عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Apr-2026

بعد إسبانيا وإيطاليا.. هل ينفرط عقد التحالفات الأوروبية مع الكيان المحتل؟

 الغد

عواصم - قبل عدة أيام، وقفت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني أثناء جولتها في معرض "فينيتالي" الدولي للنبيذ بمدينة فيرونا الإيطالية، لتعلن أن حكومتها قررت تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل، التي تشمل تبادل المعدات العسكرية والأبحاث التكنولوجية بين القوات المسلحة في البلدين، والتي شكَّلت لسنوات إطاراً لعقود دفاعية كبرى، من بينها صفقات حصلت بموجبها إسرائيل على مروحيات إيطالية.
 
 
 وسبقت إيطاليا إسبانيا التي أعلن رئيس وزرائها بيدرو سانشيز، أول من أمس، أن بلاده ستطلب من الاتحاد الأوروبي فسخ اتفاق الشراكة مع إسرائيل التي "تنتهك القانون الدولي".
 وأضاف سانشيز في تجمع انتخابي بإقليم الأندلس: "ستقدّم الحكومة الإسبانية اقتراحاً إلى أوروبا يهدف إلى فسخ اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل" المبرَم عام 2000.
 وعن الأسباب قال: "إن حكومة تنتهك القانون الدولي لا يمكن أن تكون شريكاً للاتحاد الأوروبي"، في إشارة إلى حكومة بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في غزة. علاقات متوترة وتأتي هذه التصريحات في ظل علاقة متوترة بين إسبانيا ودولة الاحتلال، إذ تُعَد إسبانيا من أشد المنتقدين للحملات العسكرية في إيران ولبنان، رغم تهديدات الولايات المتحدة بمعاقبة أعضاء حلف شمال الأطلسي غير المتعاونين.
وصعّد سانشيز أخيراً خطابه السياسي ضد إسرائيل، إذ عارض العمليات العسكرية للاحتلال في إيران ولبنان، مؤكداً ضرورة عدم مرور هذه الانتهاكات "دون محاسبة".
 وأغلق سانشيز المجال الجوي الإسباني أمام أي طائرة تشارك في هذا الصراع الذي وصفه بأنه متهور وغير قانوني.
الموقف الإسباني جُوبه بحملة شرسة قادتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي المتطرفة؛ فقد ندد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بالحظر الذي فرضته مدريد على الطائرات والسفن التي تنقل أسلحة إلى الكيان من موانئ إسبانيا أو مجالها الجوي بسبب العمليات العسكرية التي يخوضها الكيان، واصفاً إياه بأنه عمل "معادٍ للسامية".
تصعيد دبلوماسي
والشهر الماضي، اتخذت إسبانيا خطوة أخرى في التصعيد الدبلوماسي بعد إعفاء سفيرتها لدى دولة الاحتلال من مهامها، وهو ما يعني فعليا خفض العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى قائم بأعمال، في ظل توترات بين الجانبين.
وفي أيلول (سبتمبر) الماضي، صدر مرسوم ملكي إسباني بفرض حظرا شاملا على تزويد إسرائيل بالأسلحة، وفي ذات الشهر اعتمدت اسبانيا قرارا، يتضمن 9 مواد لفرض عقوبات على دولة الاحتل، وأجّلت المواد المتعلقة بحظر الأسلحة الكامل وغيرها من المسائل العسكرية "لأسباب فنية وقانونية".
وبشأن رئيسة وزراء إيطاليا فقد قالت أنه "في ضوء الوضع الراهن قررت الحكومة تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع مع إسرائيل"، تصريحات ميلوني تقطع خيطا امتد لأكثر من عقدين، وتضع حكومة يمينية أوروبية، كانت حتى أسابيع قليلة تُعدّ من أقرب حلفاء تل أبيب في القارة، في موقع غير معتاد بالنسبة لها.
