عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-Mar-2026

بين الوعي والاندفاع.. هل يقع المواطن ضحية الخدع التسويقية المضللة؟

 الغد-رشا كناكرية

 بين رفوف محال تجارية، ارتفعت أسعار بعض السلع، خصوصا مع إقبال كثيرين على الشراء والتخزين جراء الأوضاع الإقليمية الراهنة، قبل أن تعود الأسعار تدريجيا إلى مستوياتها الطبيعية.
 
 
ووفق مختصين، فإن هذا التذبذب ما هو إلا "خدع تسويقية" يلجأ إليها بعض التجار لتحفيز حركة البيع وزيادة الإقبال في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة، حيث تهافت البعض وراء الشراء، فيما فضل آخرون التريث وتجنب الانجرار.
الحاج أبو محمد (62 عاما) يبين أنه قام بشراء الاحتياجات الأساسية لمنزله، بعد كمية الفيديوهات التي شاهدها لمحال تجارية تتحدث عن نفاد الكمية، وتردد عبارة "يا بتلحق يا ما بتلحق".
ويذكر أبو محمد أنه اشترى الشمع والطحين، وفانوسا كذلك قبل نفاده، على حد قوله، خوفا من ألا يجدها في الأسواق عند الحاجة، تحت بند "الاحتياط واجب"، رغم شكوكه بخدع التجار، لكنه لم يرد أن يندم لاحقا.
بينما الشاب محمد (36 عاما)، لم ينجر وراء هذه الخدع التسويقية، مبينا أن بعض التجار "استغلاليون"، وأن فترة كورونا أوضحت هذا الأمر، فالكمامة والقفازات التي كان سعرها 20 قرشا في الأيام العادية، أصبحت تباع بدينارين، وكان الناس يشترون منها. ويؤكد ضرورة عدم الانجرار مرة أخرى وراء هذه التصرفات من التجار، مبينا أنه لن يشتري إلا ما يحتاجه فعلا من دون "تكديس" للمواد.
بينما هيثم (33 عاما) لا يرى خطأ وراء الإقبال على الشراء، ويقول "اللي ما بحسب ما بسلم"، مبررا بذلك الإقبال الكبير الذي تشهده الأسواق. وبين الإقبال والتردد، يبقى السؤال الأبرز، كيف يمكن للمواطن أن يحمي نفسه من هذه الممارسات، ويتخذ قرارات شرائية أكثر وعيا في ظل تقلبات السوق؟
التأثير على سلوك المستهلك
من جانبه، يبين الخبير الاقتصادي الاجتماعي حسام عايش، أنه من المفترض أن يكون المواطن اليوم أكثر وعيا وخبرة، بعد مروره بسلسلة من الأزمات، بدءا من جائحة كورونا مرورا بالحرب الروسية، والحرب على غزة، وصولا إلى التطورات الإقليمية الراهنة.
ويوضح أن هذه التجارب أثبتت أن السلع والمنتجات تبقى متوافرة في الأسواق، وأن المستهلك قادر على أن يكون لاعبا مؤثرا في تحديد الأسعار.
ويشير عايش إلى أن أي تلاعبات ترويجية أو إيحاءات بوجود نقص في السلع، سواء بسبب الحرب أو اضطراب سلاسل الإمداد أو ارتفاع الأسعار أو المخاطر الجيوسياسية في بعض الممرات البحرية، قد تستغل للتأثير على سلوك المستهلكين لأسباب عدة. أولا، بهدف زيادة المبيعات من جهة، ورفع الأسعار نتيجة ارتفاع الطلب من جهة أخرى، أو لتعويض فترات تراجع الإنفاق.
تجار يلجأون لـ"تغذية" حالة القلق
ووفقا لذلك، يؤكد عايش أنه ينبغي على المواطنين أن يكونوا على وعي بمثل هذه الممارسات التي تستهدف مشاعرهم ومخاوفهم، إذ غالبا ما تبنى على التلويح بندرة السلع أو الإيحاء بأن الشراء المبكر يوفر المال، وهو ما يدفع بشكل غير مباشر إلى التخزين المفرط، ويغذي حالة القلق، وقد يصل بالبعض إلى سلوكيات قريبة من الهوس في تأمين الاحتياجات.
