرائيل حربًا على إيران العام الماضي، عرفت بـ حرب الأيام الاثني عشر وبدت أقرب إلى خديعة محسوبة سعت من خلالها إلى إعادة رسم صورة التهديد الإيراني في الذهن الأميركي والغربي، ودفعهم إلى إعادة النظر في سياساتهم ومقارباتهم تجاه طهران.
 
منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، اعتمدت إسرائيل أسلوبًا تدريجيًا في ضرباتها الجوية، متجنبة التصعيد الشامل، وهو ما فتح المجال أمام رد إيراني محسوب بدوره فقد بدأت طهران بإطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ ذات قدرات تدميرية محدودة وصلت بعضها إلى الأراضي الإسرائيلية وبعضها لم يصل  لكنها لم تحدث أثرا استراتيجيًا يذكر إذ تمكنت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية من اعتراض معظمها هذا المشهد الأولي عزز ظاهريا، الرواية الإسرائيلية القائلة بتفوقها الدفاعي وقدرتها على احتواء أي رد إيراني.
 
غير أن هذا التطور لم يكن سوى الفصل الأول من المشهد فإيران، التي أدركت منذ البداية أبعاد الخديعة الإسرائيلية، تعمدت ضبط إيقاع ردها العسكري إلى أن بلغت الضربات الجوية الإسرائيلية مستوى ألحق أضرارا مؤلمة بالبنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية عند هذه النقطة وجدت طهران نفسها مضطرة إلى الانتقال من الرد الرمزي إلى الرد المؤثر، مستخدمة صواريخ أكثر تطورًا، بما فيها الصواريخ الفرط صوتية، التي اتجهت مباشرة نحو أهداف إسرائيلية حساسة.
 
وقد شكّل هذا التحول نقطة مفصلية في مسار الحرب، إذ أصابت الصواريخ الإيرانية، بحسب ما أظهرته الوقائع، أهدافها بدقة عالية وألحقت دمارًا ملحوظًا، الأمر الذي كشف عن قدرات صاروخية متقدمة لا يمكن الاستهانة بها وهنا تحديدًا تحقق الهدف الإسرائيلي غير المعلن بإقناع الولايات المتحدة والغرب بأن إيران، خلال عامين أو ثلاثة، قد تتحول إلى قوة صاروخية لا يمكن لأي منظومة دفاعية احتواؤها، وقادرة على تهديد مصالح حيوية، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في نطاق أوسع يشمل السواحل الشرقية للولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين.
 
هذا السيناريو، الذي سعت إسرائيل إلى ترسيخه في الذهن الغربي، بدأ ينعكس بوضوح على المواقف السياسية والعسكرية الأميركية فقد شهدت المرحلة الحالية تحركات أميركية مكثفة، تمثلت في حشد حاملات الطائرات وتعزيز الوجود العسكري في المنطقة، في رسالة ضغط واضحة موجهة إلى إيران. ويأتي ذلك في وقت تقوده فيه الولايات المتحدة إدارة برئاسة دونالد ترمب، المعروف بتحفظه تجاه الانخراط في حروب طويلة قد تستنزف القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية.
 
فترمب، رغم تصعيده الخطابي، يدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران قد تجر الولايات المتحدة إلى مستنقع استراتيجي، يضعف قدرتها على التركيز على التحدي الأكبر الذي تراه واشنطن ماثلًا أمامها، وهو الصين بوصفها المنافس الأول على قيادة النظام الدولي في المرحلة المقبلة ومع ذلك، فإن الخديعة الإسرائيلية نجحت، إلى حد بعيد، في إعادة إيران إلى صدارة جدول التهديدات، وفرضت على الولايات المتحدة إعادة حساباتها، ولو على مستوى الردع والاستعداد العسكري.
 
في المحصلة، لم تكن حرب الأيام الاثني عشر مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل كانت معركة سرديات ورسائل استراتيجية، استُخدمت فيها القوة لإقناع الحلفاء قبل الخصوم وبينما خرجت إسرائيل برواية عززت من مخاوف الغرب، أثبتت إيران أنها تمتلك أوراق قوة قد تجعل أي صدام مقبل أكثر كلفة وتعقيدًا، ليس للمنطقة فحسب، بل للنظام الدولي بأسره.