وفي الوقت الذي قرأت فيه الدوائر السياسية الأوروبية الخطوة بوصفها إشارة إلى تصاعد الضغوط الداخلية على الحكومات الغربية في ما يتعلق بعلاقاتها العسكرية مع تل أبيب، فقد جاء القرار الإيطالي عقب تصاعد الانتقادات الداخلية، بعد استهداف الجنود الإيطاليين ضمن قوات اليونيفيل (UNIFIL) الرابضة في جنوب لبنان، وتزايد الضغوط البرلمانية والإعلامية لمراجعة صادرات السلاح، في ظل التزامات قانونية تُقيِّد توريد الأسلحة إلى مناطق النزاع.
وبين التقليل من أهمية الخطوة الإيطالية من جانب دولة الاحتلال والتفسير الأوروبي والدافع الإيطالي، يطرح القرار سؤالا يتجاوز حدوده الإجرائية، هل نحن أمام خطوة رمزية عابرة، أم بداية إعادة تعريف للعلاقة الدفاعية بين إيطاليا ودولة الاحتلال، وربما بين أوروبا كلها والدولة العبرية؟ 
في امتداد لهذا المسار، لا يقتصر تناقض الخطاب الإيطالي على طبيعة صفقات السلاح بين إيطاليا ودولة الاحتلال، بل يمتد أيضا إلى توقيت القرار نفسه؛ إذ لم يأتِ تعليق المذكرة استجابة لتصاعد الكلفة الإنسانية للحروب غير الإنسانية التي تقودها دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل عقب استهداف قافلة إيطالية، ما يعكس تحركا مدفوعا بحسابات السيادة والأمن القومي، أكثر منه تحولا سياسيا أو أخلاقيا مرتبطا بانتهاكات جيش الاحتلال المستمرة، سواء في غزة أو في دول الجوار.
لهذا تحديدا، لاقى القرار في الداخل الإيطالي انتقادات واسعة، بوصفه خطوة ملتبسة ومترددة؛ إذ برز في الجلسة البرلمانية التي أعقبت الإعلان تيار معارض رأى أن الإشكال لا يكمن في محدودية الإجراء فحسب، بل أيضا في توقيته وطريقة تقديمه؛ فالمذكرة لم تُعلَّق بينما كانت صور الدمار في غزة تتراكم يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر، بل فقط بعد أن طال التصعيد لبنان ومَسَّ مباشرة القوات والمصالح الإيطالية. وزاد من حدة هذا الانطباع، أن الإعلان نفسه لم يصدر من داخل البرلمان، بل على هامش معرض للنبيذ في فيرونا، فيما بدا، في نظر المعارضة، مؤشرا على غياب الجدية السياسية في التعامل مع قرار بهذا الثقل.
يعني ذلك أن تعليق المذكرة لم يكن قرارا حكوميا خالصا، بقدر ما كان استجابة متأخرة لضغوط تراكمت على مدى أشهر. فالمعارضة، من يسار الوسط إلى اليسار الراديكالي، كانت تدفع في هذا الاتجاه، بل ونحو خطوات أبعد وحين صدر القرار أخيرا، جاء بصيغة ملتبسة وفي صورة إعلان هامشي، ما منح خصوم الحكومة مادة إضافية للنقد، ليس فقط على مستوى المضمون، بل أيضا على مستوى الجدية السياسية.
وفي هذا السياق، تبدو خطوة جورجيا ميلوني أقرب إلى معادلة سياسية محسوبة: تقليل الكلفة إلى الحد الأدنى، مقابل احتواء أكبر قدر ممكن من الضغط الداخلي، خاصة بعد تعرُّض ميلوني لانتكاسات سياسية 
وقد تكون ميلوني قد اتخذت خطوة محسوبة لتقليل الضغط السياسي، لكنها في الوقت ذاته قيدت هامش حركتها المستقبلية".
والسؤال الأخير: هل إيطاليا حالة أوروبية منفردة هنا؟ الإجابة الأولية "لا"، لأن موجة مراجعة العلاقات الدفاعية مع الاحتلال تمتد عبر أوروبا، من بريطانيا التي علَّقت عشرات تراخيص التصدير، إلى إسبانيا التي أقرَّت حظرا قانونيا على تجارة السلاح لتل أبيب، إلى فرنسا التي قيَّدت حضور شركات السلاح الإسرائيلية في معرض باريس الجوي.
غير أن ما يميز الحالة الإيطالية أنها صادرة عن حكومة يمينية، في وقت يتعمق فيه تقارب دولة الاحتلال مع أطراف أخرى من اليمين الأوروبي، ما يعني أن هذا اليمين ليس كتلة واحدة في علاقته بدولة الاحتلال، بل مجموعة حسابات محلية متباينة تُنتج مواقف متناقضة تبعا للضغوط الداخلية والمصالح الاقتصادية والموقع الجغرافي.-(وكالات)