وتندرج هذه السلوكيات ضمن سياق أوسع من عدم اليقين، بحسب عايش، إلا أن التعامل الرشيد يقتضي أن يكون المواطن أكثر تحوطا لا أكثر تخزينا، وأن يركز على الاحتياجات الأساسية من دون الانجرار وراء شراء كل ما يخشى تأثره.
فمن غير الممكن لأي دولة أو اقتصاد أن يوفر جميع السلع لكل المواطنين في كل الأوقات، خاصة في أوقات الأزمات، وبالتالي من الطبيعي تقبل احتمال نقص بعض السلع أو اللجوء إلى بدائل.
قرار الشراء وفقا لحاجة فعلية
وينصح عايش المواطن بإعادة تنظيم السلة الاستهلاكية، وذلك من خلال تقليل الإنفاق على الكماليات أو ما يمكن الاستغناء عنه، بما يحقق وفرا ماليا، ويسهم في إتاحة السلع للآخرين، إذ يجب أن يقوم قرار الشراء على تقييم فعلي للحاجة، لا على الخوف أو تقليد الآخرين أو التأثر بالضغوط التسويقية.
والأهم، بحسب عايش، أن يدرك الفرد مصدر مخاوفه، وأن يتجنب اتخاذ قرارات استهلاكية مبنية على ردود الفعل أو الهواجس، مبينا أن الأزمات إن وقعت ستؤثر على الجميع، ولا يمكن لفرد أو مجموعة أن تكون بمنأى عنها، ويقول "إن التفكير القائم على النجاة الفردية فقط يتنافى مع منطق التكافل المجتمعي".
وفيما يتعلق بتأثير ارتفاع الأسعار، يفسر عايش أن التحوط لا يقتصر على تخزين السلع، بل يشمل أيضا الاحتفاظ بسيولة مالية، إذ قد تبرز احتياجات طارئة لا يمكن تلبيتها إلا بالنقد، لذا يجب تحقيق توازن بين الإنفاق على السلع والاحتفاظ بالسيولة.
ارتفاعات للسلع قد تكون "مفتعلة"
ويبين أن التماهي مع ارتفاع الأسعار يسهم في زيادتها، نتيجة ارتفاع الطلب، ما يؤدي إلى أعباء إضافية سواء في الإنتاج المحلي أو الاستيراد، ويرفع من معدلات التضخم، وما يرافقها من آثار اقتصادية كارتفاع أسعار الفائدة، وبهذا قد يجد المستهلك نفسه يتحمل كلفة مضاعفة نتيجة استجابته لارتفاعات قد تكون مفتعلة.
ووفقا لذلك، يؤكد عايش أن المشكلة لا تكمن في ارتفاع الأسعار أو انخفاضها بحد ذاته، بل في طريقة التفكير وإدارة الاحتياجات، فالتوازن مطلوب للتحوط، لكن من دون إفراط في التخزين الذي يجمد السيولة وقد لا يكون ذا جدوى لاحقا.
وعلى صعيد السياسات، يشير عايش إلى أن فترات ارتفاع الأسعار تمثل اختبارا حقيقيا لمنظومة الرقابة وحماية المستهلك، ما يتطلب جاهزية عالية وتدخلا فعالا من الجهات المعنية، سواء الحكومية أو البلدية أو مؤسسات المجتمع المدني.
تفعيل قنوات التواصل بين المواطنين والجهات الرقابية
وهنا تبرز أهمية التركيز على الأولويات، بحسب عايش، وتجنب الهلع، والاستفادة من دروس الأزمات السابقة، مثل جائحة كورونا، من خلال إجراءات تنظيمية كضبط الأسعار مؤقتا، أو تخفيض الضرائب على بعض السلع الأساسية، إضافة إلى توسيع دور المؤسسات في توفير أسواق بديلة بأسعار مناسبة.
ويشدد عايش على ضرورة تفعيل قنوات التواصل بين المواطنين والجهات الرقابية للإبلاغ عن أي ممارسات احتكارية أو تلاعب في الأسعار أو ترويج مضلل.
