حينما نمرر التنازل الأول.. كيف يتشكل التحول بشخصياتنا؟
الغد-ديمة محبوبة
أحيانا لا تكون لحظة لافتة، ولا موقفا يستحق التوقف عنده، فلا يشعر الفرد بأن شيئا انكسر أو تغير. إذ كانت تفصيلا صغيرا في يوم عادي، مر بهدوء ثم اختفى. لكنها تكون بابا فتح لأول مرة ولا يغلق في كثير من الأحيان. فـ "أول مرة سكتنا بينما أردنا الكلام، أو تجاهلنا شعورا داخليا لأننا لم نعرف كيف نفسره، أو قبلنا بأقل مما كنا نراه طبيعيا لأن الظرف بدا مناسبا، فمن دون إعلان أو وعي كامل، بدأ التنازل".
في بعض الأوقات يربط الفرد التحولات الكبرى بالأحداث الكبيرة كخسارة واضحة، صدمة، أو قرار مصيري، لكن اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي يشير إلى أن المسار مختلف للتغيير ويكون أكثر هدوءا وأطول أثرا، فالمسار يبدأ بتصرف صغير يبدو عقلانيا في لحظته، ثم يتكرر حتى يتحول إلى نمط، ومن نمط إلى جزء ثابت من طريقة العيش.
توضح المرشدة النفسية والتربوية رائده الكيلاني، أن الإنسان لا يغير ذاته دفعة واحدة، بل يتدرب على التنازل، ففي المرة الأولى، لا يشعر الشخص أنه يفرط في نفسه، بل أنه يتكيف مع الواقع أو يتصرف بنضج، والمشكلة أن النفس تتعلم من هذه اللحظة، وتعيد إنتاجها لاحقا من دون مراجعة".
وتؤكد، "في أول مرة اخترنا الصمت، لم يكن ذلك بدافع الضعف، بل غالبا كان قرارا محسوبا فالنقاش لن يفيد، أو الطرف الآخر لن يفهم، أو التوقيت غير مناسب. فالصمت بدا أكثر أمانا من المواجهة".
ويشرح الدكتور حسين خزاعي، أن الصمت في بدايته سلوك اجتماعي مفهوم، فالناس تصمت للحفاظ على العلاقات، أو لتجنب صراع غير مضمون النتائج، لكن الخطورة، تبدأ عندما يتحول الصمت من أداة مؤقتة إلى أسلوب دائم للتعامل مع العالم.
مها (34 عاما)، تتذكر أول مرة لم تعترض فيها على قرار أخذ عنها في العمل، فقالت لنفسها "الوقت غير مناسب".
وتضيف تكرر الأمر مرارا وكانت ردة فعلها ذات الشيء، حتى بات طبيعيا، وبعد عدة مرات وجدت أن دورها تقلص من دون أن ينتبه أحد، حتى باتت ردة فعلها معروفة "فهي لن تحدث شيئا فقط ستصمت".
توضح الكيلاني أن الشعور لا يختفي عندما يتجاهله الفرد، لكن يتراجع خطوة إلى الخلف، موضحة، "ففي المرة الأولى التي أشعر فيها بعدم ارتياح وسماه البعض بأنه "حساسية زائدة"، أو الشعور بالحزن واعتبره البعض "إرهاقا عابرا"، فبدأ بناء مسافة بينه وبين إشاراته الداخلية".
وتشير الكيلاني إلى أن هذا التجاهل غالبا ما يكافئ اجتماعيا، فالشخص الذي لا يتوقف عند مشاعره ينظر إليه على أنه قوي وعملي، لكن هذا المديح يخفي ثمنا داخليا يتراكم مع الوقت، ومع التكرار يفقد الإنسان ثقته في حدسه، ويبدأ بالاعتماد فقط على التبرير العقلي.
كريم (41 عاما) يتحدث عن شعور خفيف بعدم الارتياح في بداية زواجه، مؤكدا لم يكن سببا واضحا، فقط إحساس بأن شيئا غير مستقر وحاول تجاهله لأنه لم يكن منطقيا بما يكفي.
بعد أعوام انتهت العلاقة بالطريقة التي كان يشعر بها منذ البداية، الإشارة كانت موجودة، لكنه لم يعتبرها كافية، وهي كانت حد فاصل.
ويبين أنه في بداية زواجه، كانت زوجته تمازحه أمام الجميع وتقلل من قيمته، كان يشعر بالانزعاج وإذا تحدث بالأمر معها، كانت تقلل منه وأنه كالأطفال يحزن من المزاح، ما جعله يحاول أن يخفي غضبه واستياءه حتى وصل لطريق مسدود معها وحصل الطلاق.
يبين خزاعي، أن القبول بأقل لا يحدث دفعة واحدة، ويحدث عندما يخفض السقف قليلا، ثم يعتاد الفرد على الارتفاع الجديد، أقل في التقدير، في الاحترام، في الوقت، أو في المساحة الشخصية، في البداية، يبدو الأمر مرونة أو واقعية، لكن ما تقبله مرة يصبح معيارا لما سيعرض على الفرد لاحقا.
ويرى خزاعي أن المشكلة ليست في القبول المؤقت، بل في غياب العودة إلى السقف الأصلي، فالمجتمع يعلم الناس كيف يتدرجون في الطموح، لكنه لا يعلمهم كيف ينتبهون إلى التنازل التدريجي.
وتذكر ليلى قصتها فتقول "قبلت في بداية حياتي المهنية بمنصب أقل من مؤهلاتي على أساس أنه مؤقت، وكنت مقتنعة أن الكفاءة ستعيدني إلى مكاني ولم يحدث ذلك مع الوقت حتى أصبح هذا الدور تعريفي المهني".
وتؤكد بالبداية لم تشعر بألم كبير، مخففة عن ذاتها بأنها مرحلة وستمر وهي مؤقتة، لكن عندما باتت النتائج تتراكم، ومن حولها بين لها هذا مكانها وغير ذلك كانت لن ترضى به، هنا عرفت كم هي أسأت إلى نفسها، حسب قولها.
وتوضح الكيلاني، أن العقل يميل إلى الاستمرارية ما دام السلوك لا يسبب خسارة فورية، يتم اعتماده وتكراره، بينما يشير خزاعي إلى دور الثقافة العامة التي تمجد الصبر والتكيف أكثر مما تمجد التوقف والمراجعة.
ويوضح أن من المهم التمييز بين التنازل بوصفه اختيارا واعيا، والتنازل بوصفه انزلاقا غير ملحوظ، فالأول قد يكون نضجا أو حكمة ظرفية، أما الثاني فهو فقدان تدريجي للبوصلة. ويضيف أن المشكلة لا تكمن في "أول مرة" بحد ذاتها، بل في عدم الانتباه لها بوصفها نقطة تحول محتملة.
وأخيرا يؤكد أن هذا التفكيك لجملة "أول مرة"، لا يدعو إلى حياة صدامية أو رفض دائم، بل إلى وعي أدق بالتفاصيل الصغيرة التي تشكل مسار الحياة. فالكثير مما يعشيه الفرد لاحقا، من علاقات وأدوار وخيارات، لا يبدأ بقرارات كبرى، بل بلحظة هادئة مرت من دون انتباه. وبلحظة بدت عابرة، لكنها كانت أول خطوة في طريق طويل من التنازلات التي تعلمها من دون أن يشعر.