عالم ترامب: من فنزويلا إلى إيران إلى غرينلاند.. الجنون هو المنهج
الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
افتتاحية - (الغارديان) 15/1/2026
يبدو الرئيس الأميركي سعيدًا بتناقضه. لكن انتصاراته الآنية وقصيرة الأمد تفرض كلفًا عميقة وطويلة الأمد على بلاده -وعلى العالم.
ليلة الأربعاء، الرابع عشر من كانون الثاني (يناير)، كان الشرق الأوسط مشدودًا ومسكونًا بالتوقع. لكنّ مناشدات قدمتها دول الخليج القلِقة للرئيس الأميركي ومحاولات إيرانية لاسترضائه بدا أنها أحرزت نجاحاً -في الوقت الراهن على الأقل. لم تتساقط القنابل على طهران. وبعد كل تهديداته، ومع تداول الخيارات العسكرية في واشنطن، تراجع دونالد ترامب خطوة إلى الوراء، معلنًا أن "القتل (بحق المتظاهرين في إيران) قد توقف".
على الرغم من التعتيم على الاتصالات، بدا واضحًا أن نظامًا قاسيًا لا يرحم في البلد أراق من الدماء هذه المرة أكثر مما فعل في حملات قمع احتجاجات سابقة. وتقول منظمات حقوقية إن الآلاف من المتظاهرين قُتلوا وإن أعدادًا هائلة منهم تعرضوا للاعتقال. وتحدث أحد المسؤولين عن 2.000 قتيل. وشبّه شهود عيان الشوارع في البلاد بساحة حرب. وإذا كانت عمليات القتل واسعة النطاق قد انحسرت فعلًا، فقد حدث ذلك على الأرجح لأنه تم إخراج الإيرانيين من الشوارع بالإرهاب والرعب -في الوقت الراهن على الأقل. وقد اختار وزير الخارجية الإيراني قناة "فوكس نيوز" ليؤكد عدم وجود إعدامات وشيكة، تحسّبًا لأي التباس بشأن هوية الجمهور المستهدف المكوّن من شخص واحد هو المقصود بالرسالة. ولكن، في حين أنه ربما يكون قد تم تأجيل الإجراءات الانتقامية، فإنه لم يتم إلغاؤها -كما ينبغي أن تكون طبيعة الأمور. بعد كل شيء، تظل الدعوات إلى إسقاط النظام تُعد تهديدًا وجوديًا. السلطات الإيرانية تستطيع الانتظار. والسيد ترامب سيمضي إلى ملف آخر.
حتى مع تراجع خطر التدخل العسكري المتهور في إيران -ولو مؤقتًا- أصبح الضوء مسلطًا على الأخطار التي تواجه غرينلاند مع وصول قوات أوروبية إليها جوًا يوم الخميس. وكانت الاجتماعات في واشنطن قد فشلت في ردم "الخلاف الجوهري" بشأن مستقبلها، حيث كرر الرئيس ترامب إعلانه بأن الولايات المتحدة "تحتاج" إلى غرينلاند بشدة، في حين حذّر وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، من أن الرئيس ما يزال عازمًا على "غزو" الجزيرة.
أما فنزويلا فقد أزيحت إلى الخلفية -مؤقتًا- ووُضعت على نار هادئة بعد أن نال السيد ترامب مجد انتصاره باختطاف نيكولاس مادورو بصورة غير قانونية. لكنه سبق أن حذّر كوبا وكولومبيا والمكسيك من أنها قد تكون التالية. وبطريقة منذرة ومثيرة للقلق، خلص الرئيس الذي كان في السابق مناهضًا للتدخلات إلى أن المغامرات الخارجية أقل كلفة مما كان يتوقع، وأكثر جلبًا للمكاسب. وهو يأمل أن تنجح سياسة التهديد والاستعراض وصرف الانتباه في الخارج كما نجحت في الداخل.
كانت "نظرية الرجل المجنون" المنسوبة إلى ريتشارد نيكسون تقوم على أن من شأن تصويره كشخص متقلب وغير قابل للسيطرة سيكون من شأنه أن يُبقي الخصوم في حالة انضباط. لكنّ نيكسون كان يمتلك إطارًا استراتيجيًا واضحًا وأهدافًا محددة. وبينما لا يمكن قول الشيء نفسه عن السيد ترامب، سيكون من الخطأ اعتباره غير عقلاني. فبعد كل شيء، غالبًا ما كان حذرًا بشأن العمل العسكري على الرغم من تهديداته قوية اللهجة. إنه ليس مضطرًا إلى التنفيذ في كل مرة؛ ويكفيه أن يعرف الناس أنه قد يفعل. لكنّ دوافعه (الاستيلاء على الموارد، والبهاء الإمبراطوري، والانتقام، والـ"تفوق الحضاري" وتمجيد الذات) تبقى مثيرة للقلق، كما أن مفهومه للنصر قصير الأمد ومتمركز حول الأنا، والنزوة تتحكم ببلاطه. وهو يستمتع أيضًا بإرباك حتى دائرته الضيقة.
كما أشار مؤخرًا أحد أبرز محللي الشأن الإيراني، انتقلت صناعة السياسات من عملية واضحة، تداولية واستراتيجية، إلى بيروقراطية تُستنفَر استجابة لتعليقات رئاسية مرتجلة. وأصبح السيد ترامب "ما بعد مادورو" أكثر جرأة -وأكثر قابلية لسوء الحساب. وثمة دلالة لافتة في حقيقة أن خصوم إيران الإقليميين كانوا عاملًا رئيسيًا في كبحه عن توجيه ضربة إلى البلد الجار خشية زعزعة استقرار المنطقة، أو تعزيز إسرائيل، أو ربما ظهور نظام أكثر تشددًا في طهران.
في خطابه السنوي أمام الجيش الفرنسي يوم الخميس، تحدث إيمانويل ماكرون عن عالم وحشي "استيقظت فيه قوى زعزعة الاستقرار"، مع ظهور "منافسين (لم تكن أوروبا) تتوقع أن تراهم". ولم يكن في حاجة إلى ذكر أسماء. ليست الأزمة الدائمة مجرد سببٍ ونتيجةٍ لترامب. إنها في الحقيقة منهجه أيضًا.
*نشر هذا المقال الافتتاحي تحت عنوان: Trump’s world: from Venezuela to Iran to Greenland, the madness is the method