وينوه عايش إلى أن تعزيز الإنتاج المحلي وتقوية القدرات اللوجستية يسهمان في تقليل الاعتماد على الاستيراد، ويدعمان الاقتصاد الوطني، ويعززان استقرار السوق في مواجهة الأزمات.
الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول
بدورها، تشير خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم إلى أن البعد الاجتماعي يبرز كعامل حاسم في تفسير سلوك الأفراد، في ظل ما شهدته الأسواق مؤخرا من ارتفاعات مفاجئة في أسعار بعض السلع، ثم عودتها السريعة إلى طبيعتها.
وتوضح أن هذه التذبذبات لا تقرأ فقط بلغة الاقتصاد، بل بلغة النفس الجمعية، والخوف، والإشاعة، والتأثير المتبادل بين الناس، وبين من اندفع إلى الشراء بدافع القلق، ومن اختار التريث، تتجلى أهمية الوعي المجتمعي كخط الدفاع الأول.
وتشير إبراهيم إلى أن تعزيز الوعي للحد من الانجرار وراء الخدع التسويقية لا يبدأ من الفرد فقط، بل من المجتمع كمنظومة متكاملة، مبينة أن نشر الثقافة الاستهلاكية الواعية يتطلب دورا فاعلا للإعلام، والمؤسسات التربوية، ومنصات التواصل الاجتماعي.
ويكون ذلك في تقديم معلومات واضحة حول آليات السوق، وفضح الأساليب التسويقية المضللة، كما أن تبادل الخبرات بين الناس، سواء داخل الأسرة أو بين الأصدقاء، يسهم في بناء ذاكرة مجتمعية تحذر من التسرع.
عدم الانسياق خلف الإشاعات
ووفقا لذلك، تؤكد إبراهيم أن الوعي هنا ليس مجرد معرفة، بل سلوك متراكم يقوم على التفكير قبل الشراء، ومقارنة الأسعار، ورفض الانسياق خلف الإشاعات أو العروض المفاجئة.
وتشدد إبراهيم على أن الوعي المجتمعي له دور مهم في كبح الخدع التسويقية، فحين يتحول الوعي إلى حالة عامة، يفقد التاجر الذي يعتمد على الصدمة السعرية أو خلق شعور زائف بالندرة قدرته على التأثير، وتقول "المجتمع الواعي يعيد ضبط السوق بشكل غير مباشر، لأن الطلب يصبح أكثر عقلانية، وأقل تأثرا بالخوف".
وتبين أن الوعي المجتمعي لا يحمي الأفراد فقط، بل يفرض نوعا من الرقابة الشعبية على السوق، حيث يصبح المستهلك شريكا في ضبط السلوك التجاري، لا مجرد متلق له.
ووفق إبراهيم، فإنه لا يمكن فصل سلوك الشراء عن السياق العام الذي يعيشه المجتمع، فالتوترات الإقليمية أو الأزمات السياسية ترفع منسوب القلق الجمعي، وتدفع الأفراد نحو سلوك التخزين الوقائي، حتى وإن لم يكن هناك خطر حقيقي على توفر السلع.
كيف يقل تأثير الخدع التسويقية؟
هذا السلوك مفهوم اجتماعيا، لأنه مرتبط بغريزة الأمان، لكنه في الوقت ذاته قد يستغل من بعض التجار لخلق طلب مصطنع، وهنا يظهر الفارق بين مجتمع يتفاعل مع الأحداث بوعي واتزان، وآخر يستجيب بدافع الخوف والتوقعات السلبية.
والمسألة، كما تقول إبراهيم، ليست فقط في ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، بل في كيفية استجابة المجتمع لها، فكلما ارتفع مستوى الوعي، تراجع تأثير الخدع التسويقية، واستقر السوق بشكل طبيعي.
والمواطن الواعي لا يدار بالخوف، بل بالمعلومة، ويعيد التفكير ويوازن بين الحاجة والاندفاع، فحماية السوق تبدأ من حماية وعي المستهلك، لأن السلوك الفردي حين يتكرر، يتحول إلى قوة مجتمعية قادرة على ضبط الإيقاع الاقتصادي.